; كلام في حرية الإبداع | مجلة المجتمع

العنوان كلام في حرية الإبداع

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002

مشاهدات 69

نشر في العدد 1522

نشر في الصفحة 52

السبت 12-أكتوبر-2002

 إن الإبداع ليس عملية فردية منقطعة عن كل شيء، إلا ما يستنبطه المبدع من معاناة ونوازع وعواطف ذاتية فردية، لا علاقة لها بما يدور في ذاكرته أو فكره، ومن هنا نستطيع الانطلاق بكل ثقة إلى القول: إن العملية الإبداعية لا يمكن أن تكون فردية سحرية مطلقة، وإلا تحولت إلى نتاج لا قيمة له منزوع اللون والرائحة والطعم، وبالتالي الفائدة والنفع، بل إنها تكون خالية حتى من التسلية والترفيه والإمتاع تلك التي يتمسك بها البعض غاية للإبداع، وفي النهاية فإن إبداعًا هذه صفاته، لم يحز على قيمة التغيير التي يتمسك بها الداعون إلى الحرية المطلقة للإبداع هدفًا لهم.

  إنه منذ أن استعمل أفلاطون مصطلح حرية الإبداع، مستخدمًا إياه لوصف العلاقة الدائرة بين المبدع وسلطات القانون، التي تقف حاجزًا في كثير من الحالات -دون النشر بحرية- أقول: إنه منذ ذلك الوقت وقد يكون من قبل ذلك، والمعركة دائرة بلا هوادة بين أولئك الذين يقولون بالحرية المطلقة للمبدع، وأولئك الذين يقولون بحرية منضبطة له، واضعين لحرية الإبداع الضوابط التالية:

1- الواقع الذي يعيشه الفنان في وقته وحياته وحركته وما يحيط به، وهو ذلك الواقع الذي يمنح المبدع من وسطه مواضيعه وأفكاره وقضاياه، فهو محكوم إذن بذلك الواقع، مهما ادعى لنفسه من انقطاع أو انفصال عنه، ومهما زعم من إرادة لديه تريد أن تغير هذا الواقع؛ لأن هذه الإرادة مهما حلّقت لن تخرج عن سقف معين في التحليق وإلا كان هذا التحليق جنونًا وتفجيرًا لا أساس يستند إليه.

2- تيار الوعي لدى المبدع، الذي تحتضنه ذاكرته وعقله، متضمنًا الرأي فيما يحيط به من كون وإنسان وحياة، فهذا التيار الواعي يقوم بدور ضابط لإيقاع الإبداع المنطلق من معاناة مؤطرة بكل ما ذكرناه، وهنا نردد عن قناعة مع د. علي الحمادي: احرص على أن تكون أفكارك الإبداعية متقدمة على زمانك بربع ساعة، وليس بسنوات ضوئية.

3- المبادئ والعقائد المكتسبة التي تأتي بها الخبرة والحراك المجتمعي الذي يعيشه المبدع البعيد عن تزييف المشاعر، واعتساف النقل عن الغير، وتبني نظريات هذا الغير- مهما كانت خاطئة ومتواطئة مع الخطأ في حرف وتخريب مداخل ومخارج ثقافتنا، وذلك ما وصفه د. عبد الجبار المطلبي في كتابه مواقف في الأدب والنقد، إذ قال: «إن معضلة النقد عندنا اليوم تنبع من تقديسنا لكل ما هو غربي، ومحاولة صبغ تراثنا بما نرى من ألوان في نتاج الغرب التليد والطريف، وأكثرنا إخلاصًا في هذا الشأن هم أكثرنا إمعانًا في الخطأ.

4- المهارة الفنية وهي الموهبة والخبرة والأسلوب، وهي قضايا تقف ضابطًا من الضوابط التي تحكم مدى حرية الإبداع لدى الفنان.

وبناء على ما تقدم نستطيع الوصول إلى استنتاج أكيد يقول:

  إن القول بحرية مطلقة للإبداع قول غير معقول ولا مقبول؛ إذ إنه حتى القائلين بهذا القول، يقفون مواقف عملية حياتية منافية لما يطلقون من شعارات الحرية، ويتحولون من خلال ذلك إلى ديكتاتوريين صغار تجاه الرأي المخالف، محاولين كبته وقمعه، وإدخاله إلى المقابر، وليرجع من يريد البرهان على ذلك إلى معارك هؤلاء مع إبداع مثقفين إسلاميين، ليجدهم يقفون أمام سلطات قمع الإبداع، يسبقونهم بمسافات في عملية قمع الآخر المختلف معهم.

  ولا بد أن بعض نخب هؤلاء من الذين وقعوا على بيان قمع مؤتمر مراجعة تاريخ الصهيونية حاضرون في المثال على المفارقة بين مواقفهم من الحرية التي يتخذونها شعارًا، وبين مواقفهم العملية الحياتية القمعية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 195

84

الثلاثاء 09-أبريل-1974

هل نرى ربنا؟