; التيارات المسيحية المتشددة.. وتأثيرها في السياسة الخارجية الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان التيارات المسيحية المتشددة.. وتأثيرها في السياسة الخارجية الأمريكية

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000

مشاهدات 57

نشر في العدد 1383

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 04-يناير-2000

لندن: 

ربما كان الانطباع السائد أن السياسة الأمريكية سواء المحلية أو الخارجية مصطبغة تمامًا بالصبغة العلمانية أو اللادينية، ولكن الحقيقة هناك تيارات دينية نصرانية عديدة -يصنفها البعض ضمن التيارات اليمينية المحافظة مقابل التيارات اليسارية المتحررة- تشكل من خلال اتصالاتها بالكونجرس ورجال السياسة والمال والإعلام رافدًا مهمًا من روافد السياسة الأمريكية التي يؤثر بعضها على الشرق الأوسط نفسه، ومثلما لم يعد هناك من مجال لإنكار دور اللوبيات الصهيونية واليهودية على السياسة الأمريكية -حتى بين معظم الأمريكيين- هناك وعي مماثل بدور اللوبيات المسيحية المتشددة والتي يتمتع بعضها بصلات حميمة مع اللوبيات اليهودية لتشابه كبير في بعض جزئيات أجندتهما الخاصة بدعم إسرائيل.

بل وهناك تشابه بين هذه اللوبيات المسيحية وبين طروحات الإسلاميين في العالم العربي في القضايا الأخلاقية مثل مناهضة الإجهاض والشذوذ الجنسي والإباحية وتعليم الأطفال منذ وقت مبكر الثقافة الجنسية وسباق التسلح، لكن ربما كان الفرق أن هذه اللوبيات -ضمن هوامش الحرية المتاحة نسبيًّا- تمكنت من ترويج مبادئها ضمن عدد هائل من الشبكات التلفزيونية والإذاعية التي تبث برامجها لملايين الأمريكيين واستقطاب مجموعة من النواب والسيناتورات في الكونجرس -لا سيما من الحزب الجمهوري- لتبني آرائها والدفع بها على شكل مشاريع قرارات تؤثر على الإدارة الأمريكية نفسها، وكما لهم اتصالات برجال السياسة لهم أيضًا تحالفات أيديولوجية مع تيارات يمينية ليست بالضرورة دينية لكن لها أجندة أخلاقية مشابهة وتتمتع بقدرات مالية وإعلامية ضخمة، وهذا التحالف للدفع بأجندة مسيحية تريد أن تستفيد من ظروف العولمة الأمريكية لبث مبادئها للعالم بأكمله بما فيه العالم الإسلامي يثير مخاوف بعض المسيحيين خاصة الذين يعيشون في العالم العربي، فقد حذر في وقت سابق ممثل عن مجلس الكنائس في الشرق الأوسط من تداعيات تأثير الناشطين المسيحيين في السياسة الخارجية الأمريكية، مشيرًا إلى أنها تعيد أذهان المسلمين في منطقته ذكريات الصليبيين وتؤكد المخاوف من وجود رغبة أمريكية حاسمة لتنصيرهم، وحذرت الصين أيضًا الولايات المتحدة بصور مختلفة من أن يكون الدين في واشنطن عاملًا من عوامل صياغة العلاقة بين واشنطن وبكين خاصة إذا اتخذ ذلك ذريعة أمريكية للتدخل في شؤون الصين المحلية وهذا الجدل على مستوى الدول الكبرى كالصين وعلى مستوى الكنائس الإقليمية والمحلية فيما يتعلق بتداعيات تداخل السياسة الخارجية الأمريكية بالمسيحية يدل بعيدًا عن الشك على أن التيارات المسيحية المتشددة باتت تلعب دورًا محوريًّا في تشكيل السياسة الأمريكية ولو على مستوى الكونجرس.

لا يعني ما سبق تهويلًا بشأن هذا التيار ولكن لا ينبغي كذلك التقليل من شأنه وكأنه تيار هامشي خامل، أو عديم الفاعلية، فأنصاره يشكلون ٢٥% من مجموع المصوتين في الانتخابات الأمريكية وهـي نسبة ملحوظة تعادل ۱۲ مرة نسبة المصوتين اليهود و ٣ مرات نسبة المصوتين المسيحين الأمريكيين من أصول إفريقية، و٤ مرات نسبة المصوتين الأمريكيين غير المتدينين، ولا يفصح من هذه النسبة الملحوظة عن هويته الدينية المتشددة سوى الربع، وهو القطاع الذي يتمتع في المتوسط بمستوى تعليم عال ويحتل مواقع مهمة في المجتمع برواتب محترمة، وهذا ما أكدته دراسة أمريكية صدرت في عام ١٩٨٤م معنية بمتابعة وتحليل الحملات والانتخابات الأمريكية حيث كشفت بأن هذا القطاع من المسيحيين يسود الحزب الجمهوري في الكونجرس بحوالي ١٨ مقعدًا على الأقل -مما يثير بعض من ينتمون للحزب ممن ليس لهم ميول دينية-وله تأثير على أحزاب أخرى من خلال 13 مقعدًا على الأقل، وبالرغم من أن التيار المسيحي المتشدد يدرك محدودية عدد أعضائه إلا أنه يعتقد بأن رأس مال قوته يكمن في قدرته على التعبئة والضغط على أصحاب القرار السياسي عبر قنوات الضغط المعروفة، فمؤسسات هذا التيار المتعددة سواء على مستوى الإعلام المرئي و السمعي أو التنظيم ليست بمعزل عن معطيات التكنولوجيا الحديثة في الاتصالات وترويج الأفكار، فكل مؤسسة لها صفحة إلكترونية جذابة على الإنترنت يزورها الملايين ممن يستخدمون الكومبيوتر ومن خلال هذه الصفحات الإلكترونية ومتابعة من يزورها تتمكن هذه المؤسسات من استقطاب أنصارها وتعرف تركيبتهم الاجتماعية والاقتصادية لتحديد مواقع دورهم مستقبلًا والتي تتنوع من جمع التبرعات أو الترتيب لمسيرة أو إرسال رسائل تنديد أو دعم للنواب في الكونجرس أو القيام باتصالات هاتفية لأصحاب القرار حول قضية ما أو جمع أصوات المنتخبين للتصويت لمرشح مناصر ولا شك أن استخدام هذه القنوات والآليات والتفنن في ابتكار أساليب مستحدثة، وتجاوز الطرق التقليدية في الدعوة والتأثير، منح هذه التيارات قوة سياسية يعمل لها حساب في الكونجرس وفي الإدارة الأمريكية بصورة عوضت عن محدودية عدد أعضائها، وهو سيناريو شبيه بقدرات اللوبيات الصهيونية -بالرغم من محدودية عدد اليهود في الولايات المتحدة- على التأثير على السياسة الأمريكية الخارجية. 

هذا على مستوى تطويع التكنولوجيا لخدمة الأهداف السياسية، أما فيما يتعلق بالقدرات الإعلامية فإن التيار المسيحي المتشدد يتمتع بشبكة واسعة من التلفزيونات والإذاعات الخاصة تتيح له إثارة قضاياه وطرح أجندته بطريقة متقنة إعلاميًّا. فهناك ما لا يقل عن ۲۰۰ شبكة تلفزيونية و ١٥٠٠ إذاعة تابعة له وبعضها موجه للدول العربية والإفريقية والأسيوية بأجندة تنصيرية واضحة، ويستقطب برنامج مثل 700 club للمنصر التلفزيوني الشهير بات روبرتسون حوالي مليون مشاهد بالإضافة لشبكته التلفزيونية الخاصة التي تبث برامجها لـ ٩٠ دولة بأكثر من ٤٠ لغة، ويستقطب البرنامج الإذاعي focus in the family للمنصر المعروف جيمس دوبسون حوالي 5 ملايين مستمع كل أسبوع، وهو من أنجح البرامج الدينية الإذاعية وله ميزانية خاصة تقدر بـ١١٤ مليون دولار تمكن دوبسون من استثمار جزء منها في عمل ثمانية برامج إذاعية أخرى على الطراز نفسه، وهناك برامج أخرى مماثلة عن الأسرة والمرأة تستقطب مئات الآلاف من المستمعين داخل الولايات المتحدة مقارنة ببرامج التلفزيون والراديو الاعتيادية.

على سطح السياسة

ولجانب القدرات، استفادت التيارات المسيحية من مجموعة ظروف للبروز على سطح السياسة الأمريكية، ومن هذه الظروف والعوامل صدور قرارات تحظر على المدارس الخاصة دعم مشاريع إقامة الصلوات في المؤسسات التعليمية وقوانين تعزز بصورة أو بأخرى الممارسات الإباحية مثل تعليم الأطفال في المدارس العلاقات غير الشرعية بما في ذلك الشذوذ الجنسي وتصنيفه ضمن الحريات الشخصية، وتصاعد تيار تحرير المرأة وإباحة عمليات الإجهاض واكتشاف مرض نقص المناعة «الإيدز» وتزايد نسبة الطلاق وانتزاع القدسية من العلاقات الشرعية والأسرية وتنامي موجة الإباحية والعنف في التلفزيون والسينما. 

لم يقتصر تسخير إمكانات التيار المسيحي المالية على التعبئة ضد مناهضة القوانين والظواهر اللاأخلاقية فحسب وإنما على قضايا سياسية تثير اهتمام رجال السياسة بما في ذلك رؤساء الولايات المتحدة أنفسهم، فقد مول هذه التيار في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان عمليات محاربة الشيوعية في السلفادور، ونيكاراجوا، وجواتيمالا. وساهمت إمبراطورية المنصر روبرتسون الإعلامية بما يتراوح بين ۳ و ۷ ملايين دولار لدعم عمليات الهجوم العسكرية التي كانت تشنها المعارضة في الداخل ضد الحكومة الشيوعية في نيكاراجوا، وهندوراس، وفي أحيان أخرى تجاوز دعم التيارات المسيحية الأمريكية لقضايا سياسية المحاذير الأخلاقية، حيث دعمت مثلًا الحزب الحاكم السابق في جنوب إفريقيا والذي كان يعزز الفصل العنصري بين البيض والسود وبررت ذلك بالقول إن الإعلام الأمريكي شوَّه صورة هذا الحزب وكان روبرتسون يتمتع بعلاقة وطيدة مع دكتاتور زائير الراحل موبوترو للحصول مقابل ذلك على تسهيلات من مناجم الماس في زائير لتمويل مشاريعه التنصيرية في إفريقيا.

  • تلعب دورًا محوريًّا في تشكيل السياسة الأمريكية. وتمتلك ٢٥% من أصوات الناخبين

وبلا هوادة تدعم هذه التيارات المتشددة وجود إسرائيل بالرغم من العداء التقليدي بينهما وبين اليهود ونزعة ضد السامية التي راجت في أوروبا على يد هتلر، ولا يخفي هذا التيار ميوله تلك من إسرائيل بل إن المذيع التنصيري الشهير جيري فالول وصف مؤسسته Moral Majority التي أسسها في ۱۹۷۹م بأنها موالية لإسرائيل مؤكدًا بأن من يقف ضد إسرائيل فإنه يقف ضد الله وتنبع هذه الحماسة الدينية المتطرفة من الاعتقاد بأن وجود دولة إسرائيل واستكمال بناء الهيكل في القدس سيشكلان المرحلة النهائية لانتهاء العالم والبدء في مرحلة جديدة يستهلها قدوم المسيح -عليه السلام- وللتعجيل ببدء هذه المرحلة التي يتربص بها المسيحيون المتشددون فإنهم يؤكدون على أهمية اتخاذ كافة الخطوات السياسية والدينية لتعزيز وجود إسرائيل بما في ذلك ضمان تبعية القدس لها، وعلى الرغم من تحفظ اللوبيات اليهودية والصهيونية على طروحات التيارات المسيحية عمومًا إلا أنهم وفيما يتعلق بجزئية إسرائيل رحبوا دون شك بهذا النوع من الطرح واستثمروه في حملاتهم لمطالبة الإدارة الأمريكية بدعم إسرائيل ماليًّا وسياسيًّا وعسكريًّا.

  • رغم العداء التاريخي مع اليهود إلا أنها تدعم الكيان الصهيوني بكل قوة!

ويتضح أثر التيارات المسيحية المتشددة على صناعة القرار الأمريكي في متابعة أحد الملفات السياسية المهمة وهي العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، فهذه التيارات تشن حربًا ضروسًا على حكومة بكين الشيوعية لأنها تعامل الصينيين المسيحيين معاملة غير إنسانية ولأنها تحارب الدين وتضيق بل تمنع المنصرين المسيحيين من مباشرة نشاطهم داخل الدولة، وقد مارست هذه التيارات دورًا تمويليًّا لسياسات ريجان ضد الصين ولا تزال تمارس دور التعبئة مع إدارة الرئيس كلينتون، وقد أسفرت جهود هذه التيارات المنظمة عن خضوع الإدارة الأمريكية لمطالبهم بالإعلان عن تعيين مستشار ديني للخارجية الأمريكية لمراقبة حالات الاضطهاد الديني «المسيحي تحديدًا» في الخارج وتوقيع العقوبات المناسبة على الدولة المعنية وإمعانًا منها في مغازلة هذه التيارات لقوتها التنظيمية، أكدت الخارجية الأمريكية على دبلوماسييها في الخارج اعتبار موضوع الاضطهاد الديني على رأس أولوياتها، وكان المقصود بهذه الدول في البداية الصين لكن ذلك توسع فيما بعد ليشمل دولًا مثل السودان ومصر، وظهرت آثار التوتر بين التيارات المسيحية والتيارات السياسية العلمانية في الجدل الذي دار حول ما طرحه التيار المسيحي من أهمية فرض الحصار الأمريكي كعقوبة للدول التي تمارس الاضطهاد الديني مثل الصين والسودان، حيث اعتبرت التيارات العلمانية ذلك إضرارًا بالمصالح التجارية الأمريكية خاصة في حالة الصين، منددين بأن الحزب الجمهوري الذي يتمتع بالغالبية في الكونجرس بات جيب التيارات الدينية ورهينًا لرغباتها غير المعقولة.

فيما رد ممثلون عن الحزب الجمهوري وقيادات من التيارات المسيحية المتشددة على ذلك متهمين رجال المال والسياسة بإعطاء أولوية للمصالح التجارية والاقتصادية والاستثمارية على موضوع حقوق الإنسان، وقد أسفر هذا الجدل عن خضوع كلينتون لغالبية الكونجرس ولضغوط التيارات المسيحية المتشددة وأصدر قانونًا خاصًا بالحريات الدينية في الخارج بمنح الولايات المتحدة تطبيق عقوبة الحظر الاقتصادي بصورة أحادية على الدول التي تمارس الاضطهاد الديني، ومن شأن هذا القانون أن يؤثر على أكثر من ٧٧ دولة بما في ذلك دول حليفة تتمتع بعلاقات تجارية وطيدة مع واشنطن مثل تركيا ومصر.

الضغط على الإدارة

وتمكنت التيارات المسيحية أيضًا من الضغط على الإدارة الأمريكية لاتخاذ مواقف معينة من هيئات ومؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة، فقد كانت هذه التيارات من خلال علاقاتها مع النواب في الكونجرس أن تنجح في التصويت ضد قرار تمويل الصندوق الدولي بـ ۱۸مليون دولار لأن المبلغ سيذهب في مساعدة دول ومؤسسات تبيح عمليات الإجهاض وتنظيم النسل، وناهضت هذه التيارات طروحات وقرارات مؤتمر المرأة الذي نظمته الأمم المتحدة في بكين ١٩٩٥م خاصة ما يتعلق بالشذوذ الجنسي والعلاقات غير الشرعية، وتعتقد هذه التيارات بوجود قوى لا دينية تهيمن على الأمم وعلى المؤسسات عابرة القارات التي تتخذ طابع العالمية من أمثال الماركسيين والعلمانيين وأنصار تحرير المرأة بصورة متطرفة، ويعتقدون أن القوى العسكرية التي تتمتع بها الأمم المتحدة من ميزانية الشعب المختلفة هي في النهاية مسخرة لخدمة أهداف لا أخلاقية ولا دينية، وعلى الرغم من أن العديد من المحللين توقعوا أن يكون بروز هذه التيارات مجرد طفرة ستندثر مع الزمن إلا أن هذه التيارات تؤكد بأنها هنا لتبقى وستظل تعمل لتحقيق أهدافها مهما كانت العراقيل والظروف المناوئة.

الرابط المختصر :