العنوان الثورة تَجُبّ ما قبلها!
الكاتب سلمان بن فهد العودة
تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1967
نشر في الصفحة 20
السبت 27-أغسطس-2011
- مكاسب الثورة لكل الشعب حتى لمن لم يؤيدوها.. وبذلك تضع نفسها على طريق النهوض التاريخي
- القتل والتصفيات والانتقام يجلب العداوات ويحضر الجولات قادمة من الصراع والانتقام العكسي
- يجب أن يكون المستقبل لكل الناس.. وليكن الاحتكام إلى دستور مرجعيته الشريعة ثم صناديق الاقتراع وفصل السلطات والقضاء النزيه المستقل
يتحدث الناس عن «بوعزيزي» كرمز ملهم الثورة تونس، وعن «خالد سعيد» كروح تسري في جسد الثورة المصرية، وعن «حمزة الخطيب» كطفل ملهم الثورة سورية، وأسماء عديدة في ليبيا، وأخرى في اليمن.
حاولت النظم البائدة أن تشوه هؤلاء أمنيًا «جنائيًا» وأخلاقيًا: تعاطي مخدر، علاقات مع بنات، أفعال محرمة..
الأطفال وحدهم سلموا من التشويه لأن التهمة لا تلحقهم أصلا! لنفترض أن ما أشاعته تلك الأجهزة - سيئة الذكر – صحيح! فلتحدثنا إًذا عن رجالاتها وقادتها، ولتكشف طرفًا من سلوكياتهم الشخصية والمالية والوظيفية!
لنفترض أن ما قالته صحيح، فهل هي مسؤولة عن الجانب الأخلاقي في المجتمع؟ وهل هي تحاسب الناس جميعًا على هذا الأساس؟! أم هي تستدعي ملفات انتقائية لحاجة في نفسها «حاشا يعقوب منها!».
ليكن ما روجته صحيحًا؛ فهل حدوث زلة من إنسان يحرمه حقه في الاحتجاج، والمطالبة بالإصلاح العام، والمشاركة في الحراك الإيجابي؟ بل أكثر من ذلك: المشاركة في قيادة الحراك الإيجابي؟
أليس في نصوص تراثنا تفضيل القوي الفاجر على الضعيف التقي في إدارة المواجهة؟ لأن التقوى والفجور شأن شخصي، والقوة أو الضعف هو محك الاختيار والنجاح في الإدارة والعمل والمسؤولية.
عفوية الحراك
هذه الرموز ومثلها كثير وملامح نشاهدها في موقع الحدث تعبر عن جانب من عفوية الحراك وشموليته، وأنه قدر المرحلة الذي لا يرد و«إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل».
يجب على من يصبح في قمرة القيادة ألا يتنكر لهؤلاء، ولا يحول النجاحات إلى مكاسب خاصة، لتكون الثورة وفية لنفسها، مباعدة للأسباب التي أدت إلى حدوثها.
مكاسب الثورة ليست لقيادات أحسنت استثمار الحدث، وليست الأحزاب بادرت بتأييد الثورة، بل وليست للثوار فحسب!
مكاسب الثورة هي لكل الشعب دون استثناء، حتى لمن لم يؤيدوها، وإذا آمنت ثورة بهذا المبدأ، فقد وضعت قدمها على طريق النهوض التاريخي، وليس التغييرات العابرة أو الشكلية.
الحالة الليبية «نموذجًا»
يجب أن يتمتع بمكاسب الثورة في ليبيا كل من:
المعارضون القدامى لـ«القذافي» «كمثال» الذين قضوا أعمارهم في المهاجر غرباء، لا يجدون إلى هواء أوطانهم سبيلا، وقد تقطعت أواصرهم مع أسرهم وأهليهم، وعاشوا مخاطرة مؤلمة، وحرمانًا طويلًا، وخوفًا من يد الطاغية التي تمتد إلى أماكن نائية بجبروت وقسوة، وتغتال في وضح النهار!
المعارضون الذين خاضوا تجربة استثمار فرص سنحت من داخل النظام؛ الإجراء إصلاحات، وحفظ حقوق، ونشر معرفة، وافتكاك أسرى؛ لأن التعويل على خيار واحد ليس سدادًا ولا حكمة ولا حصافة.
الذين انشقوا عن النظام، وأطلقوا الثورة تضامنا مع دماء الشعب الزكية حين سالت أنهارًا، ولو كانوا بالأمس من رجال النظام وأعوانه ﴿ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ (هود:۳۱)، وكم من وزير أو مسؤول يتعامل مع الواقع على مبدأ «جلب المصالح ودفع المفاسد»!
الذين سكتوا وانتظروا نهاية الصراع؛ لأنهم لا يريدون أن يتحملوا أي مخاطرة، وليس في برنامجهم أن يصنعوا بطولات، ولا أن يقدموا تضحيات، ولا أن يبنوا أمجادًا.. يريدون فقط أن يعيشوا بسلام، وأن ينعموا بالأمن والأمان، وأن يتمتعوا بطيبات ما أحل الله لهم.
انحياز للثورة
دعني أذهب أبعد من ذلك؛ إلى من قاتلوا مع النظام، ووقفوا معه ثم تخلوا عنه حين غلب عليهم إلا حظوظ تذكر في بقائه، أليس من الحكمة أن نجعلهم يدركون أن مصالحهم الدنيوية هي أن يتخلوا عن النظام، وينحازوا للثورة التي هي ثورة الشعب الليبي كله، وفي ذلك تخفيف من نزيف الدم الليبي المسلم العربي، وحفاظ على الاستقرار المستقبلي، وسلامة من دوامات العنف التي ينجر إليها الناس عادة غب تلك الأحداث، وسل السخائم الصدور التي لا تكاد تنسى.
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى *** وتبقى حزازات النفوس كما هيا
«اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطَّلَقَاءُ»
قرار نبوي عظيم عظيم، ربما ندرك طرفًا منه لو تخيلنا الموقف الذي قيل فيه، والناس الذين خوطبوا به، إنهم رجال عذبوا المؤمنين، وقتلوهم، واستولوا على منازلهم، وشردوهم، ولم يظهروا لينا ولا رحمة، وإلى قريب كانت سيوفهم تقطر من دماء الأبرياء المؤمنين المستضعفين!
هذه القدرة الهائلة على الصفح في أوسع معانيه سمحت بطي صفحة الماضي، وجنبت مكة والجزيرة الحروب الأهلية، وأفسحت المجال لقيام دولة الخلافة الراشدة؛ التي هي أنموذج لا يتكرر، ولكنه يحاكي باقتباس قيمه العظيمة؛ في العدل بين الناس، والرحمة بالخلق، والحرية.
أول من استخدم لفظ «الحرية» بمفهومه الشامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!».
جولات قادمة
القتل والتصفيات والانتقام يجلب العداوات، ويُحضّر الجولات قادمة من الصراع والانتقام العكسي، والحكيم هو من يسعى إلى وقف دوامة العنف والعنف المضاد، بالتفوق الأخلاقي على نوازع النفوس، كما قال البحتري:
وفرسان هيجاء تجيش صدورها *** بأحقادها حتى تضيق دروعها
تقتل من وتر أعز نفوسها *** عليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احْتَرَبَت يَوماً فَفَاضَت دِمَاؤُها *** تذكرت القربي ففاضت دموعها
شواجر أرماح تقطع بينهم *** شواجر أرحام ملوم قطوعها
حصاد الثورة هو شيء مختلف تماما عن حالة العسف، والطغيان، والاحتكام إلى القوة، والأنانية، وفرض الأجندة الخاصة.. كما كان يحدث في ظل نظام القمع السابق.
الثورة حدثت لتغيير الأوضاع، وليس الأشخاص.
غنيمة لنا فيها سهم
هذا ما يجب أن يشعر به كل مواطن، بغض النظر عن تياره الفكري، أو حزبه السياسي، أو قبيلته، أو المنطقة التي ينتمي إليها، بل وبغض النظر عن تاريخه.. فالثورة تجب ما قبلها!
لا ينبغي أن يظلم أحد على هذه الأرض مرة أخرى أيا كان دينه أو مذهبه أو انتماؤه.
يجب أن يكون المستقبل لكل الناس، نعم؛ لن يرضى كل الناس فرضاهم غاية لا تدرك! فليكن الاحتكام إلى دستور يتوافق عليه أهل البلد، مرجعيته الشريعة؛ لأن البلد كله مسلم، ثم صناديق الاقتراع، وفصل السلطات والقضاء النزيه المستقل.
سنة الحياة: التغيير سنة الحياة، فحتى الثورات التي تنجح وتكون دولة تنتقل إلى وضع جديد مختلف، قد يعجز بعض من ضحوا عن فهمه واستيعابه، ويبقى في نفوس الكثيرين تساؤلات وإشكالات وأحيانا حزازات يبطئ زوالها.
علينا أن ندرك أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان ﴿وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ (محمد:٤)، وأن النقص من طبيعتها، والناس لم يكونوا مع الأنبياء على الوفاق والتسليم حتى كان في أتباعهم ما كان، والله يبتلي المؤمن وغير المؤمن، ويبتلي المرء بعدوه تارة، وبصديقه تارة، وقد يبتليه بنفسه!
تأليف النفوس
ومن خير حكمة الحياة الصبر، وإلجام النفس والسعي في تأليف النفوس، وتقريب البعيد، وترويض النافر والشارد، وعدم إنفاذ الغضب ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ (37)﴾ (الشورى).
ثم فقه جديد هو «فقه الثورة ومآلاتها»، غدت الحاجة إليه ملحة في ظل التغيرات المتسارعة المفاجئة التي أحلم ويحلم الكثيرون أنها سوف تدشن مرحلة جديدة، هي خير وأفضل بكثير مما عشناه وعانيناه، دون أن يعني هذا أن نتوقع شيئًا خارقًا للعادة، أو خارجًا عن الناموس، فلتسمح لأنفسنا بالفرح والابتهاج، ولا تحرمنا منه مخاوف المستقبل ومخاضاته، فالجنين يصرخ مستهلًا، وهو بحمد الله بخير وقد يكون أنثى، والحرية أنثى، فلا تكن ممن يتوارى من الغيظ من سوء ما بشر به، وربما كانت الأنثى ﴿خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا (٨١)﴾ (الكهف)!
«الهوامش»
٢٠، ٢١مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا (٨١)﴾ (الكهف)!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل