; التوجهات العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة | مجلة المجتمع

العنوان التوجهات العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الأحد 23-فبراير-1992

مشاهدات 59

نشر في العدد 990

نشر في الصفحة 29

الأحد 23-فبراير-1992

يمكن تشبيه حالة العالم اليوم بحالة المريض الذي يخرج معافى من مرض مضن وعويص فيجد نفسه محاصرًا بالآلام والأوجاع من كل حدب، ذلك أن العالم الذي ما أن كتب له الشفاء من داء الشيوعية إلا ووجد نفسه وسط عائدات من كل صنف بما فيها الركود الاقتصادي وبقاء ديكتاتوريين تقليديين غير شيوعيين في السلطة وتأجج نيران المشاعر القومية بدرجتين متفاوتتين، إحداهما محرجة دائما «أمريكا ضد اليابان» والأخرى دامية «الصرب ضد الكرواتيين» وإذا عم التشاؤم والكآبة.. العالم اليوم فإنه ينبغي أن يدرك الجميع أن البلسم الذي ساعد على استئصال مرض الشيوعية يمكن أن يشفى العالم مما يعاني منه حاليًا بعد أن نجا من مرض الشيوعية المميتة الذي دخل في طي النسيان ويمكن إيجاد عدة تفسيرات للكآبة السائدة في العالم مع بداية عام 1992 وتعزى في المقام الأول إلى الوضع الراهن للاقتصاد العالمي حيث إن البطء في النمو الاقتصادي استمر لفترة زادت عما كان متوقعًا وجذب كل الانتباهات إلى مخاطر كانت خفية إلى عهد قريب، وتتمثل في غياب الكفاءة في النظام التعليمي الأمريكي وانتشار الفضائح والفساد لدى السياسيين في اليابان، في وقت تواجه ألمانيا مصاعب جمة نتيجة انتهاجها سياسة صارمة لمحاربة التضخم، وكل هذه الأمور تدعو إلى القلق، ولكنها لا تمثل تفسيرًا لبقاء النبرات التشاؤمية في أصوات المشتكين نتيجة الانخفاض الطارئ في النمو الاقتصادي لأهم البلدان الصناعية بنسبة 11% في عام 1991، وبالتالي فإن ظاهرة المبالغة في التشاؤم تحتاج إلى تفسيرات أخرى غير اقتصادية.

* بعد سقوط الشيوعية أمريكا لم تضع بعد ركائز ثابتة لسياسة خارجية واضحة المعالم خاصة بها.

أسباب الكآبة

ويجد الأمريكيون التفسير الآخر في التغير المفاجئ في مفهوم أهداف الوطن ذلك أن السنوات الخمسين التي امتدت في الفترة ما بين 1941– 1991 قد أعطت أمريكا أول فرصة حقيقية لانتهاج سياسة خارجية خاصة بها، كما سنحت لها نفس الفترة فرصة إنقاذ العالم أولاً من ويلات الفاشية ثم إنقاذه ثانيًا من داء الشيوعية، والكل يعرف أبعاد الحلم الأمريكي، والآن وقد أنقذت أمريكا العالم مرتين فإنها لم تضع بعد ركائز ثابتة لسياسة خارجية واضحة المعالم خاصة بها.

* بعد فشل فرنسا في السيطرة على ألمانيا عليها أن تودع حلمها القديم في قيادة أوروبا.

أما الأوروبيون فإنهم يعتقدون بأن لسوء الأوضاع علاقة بنهاية الحرب الباردة ولكن بطرق مختلفة فقد حقق الألمان ما كانوا يصبون إليه منذ عام 1940، ألا وهو لم شمل شطري ألمانيا ولكن ذلك قد كلفهم ثمنًا باهظًا من الناحيتين الاقتصادية والنفسية، بل أكثر مما كانوا يتوقعون وهذا مصدر شعورهم بالإحباط وخيبة الأمل مثل الأمريكيين، ومن جانب آخر فاتت من الفرنسيين فرصة الوصول إلى أهم ما كانوا يطمحون إليه منذ عام 1945 وهو القدرة على السيطرة على ألمانيا. ذلك أن ألمانيا الموحدة كبيرة جدًا لكي تستطيع أي دولة أوروبية أن تمسك بزمامها خلال التسعينيات، وتدعو حالة فرنسا إلى الرثاء، حيث إن ألمانيا ستكمل في النهاية عملية إعادة بناء شقها الشرقي المدمر، كما أن الولايات المتحدة سوف تحدد من جديد أهدافها الخارجية، ولكن على فرنسا أن تودع حلمها القديم في قيادة أوروبا.

وبالنسبة للجميع فإن مرحلة ما بعد الحرب الباردة تعيد إلى الأذهان فكرة أن العالم مازال مكانًا غير آمن. والأغرب في الأمر هو أنه بعد أن خرجنا منتصرين من الحرب الباردة زاد الاعتقاد بأنه تحول إلى مكان أطيب للعيش، ولقد عانى العالم ما عانى عندما وقع لمدة 20 سنة تحت وطأة قوتين سياسيتين مغرضتين ومضللتين وهما: الفاشية والشيوعية، اللتان ما تركتا ذكريات طيبة للعالم، وعندما زال العلم الأحمر من فوق الكرملين ابتهج القرن العشرون وأخذ يدغدغ الإنسان الحلم إلى مستقبل أفضل وحريات أكثر.

وكانت النتائج الأولى ملموسة فقد أتاح انهيار القوة السوفيتية تشكيل قوة التحالف التي طردت جنود صدام حسين من الكويت كما دفع إفلاس الشيوعية الكثير من الدول الإفريقية إلى السماح بالتعددية السياسية والاقتصاد الحر، وبما أن العصابات المتمردة لم تعد تتلقى أي دعم من موسكو فإنها سوف توجه جهودها نحو بناء الديمقراطية في بلدان مثل السلفادور وجواتيمالا ولكن التعددية لن تتم تلقائيا كما أنها لن تكون أيضًا ظاهرة عالمية.

أولويات ما بعد الحرب الباردة

إن المرحلة القادمة في التقدم مازالت في طور بدايتها لأن الحكومات الديمقراطية لم تدرك بعد بدايتها بيد أن ثمة بعض الأمور أخذت تتجلى من الآن..

فإذا وضعت الحرب الباردة أوزارها فإن ذلك لا يعني بالضرورة أننا سوف نعيش في عالم يسود فيه الأمن والاستقرار، بالعكس فإننا قد نشهد مزيدًا من العنف طالما أن هناك طواغيت كانوا يحتمون لدى قوة عظمى وأصبحوا متأكدين أن بإمكانهم التشبث في السلطة بفضل بأسهم وقبضتهم.. إن أمثال هؤلاء يشكلون أكبر خطر للنظام الدولي خلال السنوات القادمة إذا إنهم ليسوا أصحاب نظريات على الرغم من أن البعض منهم قد يلوح براية الإسلام، وقد عرفنا بعض هؤلاء الديكتاتوريين من أمثال صدام حسين وكيم ايل سونج، ولم نتعود بعد على أسماء البعض الآخر في القوقاز والقرن الإفريقي ومناطق أخرى.

ولكن لن يصل أي واحد منهم إلى ما وصل إليه الاتحاد السوفيتي من القوة، غير أن البعض منهم سيكون قويًا بما فيه الكفاية لكي يتجاهل العزل الدبلوماسي أو العقوبات الاقتصادية غير الصارمة.

إن هذا الأمر يتطلب من بين أمور أخرى عملا عاجلًا بشأن الأسلحة النووية، ومن البديهي أن أي ديكتاتور يفقد حماية القوة العظمى التي كانت تحميه، فإنه سيلجأ إلى مخزونه من الأسلحة الرادعة، ولسوء الحظ فإن تفكك الاتحاد السوفيتي سيساعد في انتشار الأسلحة النووية وهجرة العقول التي كانت تصنعه، وأنه بات ملحًا وضع برنامج صارم للحد من الانتشار النووي لفترة ما بعد الحرب الباردة وهو أمر ضروري، وقد ينجح هذا البرنامج إذا توافر أمران: أولهما عرض وظائف وبرواتب مغرية للعلماء في الاتحاد السوفيتي القديم للعمل داخل مختبرات تتوافر فيها وسائل الراحة، والأمر الثاني وهو أكثر صعوبة ويتمثل في إرغام الحكومات المشبوهة فيها على السماح لإجراء تفتيش واسع لمنشآتها النووية وفي حالة رفضها تدمر هذه المنشآت وقد يولد هذه لحظات مليئة بالتوتر، وقد يحدث ذلك قريبًا وينبغي إجراء تجربة هذا البرنامج للمرة الأولى على العراق وكوريا الشمالية بحيث تصبح كل دولة منهما خالية من الأسلحة النووية قبل نهاية عام 1992، إن على البلدان التي تتعاون في ميدان الحد من الانتشار النووي والتي قد توضع قريبًا على المحك ألا تسمح في الوقت نفسه لصراعاتها الاقتصادية أن تكون سببًا في إحداث الفرقة بينها، ولذلك فإن النجاح في المفاوضات التجارية للاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة «الجات»، يأتي في مقدمة أولوياتهم، والمشكلة هي أن مسألة الوصول إلى أي اتفاق يبرم في إطار «الجات» تتوقف على رغبة وحسن نيات دول السوق الأوروبية، والمزيد من التعاون في سياساتها الزراعية، وأن ذلك يعتمد أيضًا على قدرة بقية الأوروبيين على إقناع فرنسا أنه لم يعد بوسعها إغراق فلاحيها بالأموال التي تأخذها الحكومة من سكان المدن أن حالة فرنسا في الحقيقة هي للرثاء أقرب، لأن نهاية الحرب الباردة قد رفعت الغطاء عن عجزها عن الدفاع عن كثير من سياساتها، ولكن إذا لم يتوصل العالم إلى اتفاق عاجل على قوانين تجارية جديدة فإن كلا من أوروبا وأمريكا واليابان ستنتهج سياسات اقتصادية مختلفة وسوف يتلاشى الأمل الذي كان يراود الدول الديموقراطية بشأن توحيد سياساتها الخارجية.

ولا توجد هنا دولة تستطيع أن تتحكم في مصير العالم وحدها في أعقاب انهيار النظام الشيوعي، فعلى سبيل المثال فإن أمريكا تملك القوة العسكرية اللازمة المسيطرة على العالم، ولكن ينقصها المال الكافي لكي تكون أكبر قوة اقتصادية في العالم في حين أن اليابان تملك المال الكافي ولكن تعوزها الإرادة اللازمة، ثم إن أوروبا تملك بعض الشيء من المال والأسلحة ولكن ينقصها الترابط والتنسيق، ولذلك فلن يقوم هناك أي نظام دولي جديد إلا في ظل التعاون الدولي، ولا يعني ذلك أنه يجب أن يكون هناك دائما توافق في الآراء، فحتى من غير المتوقع أن تستمر الدول الأعضاء حاليًا في مجلس الأمن في الاتفاق في كل صغيرة وكبيرة ولكي تسود في العالم ممارسة التعددية خلال التسعينيات فإن ذلك يتطلب نوعًا من تحالف آخر .

وإذا توصلت أمريكا وأوروبا إلى وضع برنامج رئيس للسنوات القليلة القادمة فإن اليابان قد تشاركهما في كثير من الأمور، وإن روسيا الثانية قد ترضخ للأمر الواقع لكونها مرغمة على الانصياع، وإن الصين المعزولة عقائديًا لن تتسرع في فرض حقها في الفيتو لعرقلة أي قرار لا يمسها بشكل مباشر، ومن ثم بات من الممكن تسخير طاقات ونفوذ الأمم المتحدة في تنفيذ البرنامج المذكور والذي لا يمكن تنفيذه بواسطة أمريكا وأوروبا إلا إذا كانتا راغبتين في العمل المشترك.

الرابط المختصر :