; الجاسوسية الصهيونية.. خطر متجدد - تاريخ طويل من التجسس داخل الأروقة الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان الجاسوسية الصهيونية.. خطر متجدد - تاريخ طويل من التجسس داخل الأروقة الأمريكية

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1657

نشر في الصفحة 26

السبت 25-يونيو-2005

  • رئيس الكيان الصهيوني كرم آخر من تبقى من خلية التجسس التي عملت في مصر في الخمسينيات.

  • شالومبمقدورنا الحصول على أي معلومات نريدها من واشنطن «دون الحاجة لاستخدام جواسيس».

  • اعتقال جوناثان بولارد سبب صدمة للرأي العام الذي فوجئ بوجود جواسيس للكيان الصهيوني في أمريكا.

  • الاحتلال يؤكد: «نحن لا نترك جواسيسنا حتى بعد موتهم».

الجاسوسية تعتبر من أهم ركائز الكيان الصهيوني حتى ضد أكبر حلفائها وربما لا توجد دولة تقدس الجاسوس والجاسوسية مثل الكيان الصهيوني الذي يمتلك جيشًا من العملاء والجواسيس سواء داخل الأراضي الفلسطينية والذين يديرهم جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» أو خارجها ويتولى مسؤوليتهم جهاز «الموساد».. لقد اعتمدت المنظمات الصهيونية المختلفة على الجواسيس بشكل رئيس وفاعل لخدمة الصهيونية.. وقد خدم تشتت اليهود في دول العالم وانتماؤهم لجنسيات مختلفة هذا الاتجاه بشكل كبير فيما تواصلت هذه الخدمات حتى اليوم.

وتعد قضية التجسس الأخيرة من أكبر فضائح التجسس الصهيوني بعد فضيحة الجاسوس جوناثان بولارد.

أكبر فضيحة!

ذكرت صحيفة «ها آرتس» العبرية في عددها الصادر يوم الإثنين 30 مايو الماضي في تقرير لمراسلها بواشنطن، ناتان جوتمان، أنه من المنتظر أن تقدم وزارة العدل الأمريكية في غضون الأسابيع القليلة المقبلة لوائح اتهام ضد موظفين كبيرين سابقين في منظمة «إيباك» ستيف روزان وكيث فايسمان المشتبه بتورطهما في فضيحة تجسس لصالح الكيان الصهيوني في الولايات المتحدة، والتي كشف النقاب عنها في شهر أغسطس من العام الماضي.

ونشرت الصحيفة في تقريرها نقلًا عن مصادر أمريكية مطلعة تفاصيل القضية المتشعبة في واشنطن، وأن بند الاتهام المرتقب لموظفي «إيباك» اللذين أقيلا من عملهما بعد الكشف عن القضية، سيستند إلى «قانون التجسس» الأمريكي.

وأردفت أن جناية التجسس التي تدرسها في هذه الأثناء هيئة المحلفين الأمريكية العاملة في ولاية فرجينيا تتناول الحصول على معلومات أمنية سرية من الموظف الكبير في البنتاجون، لاري فرانكلين «المشتبه المركزي في القضية» ونقلها إلى ممثل لدولة أجنبية «الكيان الصهيوني» ويدور الحديث عن تورط رئيس الشعبة السياسية في سفارة الكيان لدى واشنطن ناؤور جيلؤون، في القضية التي تشعبت ووصلت إلى حد إتهام مسئولين في المخابرات الأمريكية للكيان بإدارة شبكة تجسس كبرى في الولايات المتحدة، ووفقًا للمعلومات التي تسربت فقد اشتبه جيلؤون بالحصول على معلومات أمنية حساسة من رجل البنتاجون فرانكلين بواسطة «إيباك»، لكن شبهات نشرت فيما بعد ذكرت أن ملحق الاستخبارات العسكرية في سفارة الكيان الذي أشير له باللواء «ي» التقى فرانكلين عدة مرات وحصل منه على «معلومات سرية تتعلق بإيران والعراق».

عقيدة الجاسوسية

وقالت «ها آرتس» إنه إذا قدمت بالفعل لائحة اتهام بفحوى التجسس ضد الموظفين السابقين في «إيباك» فإنه من المحتمل عندئذ أن تأتي لائحة الاتهام على ذكر اسم المسؤول السياسي في السفارة ناؤور جيلؤون على الرغم من أن هذا الأخير لم يعتبر مشتبهًا في القضية ولم يخضع لأي تحقيق حولها من قبل السلطات الأمريكية.

وأضافت الصحيفة نقلًا عن مصادر أمريكية مطلعة تأكيدها أن هيئة المحلفين في فرجينيا ستقدم بعد عدة أسابيع لوائح اتهام ضد ستيف روزان مدير السياسة الخارجية سابقًا في «إيباك» وضد كيث فايسمان، الذي كان مسؤولًا عن الملف الإيراني في اللوبي الصهيوني.

لقد دأب الكيان الصهيوني منذ تأسيسه على حماية جواسيسه من اليهود بدرجة غير عادية والهدف من وراء ذلك خلق ما يمكن تسميته «عقيدة الجاسوسية»، لما لهذا المجال من أهمية في حماية الكيان والأمن الصهيونيين وقد عمل على ذلك رؤوس الصهيونية الذين تولوا إدارة الكيان أو وقفوا على رأس الأجهزة الأمنية المختلفة، أما الجواسيس والعملاء من الجنسيات الأخرى فقد اهتم الكيان الصهيوني بهم بمستويات مختلفة لكن ليس بمستوى الجواسيس من اليهود والرسالة التي أرادوا أن يوصلوها: «إنهم لا يتركون جواسيسهم خلفهم عندما يسقطون ويسعون لإنقاذهم بأي ثمن» هذه الرسالة موجهة بشكل أساسي إلى جواسيسهم الذين لا يزالون يزاولون أعمالهم ويواصلون خيانتهم.

وعلى سبيل المثال ربما كان الجاسوس عزام عزام العربي الدرزي مهمًا للكيان لكي يطالب بإطلاق سراحه عندما كان معتقلًا لسنوات في مصر لكن الأهم من عزام بالنسبة لأجهزة الأمن الصهيونية هم الجواسيس الذين لم يكتشفوا وما زالوا على رأس عملهم في مصر والدول العربية الأخرى، وكانت قضية عزام بمثابة رسالة تطمين لهم: «لا تقلقوا.. نحن لن نترككم لو سقطتم، وها أنتم ترون ما نبذله من أجلكم»: هذه عقيدة الجاسوسية التي غرسوها فيهم لكي يعملوا دون خوف.

ومن أمثلة عقيدة «الجاسوسية» ورمزيتها الأخرى المطالبة حتى برفات الجواسيس الذين قتلوا، وقبل نحو شهر أرسلت زوجة وأبناء الجاسوس الصهيوني الشهير إيلي كوهين الذي اخترق القيادة السورية خلال فترة الستينات وقد أعدم «في 18 مايو 1965» شريطًا مصورًا يحمل مناشدة للرئيس السوري بشار الأسد لمطالبته بإعادة رفات الجاسوس لكي يدفن في الكيان وينالوا حقهم في وداعه، ويبدو واضحًا رمزية هذا الطلب الذي لم تتوقف دولة الاحتلال من إثارته في كل اتصال أو وساطة مع سورية، والرسالة هنا: «نحن لا نترك جواسيسنا حتى بعد موتهم».

أبطال الدولة

وفي نفس إطار هذه العقيدة فإن جواسيس الكيان هم أبطال الدولة ويستحقون كل تكريم، وقد بدأ الجاسوس عزام الذي أطلق سراحه واستقبل في الكيان استقبال الأبطال يظهر في تظاهرات وفعاليات للمطالبة بإطلاق سراح الجاسوس جوناثان بولارد المعتقل في السجون الأمريكية منذ عام 1995 وشكل اعتقاله صدمة للرأي العام الذي فوجئ بوجود جواسيس للكيان الصهيوني في أمريكا.

وفشلت مساعي رؤساء الحكومات المتعاقبة في إطلاق سراح بولارد ولا تمل الصحافة الصهيونية من التذكير بقصة بولارد وتبدي اهتمامًا بقضايا التجسس التي كان آخرها ما تردد عن لورانس فرانكلين الموظف الكبير في وزارة الدفاع الأمريكية الذي ضبط متلبسًا بالتجسس لصالح الكيان.

وقبل أسابيع كرم موشی قصاب رئيس الكيان الصهيوني من تبقى من خلية التجسس التي عملت في مصر في خمسينيات القرن الماضي وتورطت في أعمال وصفت بالإرهابية لتخريب العلاقات بين نظام عبد الناصر والأمريكان بتفجير أهداف أمريكية وغربية وعرفت بفضيحة نافون وأعاد الاعتبار لأهالي من قضوا في السجون المصرية من أفراد الخلية.

ركيزة في الحرب

على صعيد الأراضي الفلسطينية المحتلة نال العملاء من الفلسطينيين هامشًا من «عقيدة الجاسوسية»، وفي هذا السياق يذكر رئيس جهاز المخابرات الداخلية «الشاباك» السابق كارمي جيلؤون في مذكراته أنه في 12 يناير 1994 م قررت الحكومة إقامة إدارة مركزية لتأهيل عملاء كل أجهزة الاستخبارات، وتقرر أن تخضع هذه الإدارة الرئيس «الشاباك» بتوجيه من قبل لجنة ممثلين عن وزارات المالية والبناء والإسكان والداخلية، وحددت مواصفات لتأهيل العملاء والمستخدمين المحليين في الإدارة المحلية وأفراد الشرطة العرب الذين اتهموا بالتعاون، وكذلك أفراد عائلات العملاء الذين قتلوا أثناء عملهم في الخدمة أو توفوا أثناء التأهيل.

وحين أقيمت إدارة التأهيل، شملت قائمة العملاء الذين احتاجوا إلى خدماتها 1400 اسم من بينهم 1200 شخص كانوا من عملاء «الشاباك».

ويذكر جيلؤون في مذكراته أن عملية التأهيل كانت تبدأ في بعض الحالات بإنقاذ العميل وأفراد عائلته من المنطقة ونقله للسكن في داخل الكيان وكانوا يحتاجون عمومًا إلى إرشادات في كل ما يتعلق بنظام الحياة في الواقع الجديد الذي فرض عليهم، وفي معظم الحالات لم يكن العملاء الذين قدموا إلى هنا يعرفون ما هو حساب البنك وكيف يشترون من السوبر ماركت، والسواد الأعظم منهم لا يعرفون اللغة العبرية.

وفي نفس إطار الاهتمام بالجواسيس يقول جيلؤون في مذكراته: عارضت بشدة اقتراح إقامة أحياء لتأهيلهم وادعيت أننا بذلك نشكل ما يشبه الجيتوات التي ستعزلهم أكثر فأكثر عن المجتمع، الأمر الذي سيخلق مشكلات صعبة، وحقًا تم توزيعهم في كل أرجاء البلاد، رغم أن بعض العملاء السابقين فضلوا السكن في تجمعات خلقوها بمبادرة منهم.

ويضيفلقد منحنا الجميع بطاقات هوية «إسرائيلية» من أجل التسهيل في عملية استيعابهم في البلاد، واشترينا واستأجرنا شققًا لهم، وعرفت شخصيًا عميلًا وصل إلى «إسرائيل» مع زوجتين وأربعة أولاد وعشرة أحفاد ولم يكن يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره، أستأجرنا له بيتين في بئر السبع، وفي حالات خاصة ساعدنا العملاء في التأهيل خارج البلاد وخاصة في أوروبا وجنوب أمريكا.

ويتابع جيلؤون: حتى هذا اليوم ما زلت استقبل عملاء يطلبون تدخلي لحل مشكلات مع السلطات في مواضيع مختلفة مثل تراخيص البناء، التشغيل، والمساعدات المالية وما إلى ذلك، وفي بعض الأحيان، كنت أستجيب لطلبهم وأظهر كشاهد في الدعاوى القضائية التي يقيمونها ضد الدولة.

وفي النهاية يعبر جيلؤون عن أسفه لأنه لم يكن بمقدوره وجهازه العمل أكثر من ذلك من أجل العملاء ويقولكان الحري بالدولة أن تفهم أنها مدينة لهؤلاء الأشخاص أكثر مما هي مستعدة لتقديمه لهم، وهذه هي الرسالة التي دأبت الأجهزة الأمنية إرسالها للعملاء من الفلسطينيين.

ضد أمريكا

على الرغم من أن لوبي «إيباك» نفى بشدة في حينه أن يكون متورطًا في فضيحة التجسس الأخيرة وقال في بيان له: «إن جميع الادعاءات المتعلقة بتصرف منظمة إيباك أو موظفيها تصرفًا جنائيًا، غير صحيحة وملفقة» إلا أن أوساطًا رفيعة في منظمة «إيباك» أعربت حسبما نقلت عنها صحيفة ها آرتس عن قلقها وخشيتها من زج اسم المنظمة أو توريطها في هذه القضية: في أعقاب اعتزام السلطات القضائية الأمريكية توجيه لوائح اتهام بحق المسؤولين الكبيرين السابقين «المقالين» في اللوبي.

وأشارت الصحيفة إلى أن من المتوقع أن تشير لوائح الاتهام إلى «إيباك» بالاسم إلا أنه من المستبعد في الوقت الحالي أن تتخذ أية إجراءات قضائية ضد اللوبي كمنظمة يهودية أمريكية، حسب تأكيد رؤسائها الذين قالوا إنهم عملوا كل ما في وسعهم لتفادي حدوث ذلك.

وكان رؤساء منظمة «إيباك» التي تضم اليوم نحو 65 ألف عضو في أنحاء الولايات المتحدة «تأسست في الخمسينيات» وتتمتع بنفوذ هائل في دوائر صنع القرار في واشنطن قد اتخذوا سلسلة خطوات «بناء على تفاهم ضمني مع الادعاء العام الأمريكي» وبضمنها إقالة الموظفين والتنصل منهما علنًا، لضمان عدم زج المنظمة في الاتهامات المتعلقة بالقضية وللحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع محافل الإدارة والكونجرس الأمريكيين.

تاريخ طويل

لقد نفى الكيان من جهته ضلوعه في قضية التجسس هذه، معتبرًا أن كل ما نشر عن تورط مسؤولين في سفارته في القضية «ملفقًا» وقال وزير خارجيته، سيلفان شالوم إن بمقدور «إسرائيل» الحصول من واشنطن على المعلومات التي تريد «دون الحاجة لاستخدام جاسوس»، غير أن تقارير عديدة نشرت في الداخل والخارج، وآخرها تقرير نشر قبل أيام في صحيفة «ها آرتس»، أكدت أن لإسرائيل تاريخًا طويلًا من التجسس داخل الأروقة السرية لحليفتها الأولى الولايات المتحدة الأمريكية، ولعل قضية الجاسوس جوناثان بولارد كانت من أبرز الأمثلة على ذلك، إلا أنه وفقًا لما ذكره أمير أورون في مقال له نشر في صحيفة «ها آرتس» يوم 26 مايو الماضي، فإن تاريخها في التجسس في الولايات المتحدة يعود إلى بداية أيام الاحتلال، وأورد أورون في مقاله قصة قديمة منذ عام 1948 م «أثناء الحرب» وأضافالأرشيف «الإسرائيلي» الرسمي الذي سمح بإلقاء نظرة خاطفة عليه أثبت ذلك.

وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي الــ «إف. بي. أي» حسب قول أورون، قد تعقب وكشف صهاينة ويهودًا أمريكيين عملوا في مد الكيان الصهيوني بالسلاح والخبرات، غير أن أسرار «الأسرار» في مجال الاستخبارات ظلت في غالبيتها خفية ومجهولة، وختم أورون قائلًالقد اكتسبت إسرائيل بــ «استقامة» سمعتها كــ «لص ظريف» في السطو على جوارير المجوهرات في بيوت مضيفيها، ولكن إلى أي حد باستقامة... هذا ما يستطيع «المضيفون» فقط تخمينه؟

الرابط المختصر :