العنوان الصحافة الكويتية بين الحرية والانضباط
الكاتب طارق الحمود
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993
مشاهدات 36
نشر في العدد 1062
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 17-أغسطس-1993
من السهل جدًا على المرء أن يكتب ما يشاء كما يشاء في ظل الصحافة الحرة، ولعل شطحات الكتاب وانفلاتهم يظهر -بشكل لافت للنظر- في الصحافة الغربية حيث يكتسب الصحفي هناك شهرته من خلال الإثارة الصحفية التي ينتهجها في عمله، دون اعتبار لأية قيود اجتماعية أو أخلاقية. وإذا كان هذا الوضع مقبولًا بالنسبة للغرب اتساقًا مع مبدأ الحرية المطلقة المتحررة من أي قيد، مما يجعله متماشيًا مع الوضع الطبيعي العام للمجتمع الغربي، فإن وجود مثل هذه الشطحات والانفلات غير المنضبط في مجتمعنا العربي المسلم الهوية والانتماء، يعتبر أمرًا غير طبيعي على الإطلاق ويسير بالاتجاه المعاكس لطبيعة الأفراد والمجتمع ككل.
الهبوط
الأخلاقي في الكتابة
أحد أبرز مظاهر هذا الانقلاب لدى البعض ممن يكتبون
في صحافتنا المحلية، هو ما اعتادت على سلوكه إحدى المتخصصات في مجال التربية- وهي
أستاذة جامعية- تحرر صفحة أسبوعية، تتناول فيها مشاكل الرجل والمرأة ذات الطابع
الجنسي، سواء أكانت هذه المشاكل نفسية بحتة أم فسيولوجية ونفسية في آن معًا. ونحن
لسنا ضد أن يقتحم العلم المجالات التي تمثل مشاكل للناس في سبيل إيجاد الحل لها،
ولكن يجب أن يكون ذلك في الإطار المتفق مع آداب الإسلام وطريقته في حسن عرض
المسائل الحساسة، وعدم طرح ما قد يثير الشهوة ويشجع على الحرام على الملأ.
ومن هنا فإننا نعتقد بأن الكتابة في هذا المجال
الدقيق إذا لم تتوخ هذه الآداب، فإنها تتعدى كونها جريئة إلى كونها صفيقة ومخلة
بالآداب، وبهيبة الأخلاقيات في المجتمع، ناهيك عن أن طرح مثل هذه المسائل على
العامة والمراهقين وضعاف النفوس ليقرأوها على صفحات الجرائد، ستكون أحد أسباب
تشجيع الجنوح إلى الجريمة الجنسية والتعدي على حرمات الأعراض، مما يجعل مكانها
الطبيعي هو عيادة الطبيب النفسي أو الدكتور التربوي المختص ليتحقق الغرض العلمي
المطلوب بعيدًا عن الفحش والإسفاف وإثارة الغرائز.
وعلى نفس الشاكلة يكتب محرر ما، أو تكتب صحفية ما،
قصة أو رواية أو شعرًا مملوءًا بالألفاظ الموحية والمحركة للغرائز الجنسية، بحجة
أن ذلك من فنون الأدب، وتقوم صحافتنا بنشرها، دون أدنى شعور بالمسؤولية نحو الفرد
أو المجتمع، ودون أدنى اعتبار لأمانة رسالة الصحافة.
ويدخل ضمن هذا الإطار الإعلانات التجارية المدفوعة
الثمن لنشر طلب فتاة للإعلان تكون بالمواصفات الفلانية، ويبدأ بتعديد صفاتها
الجسدية.
إن الدعوة إلى احترام آداب الإسلام لا تقع في اتجاه
مخالفة الحرية التي كفلها الدستور بل على العكس، هي تؤكد طبيعة هذه الحرية الكريمة
التي تحافظ على الكيان الأخلاقي للمجتمع وتحيطه بسياج من الاحترام والهيبة للمعاني
الخلقية، يحول دون الوقوع في مهب عواصف الانحلال والانحدار الأخلاقي الذي يحول
النسيج الأسري للمجتمع إلى مزق مهتكة متفككة، ويبذر فيها بذور الفناء.
التعدي على
أساسيات الإسلام
ويقع ضمن نفس الإطار، ولكن بمضمون وسياق مختلف، ما
يكتبه البعض بحجة انتقاد ممارسات التيار الديني، وهو أمر لا غبار عليه، إذا كان من
باب النصح والإرشاد المخلص، لكن الملاحظ أن من يكتب منتقدًا من هؤلاء، يجنح إلى
مهاجمة بعض أساسيات الإسلام ومبادئه دون أن ينتبه لذلك.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن سنكتفي بمثالين:
الأول هو الجدل الذي ثار حول قرار منع سفر الموظفة إلى الخارج إلا بمحرم. وكتب من
عارض هذا القرار منتقدًا التيار الديني، واصفًا إياه بأنه يسعى إلى هدم الدستور
الذي حفظ الحريات للمرأة، ويغفل هؤلاء أو يتغافلون عن أن تحريم سفر المرأة إلى
خارج موطنها إلا برفقة محرم، هو حكم شرعي أجمع عليه فقهاء الإسلام، ولم تأتِ به
جماعات التيار الديني كما يسمونها.
المثال الآخر، هو ما يطلقه البعض من وصف جماعات
الإسلام أو التأسلم السياسي عندما يتحدثون منتقدين التيار الإسلامي ونحن -كما
قلنا- مع النقد الناصح إلا أن هؤلاء المنتقدين، باستخدامهم لهذا الوصف، كأنهم
يقولون بأن الإسلام لا شأن له بالسياسة، وهو ما يخالف أصلًا شرعيًا أساسيًا من
مقومات الإسلام، وأجمعت الأمة منذ عهد نبيها عليه الصلاة والسلام حتى هذا اليوم،
وإلى أن تقوم الساعة على أن الإسلام نظام شامل لجميع جوانب ومناشط الحياة
والمجتمع، بما فيها السياسة.
إن الصحافة كمنبر من منابر الحرية في هذا البلد يجب
أن تتغذى من رحيق الأدب الإسلامي الذي يكرم الإنسان وحرمة الأعراض، والذي يعضد
أركان الأخلاق في هذا المجتمع، ويحمي النظام العام والآداب العامة الحارسة لكيانه،
وإلا فإن مداد الحبر الصحفي سيكون إحدى أدوات إضعاف النسيج الأخلاقي والاجتماعي
لمجتمعنا الطيب الصغير.
اقرأ أيضًا: