العنوان التنصت والجاسوسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1988
مشاهدات 82
نشر في العدد 883
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 20-سبتمبر-1988
التنصت مهنة الجواسيس القدماء استخدموها لمعرفة أسرار أعدائهم واستراق السمع إليهم في غفلة من الأعين، بلغت في هذا العصر شأنًا بعيدًا مع التطور التقني والهندسي وخاصة في مجال الإلكترونيات وتصنيع رقائق السيليكون.
ويعتبر التنصت أحد المهمات الرئيسية لوكالة الأمن القومي الأمريكي وأجهزة الجاسوسية العالمية كالمخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات الروسية وغيرهما، كما يعتبر أحد التكتيكات البديلة المعتمدة لدى الأجهزة التجسسية لزرع العملاء في موضع المراقبة في أجهزة الجاسوسية. بل إن هذه المهنة اللاأخلاقية كانت سببًا في الإطاحة بالرئيس الأمريكي نيكسون عقب فضيحة «ووترغيت» والتي اتهم فيها بالتنصت على حزب المعارضة.
ويشمل التنصت أماكن كثيرة كالسفارات ومكاتب الوزراء والرؤساء ومقار أحزاب المعارضة، وخطوط الهاتف السلكية واللاسلكية لمراقبة الآخرين ومعرفة أفكارهم وتحركاتهم، وقد يتم تجاوز حد التنصت عليهم إلى التصوير في المخادع بغرض الابتزاز وتشويه السمعة، بعد إحكام الشراك مع نسوة محترفات لهذا الغرض.
حكمها في الإسلام:
لا يبيح الإسلام أن يتجسس المسلم على المسلم ولا أن يتتبع عورته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ (الحجرات: 12).
ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تجسسوا»، غير أن هذا الحظر لا يشمل أعداء الإسلام الذين تقوم بين المسلمين وبينهم حالة حرب وذلك لمعرفة أخبار الأعداء، وإن كانت القواعد الأخلاقية الإسلامية لا تجيز الوصول إلى المخادع ولا استغلال النساء لمنافاة ذلك لشريعة الإسلام والتعاليم الدينية السماوية كافة... فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة مهما كان سمو الغاية إذا ما كانت الوسيلة لاأخلاقية.
وفي الشرع إنه إذا تلصص الرجل على المسلم في بيته فضربه المسلم ففقأ عينه فلا دية عليه، وهذا الحكم ينسحب على التنصت والتجسس. ويزيد في عقوبة من يتجسس على المسلمين ويضاعف في إثمه في الدنيا والآخرة أن يكون عمله لصالح أعداء الإسلام والمسلمين أو يخدم مصالح الغرب أو الشرق وأعوانهم في بلاد الإسلام.
تقنية التنصت بين القديم والحديث:
كان التنصت في القديم يعتمد على أذن المتنصت وقوة سمعه، حيث كان يترقب للهدف من وراء جدار أو ستار ليستمع إليه ويعرف ما يدور. أما في عصورنا الحاضرة فقد استعيض عن الآذان البشرية بآذان صناعية مختلفة، وقد تعددت مثل هذه الأجهزة واستخداماتها إلا أن الشائع منها يندرج تحت التالي:
1– الميكروفون السلكي والمسجل:
حيث ظهر هذا الأسلوب في الخمسينات والستينات، قبل ظهور التقنيات الحديثة. من مساوئه عدم القدرة على الاستماع المباشر، وصعوبة غرس أجهزة التنصت وإخفائها، ثم الحاجة إلى مكان مجاور من المكان المراد التنصت عليه للاستماع أو التسلل لالتقاط الأشرطة، مع وجود صعوبة أساسية في إخفاء الميكروفونات والتي كانت في ذلك الوقت كبيرة وثقيلة.
2- المسجل الترانزستور: مع ظهور الترانزستور أصبحت مهمة التنصت أسهل قليلًا نظرًا لصغر حجم المسجلات والميكروفونات لكنها ظلت تواجه صعوبات فنية مثل عدم وضوح الصوت ونقاوته تمامًا.
3- الميكروفون اللاسلكي: ثم ظهر أسلوب أكثر تطورًا وتفضيلًا هو أسلوب الميكروفون اللاسلكي الذي يغرس في موضع المراقبة بصورة سرية. يكون الميكروفون متصلًا بجهاز إرسال قصير المدى يبث على طول موجي معين يتم التقاطه لاسلكيًّا مع تسجيله على أشرطة صوتية في أحد المواقع القريبة.
4- رقائق السيليكون: تمثل الثورة الإلكترونية «الثورة الثالثة» نقلة هامة في تطور أساليب التنصت فقد ظهرت أجيال جديدة ومخيفة من هذه الأجهزة تتمثل في دوائر متكاملة قادرة على الالتقاط والبث لمجال ميل واحد تقريبًا، مع استمداد طاقتها من الصوت الذي تلتقطه فهي تشتغل في وجود الصوت وتتوقف إذا لم يكن موجودًا وحجمها لا يزيد عن 9 ملليمترات مربعة بل إن بعضها دقيق الحجم إلى درجة أنه يمكن غرسه تحت أنف الرئيس لنكولن في رسمه الموجود على السنت الأمريكي.
5– أسلاك التلفون: وهناك أسلوب آخر للتنصت على الأشخاص الموجودين في أماكن ما، من خلال الاستماع إلى الأصوات عن طريق أجهزة التلفون الموصولة بالتيار الثابت من خلال مقسمات التوزيع، مستغلين خاصية معينة تعتمد على إمكانية بث والتقاط الأصوات خلال ميكروفونات متصلة على نفس الدوائر الكهربية إذا لم يوجد عائق وسيط بينها كمحول أو مولد وما شابهها.
6– قرص الالتقاط: وهو أسلوب غير شائع الاستعمال كثيرًا لصعوبة إخفائه، يعتمد على التقاط الصوت البعيد بواسطة قرص محمول يتم توجيهه ناحية الأشخاص أو الأماكن المفتوحة التي يراد التقاط أصواتها. وتكون موصولة عادة بسماعات توضع على الرأس متصلة بأجهزة خاصة لتحسين الصوت وحذف التشويش، ويصنع القرص عادة من البلاستيك ويكون في وسطه جهاز التقاط إلكتروني يعمل عمل الميكروفون موصول بالأجهزة الصوتية الأخرى.
7- الأقمار الصناعية: وهو أسلوب مركزي للتنصت على جميع المكالمات الخارجية لدولة ما من خلال التنصت من خلال القمر الصناعي المستخدم لنقل المكالمات في هذه الدولة أو من خلال المحطة الأرضية التي تبث أو تستقبل هذه المكالمات.
التنصت الهاتفي:
وهو الذي يقوم به أفراد أو جهات تجسسية معينة ضد أفراد أو مؤسسات أخرى، وقد كان من الصعب تتبع وجود هذا التنصت حتى عهد قريب، إذ أمكن الآن معرفة وجود أي تنصت على الهاتف أو الفاكسميلي من خلال أجهزة إلكترونية أخرى أصبحت الآن في متناول الشركات القادرة على الدفع.
ولا يقتصر التنصت على الهواتف السلكية وإنما يتعداه الهواتف اللاسلكية أيضًا.. وتعتبر هذه من المهمات الروتينية التي تقوم بها طائرات الأواكس وسفن التجسس الأمريكية «لاسال (1)» «ولاسال 2» العاملة في منطقة الخليج العربي وبحر العرب، حيث ترسل البيانات التي تلتقطها إلى جهاز الأمن القومي الأمريكي في واشنطن لجمع وغربلة المعلومات وتركيبها قبل تحليلها واتخاذ القرار.
أجهزة صوتية أخرى مساندة:
ومن الأجهزة الصوتية الأخرى المساندة أجهزة لتحليل الأصوات ومعرفة مصداقية المتحدث فيما يقول من خلال تحليل نمطي للصوت واهتزازاته، وبالرغم من وجود أجهزة محمولة إلا أنها ليست دقيقة إلى حد كبير لاحتياجها إلى أجهزة للتحليل الحراري لوجه وجسم المتحدث للتأكد من صدقه أو كذبه.. ولا تتجاوز دقة هذه الأجهزة أكثر من 70٪ على الأكثر.
كيف تتغلب على التنصت؟
يمكن وضع الميكروفونات في أي مكان خاصة مع صغر حجمها ودقتها، قد تكون خلف سماعة الهاتف أو في جهاز كهربي أو في مصباح الطاولة أو في زر المقعد، ربما خلف لوحة وربما في المسمار الذي يحملها! من الصعوبة تقصي مكان الميكروفون بدون استخدام أجهزة إلكترونية خاصة لمكافحة التنصت واكتشاف الميكروفونات... وبمجرد اكتشافه يمكن التخلص منه بتحطيمه أو إلقائه في البالوعة.. إلا أن من المهم التحسب من زرع أكثر من ميكروفون في المكان الواحد وتفتيش المكان جيدًا.
ومن هذه الأجهزة ما يتم غرسه في ساعة المعصم كتلك التي كان يرتديها «هنري كيسنجر» أثناء زياراته لروسيا ويتم تشغيلها بطريقة خاصة بحيث تدل على موضع الميكروفون الخفي. وهناك الآن الكثير من هذه الأجهزة المحمولة متوفرة بشكل تجاري ضمن حدود معينة.
ويمكن إبطال فاعلية أجهزة التنصت بإحداث ضوضاء غير منتظمة ويفضل أن تكون أصواتًا آدمية أخرى مسبقة التسجيل على أشرطة صوتية بحيث يتم تشغيلها عند بدء الحديث العادي للتشويش على الميكروفون، وبحيث لا يمكن لأجهزة حذف التشويش غير المتطورة التغلب عليها.
ويمكن إبطال فاعلية الميكروفونات نهائيًا بإجراء حوار صامت على الورق بحيث يدور الحوار بين الأفراد على الورق وبالقلم بدل اللسان.
كما يمكن إبطال مفعول التنصت عبر أسلاك الهاتف بمجرد نزع قابس جهاز الهاتف من موضعه قبل بداية الحديث.
هل يمنعون قدر الله؟
وبالرغم من أن التنصت أداة مهمة لجمع المعلومات إلا أن الأهم من التنصت نفسه هو اتخاذ القرار المناسب بعد جمع المعلومات وتحليلها. وبالتالي فإن أعداء المسلمين وإن استطاعوا جمع ما شاءوا من المعلومات عن المسلمين وتحركاتهم تبقى إرادة الله أقوى وقدره نافذ لا راد له ولا لمشيئته، والله سبحانه وتعالى قد نصر عباده بالرعب مسيرة شهر، وهو يؤيدهم بنصره متى نصروه عز وجل.. إن المستقبل يبقى للمسلمين والمستقبل يبقى رغم أنوف أعداء الله لهذا الدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل