العنوان التوسع في الإعلانات التجارية: تكريس الاستهلاكية في مجتمع ذي اقتصاد متخلف
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1985
مشاهدات 70
نشر في العدد 713
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 16-أبريل-1985
* على المسئولين محاربة الاستهلاكية في الكويت والشروع في إجراءات «الفطام الاقتصادي»
* نشر الإعلانات التجارية في البرنامج الثاني يشير إلى زيادة الدعوة نحو الإنفاق وتكريس الاستهلاكية في المجتمع الكويتي
* الإعلانات التجارية تمارس غسيل المخ نحو الأفراد وتقنعهم بشراء ما لا يحتاجونه
الإعلانات التجارية ابتكار حديث ظهر في العالم الغربي مع تطور الاقتصاد والتكنولوجيا ومع ازدهار الصناعة التي خلقت آلاف السلع الجديدة التي لم يعرفها الناس من قبل، وكانت الصحف آنذاك الوسيلة المثلى للإعلان، كما أن الإعلانات نفسها كانت بسيطة ومباشرة: «لدينا السلعة التي تريد.. تعال وخذها».
ومع مرور الزمن وتعاظم حجم الشركات واشتداد المنافسة بينها تطورت الإعلانات التجارية بشكل باهر وتنوعت أساليبها ووسائل عرضها، وأصبحت لها مؤسسات ووكالات تختص فيها، وكان المستفيد الأول من ذلك هم من يملكون وسائل عرض الإعلان على اختلافها: صحف، محطات، تلفزيون، إذاعات... إلخ.
ونشاهد في الدول الغربية محطات تلفزيون وإذاعات قامت أساسًا على الإعلان والدعايات التجارية، وبدون هذه الإعلانات ومردودها المالي، فإن هذه المحطات ستفلس لأن هذه المحطات مملوكة للقطاع الأهلي، ولا تتلقى أي مساعدة حكومية.
الاقتصاديون بدورهم يشجعون الدعاية والإعلان وكذلك المؤسسات التي تقوم عليها؛ لأن الإعلانات وما تمارسه من تأثير كبير على الأفراد في المجتمعات الغربية سوف تؤدي في النهاية إلى زيادة الاستهلاك، وهذه العبارة «زيادة الاستهلاك» ذات وقع سحري على رجال الاقتصاد، وهي ترتبط عندهم غالبًا بالخير والبركة.. وانتعاش الاقتصاد ونموه وتحقيق الفائدة في المجتمع.
والسبب في ذلك واضح؛ فزيادة الاستهلاك من قبل الأفراد سيحقق مزيدًا من العمل للشركات والمؤسسات الاقتصادية والمصانع، وهذا سيؤدي بدوره إلى نتيجتين هامتين: زيادة إيرادات تلك المؤسسات، وبالتالي أرباحها، ثم الحاجة إلى مزيد من العمالة والقضاء على جزء من البطالة في المجتمع، وهاتان النتيجتان هما حلم كل الاقتصاديين.
غير أن هذا الأمر صحيح فقط في الدول المتقدمة ذات الاقتصاد المتكامل، أما في الدول المتخلفة فإن القصة مختلفة تمامًا.
الإعلانات التجارية في الكويت:
إن الاقتصاد الكويتي هو اقتصاد متخلف.. والسيولة المالية الكبيرة في الكويت الناتجة عن مبيعات النفط لا تغير شيئًا من هذه الحقيقة، وليس أدل على تخلف اقتصادنا من كونه يعتمد بصورة شبه كاملة على تصدير سلعة واحدة هي النفط الخام، وهي سلعة آيلة للنضوب، كما أن سوقها مهدد.
وفيما عدا النفط فلا يوجد اقتصاد حقيقي.. لا توجد زراعة ولا توجد صناعة ولو متواضعة، ولا توجد مؤسسات خدمات راقية تستفيد من اقتصاديات الدول المجاورة، وفوق ذلك فإن المجتمع الكويتي يتصرف كما لو كان من مجتمعات غرب أوروبا، فهو يستخدم ويستهلك السلع والخدمات الضرورية وغير الضرورية بشراهة شديدة، في حين أن هذه السلع يتم استيرادها بالكامل من الخارج وتدفع الكويت ثمنها بالعملة الصعبة التي تملكها «البترودولار».
إن أي اقتصادي عاقل وغير «مسيس» سيخبرك بأن أهم إجراء يجب أن تتخذه دولة لها نفس حالة الكويت هو أن تحارب الاستهلاك الزائد لدى مواطنيها والمنصب على السلع الكمالية، وبذلك تقلل من حجم أموالها المتسربة إلى الخارج، في نفس الوقت تركز الدولة على الإنفاق الاستثماري، وأهم استثمار في مجتمع مثل المجتمع الكويتي هو الاستثمار البشري «إعداد الأفراد لكي يكونوا منتجين».. وبعد ذلك تصبح أنواع الاستثمار الأخرى ممكنة: صناعة تحويلية، صناعة قائمة على المادة الخام اليتيمة في الكويت «النفط»، الثروة البحرية، خدمات... إلخ. وستجد هذه الاستثمارات رصيدًا كبيرًا من الثروة البشرية المحلية والمؤهلة لكي تدعمها وتكفل لها النجاح والديمومة.
وهذا التفكير -رغم منطقيته- لا يحظى بكثير من الاهتمام في الكويت، وأسباب ذلك هو موضوع ذو شجون.. ولكن الذي يهمنا هنا هو موقع الدعاية والإعلان في الكويت من هذا كله.
كيف يكرسون الاستهلاكية في مجتمعنا؟
لقد بدأت الدعاية والإعلان في الكويت مع تطور الإعلام الكويتي بما يتضمنه من وسائل نشر الإعلان وبشكل خاص وسائل الإعلام الأهلية وهي الصحف والمجلات، وكانت الدعاية في السابق لا تحتل حيزًا كبيرًا في الصفحات؛ لأن التركيز آنذاك «في الخمسينيات والستينيات» كان على المادة الخبرية والمقال الفكري، كما أن المؤسسات الاقتصادية في الكويت كانت قليلة في تلك الحقبة، ولم تكن تتفهم دور الإعلانات في العمل التجاري، وفوق ذلك كانت الأموال قليلة في جيوب المواطنين.
ولكن مع بداية السبعينيات حدث تحول خطير في مضمار الدعاية والإعلان في الكويت، فإلى جانب امتلاء الصحف والمجلات بالدعايات الملونة والمبتكرة، فإن الإعلام الرسمي قد أقحم نفسه في هذا المسار، فبدأ تلفزيون الكويت يبث الدعايات التجارية.. ويذكر كثير من المشاهدين كيف أنهم فوجئوا بتلك الدعايات، وكان البعض يستجيب معها، كما لو كانت تمثيلية جديدة أو مسلسل مبتكر للملابس الداخلية «هانس» أو مشروب الصيف المنعش «فيمتو».
وليس غريبًا أن يبث التلفزيون في بعض الدول إعلانات تجارية، ولكن الغريب أن يتم ذلك من قبل تلفزيون حكومي وليس أهليًّا.. فتلفزيون الكويت تابع لوزارة الإعلام وله تمويل مالي خاص، وهو في غنى تام عن «التكسب» من وراء الإعلانات كما تفعل المؤسسات الإعلامية الأهلية كالصحف أو التلفزيونات في بعض الدول الأجنبية.
إن دور تلفزيون الكويت كجهاز حكومي ينبغي أن يتوجه نحو التوجيه والإرشاد والتثقيف إلى جانب الترفيه النظيف ونقل أخبار العالم والمعلومات عنه إلى المشاهد، وكذلك نشر الثقافة الوطنية ومتابعة النشاطات المحلية.. وعلى هذا الأساس فإن الدعايات والإعلانات هنا لا تمثل أي خدمة للمشاهد، بل هي انتقاص من وقت البث التلفزيوني -وهو حق للمشاهد- واستغلاله في أشياء لا علاقة لها بدور التلفزيون كجهاز تموله وتشرف عليه الحكومة.
غير أن الأدهى من ذلك في موضوع الدعايات في التلفزيون هو مساهمة هذا الجهاز الحكومي في تشجيع المواطنين على زيادة الاستهلاك على السلع «وكلها مستوردة» وخاصة السلع الاستهلاكية الكمالية من أجل ملء جيوب تجار هذه السلع وعلى حساب الاقتصاد.
إن انخراط الصحف ووسائل الإعلام الأهلية في نشر الدعايات والإعلان أمر له ما يبرره، فهذه الدعايات وما تدره من أموال تعتبر من دعائم هذه المؤسسات، ولكن ما شأن التلفزيون في ذلك؟!
إن الحكومة في الكويت مطالبة بمحاربة القيم الاستهلاكية التي تسيطر على المجتمع الكويتي وخلق القيم الإنتاجية وتدعيمها، وذلك عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، وبالذات وسائل الإعلام التي تحتكرها كالتلفزيون والإذاعة، ولكن أن يأتي تلفزيون الكويت ليحارب التوجه المطلوب للحكومة وأن يبالغ في نشر الدعاية والإعلان من أجل خدمة المؤسسات التجارية اللاإنتاجية، فإن ذلك تكريس بغيض للاستهلاكية في المجتمع الكويتي.
الدعايات في البرنامج الثاني: مزيدًا من الاستهلاك أيها الكويتيون:
ومما أثار هذا الموضوع في الآونة الأخيرة قيام التلفزيون -بعد تردد طويل- بفسح المجال للدعاية والإعلان في برنامجه الثاني خلال الدورة الجديدة «أول إبريل» وكأن المواطنين في الكويت ليسوا منكبين بما فيه الكفاية على استهلاك السلع التي لا تسمن ولا تغني من جوع، حتى يأتي تلفزيون وزارة الإعلام لكي يدعوهم لمزيد من التبذير.
ويبدو أن التلفزيون هنا يتحرك مع أجهزة الدولة الأخرى، لتحقيق توجهات المتنفذين في هذا البلد، فإذا كان هؤلاء المتنفذون يحاولون إقناع الحكومة بضخ المزيد من الأموال في الأسواق لـ«تحريك الاقتصاد» ولـ«تنشيط المؤسسات الاقتصادية»، كما يزعمون، فإنهم سيحبذون في نفس الوقت زيادة الدعايات التجارية، وبالتالي زيادة الإنفاق من قبل المواطنين على السلع الكاسدة في الأسواق، وبالتالي «انتعاش الاقتصاد» أو امتلاء جيوبهم بالأحرى.. وهو ما يساهم تلفزيون الكويت الحكومي في تحقيقه.
ولا يقول البعض بأن الدعايات لا ترغم أحدًا على الشراء، وإنما هي لعرض السلع، فهناك ما يسميه الاقتصاديون بـ«أثر المحاكاة»، أي أن الطبقة الأقل ثراء تحاول دائمًا تقليد الفئة الأكثر ثراء، وبالتالي فإن انتشار سلعة كمالية بين فئة في المجتمع سوف يرغم سائر المجتمع على اقتنائها، فهل يجرؤ مواطن الآن على عدم اقتناء جهاز فيديو لأجل أطفاله، أم يجرؤ شاب على قيادة سيارة غير فارهة كالتي يقودها أقرانه، أم تحاول فتاة الظهور بملابس لا تتناسب مع فخامة الموديلات الجديدة التي تلبسها صديقاتها.. هذا على سبيل المثال.
والدعايات التجارية تفعل في الناس ما يشبه غسيل المخ، وتقنعهم بأنهم يحتاجون ما لا يحتاجونه في الواقع، وبالتالي إثقال الناس بالالتزامات المالية والانكباب على جمع المال بشتى الطرق للحاق بآخر السيارات طرازًا وأحدث أنواع العطور في السوق والأجهزة الكهربائية المبتكرة لراحة ربة المنزل... إلخ.
ولا ننسى هنا الإشارة إلى الناحية الأخلاقية في الدعايات وبشكل خاص الاستغلال المهين للمرأة في هذا المجال ومحاولة إقحامها في الدعاية لسلع لا علاقة لها مطلقًا بالمرأة، وحري بتلفزيون الكويت وحتى الصحف والمجلات الانتباه إلى ما أثاره بعض النواب الأفاضل في مجلس الأمة في هذا الصدد، ثم مناظر العري والمناظر غير اللائقة في بعض الدعايات؛ فمثلًا بعض إعلانات «الشامبو» والعطور تتضمن مشاهد يحذفها الرقيب فورًا لو جاءت في مسلسل عادي أو فيلم.
ويجب الإشارة في آخر هذا المقال إلى أن الدعاية والإعلان هي -كأمور كثيرة أخرى- انتقلت إلينا من الغرب بسبب التقليد الأعمى. ورغم أنها من ناحية المبدأ ليست سيئة دائمًا إلا أنه ليس ما كل يفيد في الغرب يفيد عندنا، خاصة ونحن في ظروف اقتصادية مختلفة، واعتراضنا على الدعايات ناتج من كونها لسلع مستوردة -وغالبًا- غير ضرورية.
ونحن ندعو المسئولين في الدولة وكذلك مجلس الأمة إلى اتخاذ إجراءات جادة لمحاربة الاستهلاكية في المجتمع الكويتي وتنمية الإنتاجية، وأن تشرع الدولة في عملية «الفطام الاقتصادي» وتخليص المجتمع الكويتي الذي كان مثالًا للنشاط والمثابرة في الماضي من الترهل الذي أصابه بعد النفط، وذلك استعدادًا لسنوات عجاف قادمة قد بدت بوادرها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل