العنوان الثقافة والمثقفون (١ من ٢)
الكاتب علاء سعد حسن
تاريخ النشر السبت 31-مارس-2001
مشاهدات 45
نشر في العدد 1444
نشر في الصفحة 52
السبت 31-مارس-2001
بين آونةٍ وأخرى تطل على المجتمع المسلم أزمة - أراها مفتعلة – حول الثقافة والإبداع ومستقبل كل منهما، وحرية الإبداع في العالم الإسلامي، ودائمًا تكون الأزمة بين طرفين:
الأول: وهو الطرف الفاعل عادة – تمثِّله جماعة من المثقفين والمبدعين اللاحدوديين (أي الذين لا يؤمنون بثوابت المجتمعات والثقافة معًا ويطلقون فكرة الإبداع بلا أي حدود أو ضوابط وهم يطلقون على أنفسهم وكذلك تعود الإعلام والوسط الأدبي والثقافي – أن يطلق عليهم لفظة المثقفين.
والطرف الثاني: ويمثله المثقفون والمبدعون المحافظون عامة والإسلاميون بصفة خاصة ويطلق عليهم الإعلام عمومًا المتشددون أو الراديكاليون.
ويظل هناك طرف ثالث من جمهور المتلقين للثقافة والإبداع يتابعون هذه الأزمات وهم في حيرة من أمرهم وقد ينحاز بعضهم إلى أحد الطرفين.
تقوم هذه الأزمات دائمًا بسبب الخلط في بعض المفاهيم والتداخل في بعض التعريفات وعدم التحديد الدقيق لبعض المصطلحات، ومما يزيد هذه الأزمات المتتالية اشتعالًا: العنف اللفظي والوصفي، الذي يبديه كل طرف تجاه الطرف الآخر، بحيث يشعر المتابع للظاهرة أن كلا الفريقين يرفض الآخر رفضاً تاماً، وأنها تيارات متناقضة ليس بينها أي قدر ولو ضئيل من التداخل أو الالتقاء.
ونحاول في هذه العجالة أن نوضح بعض المفاهيم الأساسية في هذا المجال لعلها تبلور صورة واضحة لما يحدث وتقرب الأمور إلى أذهان المتابعين الحيارى لهذه القضايا المتجددة والأزمات القديمة الحديثة.
مفهوم الثقافة
يوجد عدد من التعريفات لكلمة ثقافة منها تعريف إي جي تيلور: الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة والعقيدة، والفن والأخلاق والقانون والعادة وكل ما يمكن أن يكتسبه الانسان باعتباره عضوًا في مجتمع والثقافة عند كيلباتريك (w.h. kil
(patrrck) هي كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من أشياء ومن مظاهر في البيئة الاجتماعية، أي كل ما اخترعه الإنسان أو اكتشفه وكان له دور في العملية الاجتماعية. أما "سميح عاطف الزين" فيعرف الثقافة الإسلامية بأنها المعرفة التي تؤخذ عن طريق الإخبار والتلقي والاستنباط كالتاريخ واللغة والفقه والآداب والتفسير والحديث أما "محمود شاكر" فقد اعتبر الدين أصل كل ثقافة، وأن الثقافة لفظ جامع يقصد به الدلالة على شيئين بني أحدهما على الآخر، أي هما طوران متكاملان:
الطور الأول: أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في نفس الإنسان منذ مولده ونشأته الأولى حتى يشارف حد الإدراك البين جماعها كل ما يتلقاه عن أبويه ومعلميه حتى يصبح قادرًا على أن يستقل بنفسه وبعقله، وهذه الأصول ضرورية لكل حي ناشئ في مجتمع ما، لكي تكون له لغة يبين بها عن نفسه، ومعرفة تتيح له قسطًا من التفكير يعينه على معاشرة من نشأ بينهم، وهذه الأصول سر متغلغل في أعماق سرين عظيمين هما سر النطق، وسر العقل اللذان تميز بهما الإنسان عن سائر المخلوقات من حوله (۱)
أما الطور الثاني: فهو فروع منبثقة عن الأصول المكتسبة بالنشأة وهي تنبثق حين يخرج الفرد من إطار التسخير (الإطار الأول إلى طلاقة التفكير (۲)، ويقول: إن ثقافة كل أمة وكل لغة هي حصيلة أبنائها المثقفين بقدر مشترك من أصول وفروع كلها مغموس في الدين المتلقى عند النشأة، فهو أي الدين صاحب السلطان المطلق الحق على اللغة وعلى النفس وعلى العقل جميعًا (۳).
ومهما كان هناك من اختلافات بين تعريفات الثقافة فإنها تركز على مجموعة من المفاهيم الأساسية:
1-أن الثقافة تشمل كل ما يمكن أن يوجد في المجتمع سواء كان تراثًا معرفيًا نظريًا أو منتجات مادية، لذلك فالثقافة أشمل من مجرد العلم أو المعرفة.
٢ – أن الثقافة ترتبط بالمجتمع الذي توجد فيه، أي أن لكل مجتمع ثقافته الخاصة الناتجة من تراث هذا المجتمع وأدواته المادية، مع وجود قدر مشترك من الثقافة العامة للمجتمع البشري كله، والتي تميز عالم الإنسان عن غيره من عوالم المخلوقات الأخرى.
1-أن الثقافة نسبية لارتباطها بالمجتمع الذي نشأت منه، حيث لا يمكن تفضيل ثقافة مجتمع ما عن ثقافة مجتمع آخر لأن المعايير الثقافية نفسها تختلف من مجتمع لآخر، وعلى هذا لا يمكن تقييم الثقافة الريفية في مجتمع ما مثلًا بأنها ثقافة متخلفة مقارنة بالثقافة الحضرية للمجتمع نفسه ولكن يقال عنها إنها ثقافة زراعية أو ثقافة بيئية وهكذا، وإلا فإن الثقافة الحضرية من وجهة نظر الإنسان الريفي ثقافة غير مرغوبة أو ثقافة فاسدة لكونها تتجاوز التقاليد التي يؤمن بها، ولا مجال لوصف ثقافة بأنها ثقافة بالية لأن الثقافة نسبية، وما يراه الغربي باليًا عندي فإني أراه وفق معايير ثقافتي تراثيًا وأصيلًا وجيدًا.
- أن الثقافة تحدد الانتماء الشخصي للأفراد، فإذا رأيت مواطناً ريفيًا يعيش في حياته وفق العادات والتقاليد والأعراف الخاصة بالثقافة الحضرية فإنك تصفه بالمواطن الحضري بصرف النظر عن مسقط رأسه أو مكان إقامته، ويتوقف مدى قبوله لدى المجتمع الذي يعيش فيه من رفضه على طبيعة الثقافة التي يتبعها فإن كانت قريبة أو مقبولة من ذاك المجتمع قبله، وإن كانت شاذة مرفوضة فإن المجتمع يلفظه، أما أن يتبنى شخص ما ثقافة مغايرة تمامًا لثقافة مجتمعه الذي يعيش فيه، فإنه في هذه الحالة يكون قد نقل انتماءه إلى الثقافة التي يؤمن بها وإلى المجتمع الذي تنبع منه تلك الثقافة.
الدين والثقافة
أحد جوانب الخلاف في تعريف الثقافة يدور حول هل الدين من مكونات الثقافة أم أن الثقافة من مكونات الدين؟ وبعبارة أخرى أيهما أشمل من الآخر؟
والحقيقة أن هذا الأمر يتوقف على طبيعة الدين أو المعتقد، فهناك معتقدات هي في الأساس من نتاج التراث الاجتماعي أي اخترعها المجتمع وليس لها أصل سماوي فهي في هذه الحالة من الموروثات الثقافية.
وهناك معتقدات سماوية المنشأ لكنها في صورتها العصرية محرفة تهتم بالجانب المعرفي فقط دون التطبيقي ولذا يمكن اعتبارها جزءًا من الثقافة، أما الدين الشامل الذي يعالج الحياة بكلياتها وجزئياتها فهو أصل الثقافة، وعلى ذلك فإن الثقافة الدينية تختلف عن الثقافة الإسلامية فالثقافة الدينية تقتصر على العلوم والمعارف الشرعية والتعبدية، أما الثقافة الإسلامية فهي ثقافة شاملة حياتية تساوي شمول الثقافة نفسها.
من هو المثقف؟
المثقف عند العامة هو الرجل الذي نال قسطًا وافرًا من التعليم، والمثقف إعلاميًا هو المتصدي لتوجيه ثقافة الأمة وفكرها عبر نتاجه الفكري والعقلي، والمثقف وفق المفهوم السابق للثقافة هو الشخص الملم بمكونات ثقافة مجتمعه المحلي الذي يعيش فيه العقلية والمادية، وعلى هذا فإن كل شخص تم تطبيعه اجتماعيًا من قبل المجتمع الذي يعيش فيه فهو شخص مثقف بثقافة هذا المجتمع. ومن كل ما سبق لا يصح أن يطلق لفظ المثقفين على طائفة من الناس دون غيرهم ولا أن يحتكروا هذه الصفة لأنفسهم، أما إذا كان المقصود هو المعنى الإعلامي لكلمة المثقفين فإن الأدق منها هي صفة المبدعين.
الإبداع الثقافي والفكري
الإبداع نوع من التحسين والتجويد يصل إلى حد الابتكار والإبداع الثقافي هو الابتكار في الفكر أو المادة، لأن المادة من المكونات الثقافية فالصانع المبتكر مبدع، ولكن الإشكالية التي نتناولها هنا خاصة بالشق الفكري من الإبداع دون الإبداع المهاري والحركي، وعلى هذا فإن كل من يساهم في توجيه العقل البشري وإثرائه بالجديد النافع فهو مبدع، على أن يكون هذا الإبداع وفق ثقافة المجتمع ولا يتعارض معها ولا يتعدى حدودها الثقافة حد من حدود الإبداع وإلا لو أبدع العقل البشري جديدًا لا يتفق مع الثقافة الاجتماعية بأي وجه من الوجوه فإنه في هذه الحالة يسمى جنونًا ولا يسمى إبداعًا، لأن الإنسان العاقل اجتماعيًا: هو الشخص الذي يأتي من السلوك ما هو متوقع ومقبول من ثقافة مجتمعه، وإلا أصبح في عرف المجتمع مجنونًا ولو كان من وجهة نظره هو مبتكرًاومبدعًا.
حدود الإبداع وثوابت المجتمع
إذا نظرنا إلى الثوابت الثقافية عند تيلور وجدناها العقيدة والأخلاق والقانون القانون يمكن أن يتطور لكنه في كل مرحلة من مراحل تطوره ينتهي إلى بنود ثابتة لا يمكن مخالفتها أو التعدي عليها، أما المتغيرات فهي المعرفة والفن والعادة يضاف إليها المكونات المادية للثقافة وفق التعريفات الأخرى لها والمعايير الثقافية للمجتمع تشمل فيما تشمل بعد العقيدة العرف والتقاليد والعادات وكلها ثوابت ثقافية لا يمكن تجاوزها لأنها تقوم بوظيفة الضبط الاجتماعي لأفراد المجتمع. فإذا كان للثقافة شطر ثابت وآخر متغير، فما الثوابت التي يحافظ عليها كل مجتمع ولا يمكن للإبداع والمبدعين أن يتخطوها مهما كانت الأسباب؟
إنها:
- ثوابت عقدية.
- ثوابت اخلاقية وقيمية.
- ثوابت وطنية وتاريخية.
١ – الثوابت العقدية: والمقصود بها احترام العقيدة التي يؤمن بها المجتمع وعدم المساس بها أو تجريحها بأي شكل من الأشكال. وكذلك عقائد الأقليات مادام المجتمع ارتضى لهذه الأقليات أن توجد داخل المجتمع، وكذلك عدم التعرض للمعتقدات الإلحادية المخالفة لكل دين إلا في إطار موضوعي رصين. ومعنى ذلك أن العقائد المسموح بها في المجتمع المسلم هي:
أولًا: العقيدة الإسلامية فلا يجوز النيل من ثوابتها أو التعريض بها أو الإساءة إليها أو إلى أي رمز من رموزها بأي شكل من أشكال الإساءة.
ثانيًا: عقائد أهل الكتاب - باعتبارهم الأقلية التي تعيش في معظم البلاد الإسلامية – والإسلام يحمي رموز العقيدة لهم من جهتين:
- أن الإيمان برسولهم "عيسى" -عليه السلام- وأمه الصدِّيقة "مريم العذراء"، وكتابهم – الإنجيل.
من ثوابت العقيدة الإسلامية، وأي طعن في هذه الثوابت هو طعن في الإسلام نفسه.
ب – الإسلام كفل لهم حرية الاعتقاد وحرية العبادة ولم يصادر كنائسهم، ولهم كذلك حرية قوانين الأحوال الشخصية وفق شرائعهم، حتى لو كانت وفق عقيدتنا الإسلامية معتقدات باطلة، ولا يتعرض لها إلا من خلال المناقشة في الإطار الموضوعي.
ثالثًا: عقائد الكفار والملاحدة الذين لا يسعون لهدم مقومات المجتمع، ويحصرون الجادهم في داخلهم، وفق قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام:108). وعدم السخرية في هذه الحالة لا تعني الإيمان بها ولا احترامها كعقيدة فاسدة ولكن من أجل حماية عقيدتنا من أن يخوض فيها السفهاء.
ويسمح الإسلام بل يوجب على دعاته مجادلة هؤلاء المخالفين جميعًا بالتي هي أحسن ودعوتهم إلى الدين الخاتم: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ۱۲۵)، وكذلك تفنيد عقائدهم الباطلة ودعوتهم إلى الهدى، ولكن كل هذا في إطار علمي منضبط حدد أسلوبه القرآن الكريم بالتي هي أحسن، ولا يسمح بالاستهزاء أو السخرية أو السب أو التجريح في القصص والأدبيات وما يسمى بالأعمال الإبداعية.
٢ – الثوابت الأخلاقية والقيمية وهي:
الأخلاق الأساسية التي ارتضاها المجتمع وفق عقيدته وقيمه وأعرافه وتقاليده وتراثه، ويعتبر كل ذلك من المحرمات الثقافية لكل مجتمع، ومن المعايير الثقافية المحددة لنتاجه الفكري والعقلي.
3-ثوابت وطنية وتاريخية فلا يتعرض تراث الشعوب ولا تاريخ الأمم ونضالها لمحاولات النيل منه، وإذا كان في هذا التاريخ مبالغات أو تهويل فيمكن مناقشته بالدليل العلمي والبحث الموضوعي، لا بالتهجم أو السخرية.
وعلى ذلك فإن من ثوابت المجتمعات الإسلامية العقيدة الإسلامية متمثلة في الله والقرآن والكتب السماوية المختلفة والرسل جميعاً والملائكة واليوم الآخر وكل ما يمثل ثوابت العقيدة الإسلامية، يضاف إلى ذلك رموز عقائد الأقليات داخل المجتمع، وكذلك أخلاق المجتمع وقيمه وأعرافه، وتاريخه وثوابته الوطنية.
وبمعنى آخر واضح تمامًا أن من ثوابت الأمة عقيدتها والرسل والأنبياء جميعًا والقرآن والإنجيل والمسجد والكنيسة وجميع الرموز الدينية للأغلبية والأقليات وكذا الأقليات العرقية – أكراد وبربر وخلافه – وكذلك الأخلاق والتراث والتاريخ، فهل هناك مجال المحتج بالأقليات الدينية والعرقية بعد هذا الإيضاح.
الإبداع الفكري والحريات في إطار الثوابت
فيما عدا الثوابت الاجتماعية المتقدمة فإن حرية الإبداع مكفولة للعقل البشري لينتج ويبدع وفق ما يرى أو يستطيع بلا حدود غير حد المنطق والعقل، فليبدع المبدع كيفما يشاء ويبتكر كما أراد وبكل ما تسعفه به طاقاته الفكرية والفنية في إطار تلك الثوابت.
الهوامش
(۱) محمود شاكر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، كتاب الهلال (القاهرة: دار الهلال (۱۹۸۷) ص ۲۷ ۲۸
(۲) المرجع نفسه، ص ۲۸
(۳) المرجع نفسه الموضع ذاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل