; الجالية السورية في العراق | مجلة المجتمع

العنوان الجالية السورية في العراق

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005

مشاهدات 57

نشر في العدد 1653

نشر في الصفحة 28

السبت 28-مايو-2005

·    المحسوبين على البعث يحملون وثائق اللجوء السياسي إلى العراق قبل الاحتلال وبعده أما الإسلاميون فمضطرون للبقاء. يتلقون المصائب ككل العراقيين من جهة. وككل العرب المحاصرين بأمواج الكراهية من جهة ثانية

·    القانون (٤٩) القاضي بالحكم بالإعدام على كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين في انتظار كل من يفكر بالعودة

يقولون ليلى في العراق مريضة

                                              فيا ليتني كنت الطبيب المداويا

وكم في العراق من ليلى مريضة! تبدأ قصة الجالية السورية في العراق الشقيق من أن كل قطر عربي أو إسلامي مجاور السورية يستضيف عددًا من المواطنين السوريين يبلغون الآلاف، بسبب الأرحام والوشائج أو العمل أو الزيارة أو التجارة أو ما سوى ذلك من أسباب الاتصال الجغرافي والبشري والتاريخي، وهؤلاء كلهم اغتربوا بإرادتهم، وبوسعهم أن يعودوا إلى مسقط رأسهم متى شاؤوا أيضًا بإرادتهم الكاملة.

والمهاجرون أو المنفيون السوريون في العراق فهم إما من أنصار التيار الإسلامي الذين هربوا «بجلودهم» في الثمانينيات وما بعدها من القرن الماضي، بسبب الظروف الاستثنائية المعروفة التي مر بها القطر آنذاك ولم يعودوا، أو لم يستطيعوا العودة حتى الآن. وهم يعدون حوالي ۲۲۰ أسرة محسوبة على الإخوان المسلمين أي ما يعادل أكثر من ألف مواطن، وإما من المحسوبين على حزب البعث المناصر لحزب البعث العراقي وعددهم ١٠٠ أسرة، وهذا الرقم هو ما بقي من البعثيين بعد عودة مئات الأسر الأخرى التي سويت أوضاعها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

ولا نذيع سرًا، أو ننساق مع الغيرة والحسد، إذا قلنا: إن السوريين المحسوبين على حزب البعث العراقي. أتيح لهم حمل وثائق اللجوء السياسي إلى العراق قبل الاحتلال وبعده، كما أتيح لهم التسجيل لدى مكاتب حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بعد الاحتلال، وأن يستقبلهم النظام السوري عائدين بعد الوساطات والضغوط المعلومة، وهذه كلها حقوق طبيعية بل إنسانية، لا منة لأحد عليهم فيها. أما الجالية السورية المحسوبة على التيار الإسلامي، فهي معلقة، بمعنى أنها مجبرة على الإقامة في العراق بعد الاحتلال، تتلقى المصائب ككل العراقيين من جهة، وككل العرب المحاصرين بأمواج الكراهية المستحدثة من جهة ثانية. وككل السوريين المحسوبين على النظام السوري المتهم بالتدخل بالشؤون العراقية الداخلية، وهم ليسوا كذلك من جهة ثالثة.

في بيان «للمنظمة العربية لحقوق الإنسان» بتاريخ١٢/١٠/٢٠٠٤ أعلنت، أن القوات المتعددة الجنسيات تعتقل ٢٥٠ مواطنًا سوريًا في السجون العراقية، وأن هذه القوات تعاملهم معاملة لا تتفق وقواعد معاملة السجناء التي نظمتها الاتفاقيات الدولية. كما علمت المنظمة أن ۱۲۰ مواطنًا سوريًا مفقودون في العراق وأن أخبارهم مقطوعة. لذلك طالبت المنظمة السلطات السورية بالسعي لمعرفة مصيرهم وإعادتهم إلى وطنهم، كما ناشدت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان في العراق. العمل على إطلاق سراحهم.

وقد أورد بيان المنظمة العربية المذكورة مثلًا لاعتقال مواطن سوري: أن المواطن السوري علي السعيد المدرس في ثانوية الثورة في مدينة الرقة معتقل في سجن «أم قصر» في العراق علمًا بأنه ذهب إلى العراق لإخبار أهل مواطن عراقي بأنه وقع له حادث سير على طريق الرقة فتوفي بالحادث!!

نعود لشريحة المواطنين السوريين المحسوبين على التيار الإسلامي، الذين بلغ عدد المعتقلين منهم وحدهم حوالي ٤٠ مواطنًا معظمهم من نخبة المثقفين «طلاب ثانوية وجامعية ودراسات عليا ومدرسون ومهندسون وحرفيون» اعتقل ۲۳ منهم عام ٢٠٠٤م والباقون عام ٢٠٠٥، كان آخرهم ثلاثة اعتقلوا بتاريخ ١٢ /٤/٢٠٠٥.

ومأساة المعتقلين السوريين الإسلاميين أنهم ممنوعون من العودة إلى وطنهم سورية بسبب الرأي بل هم محكومون بقانون (٤٩) القاضي بالحكم بالإعدام على كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين الصادر عام ١٩٨٠م، ولم يلغ حتى الآن برغم كل تداعياته الرهيبة، وبرغم إدانة منظمات حقوق الإنسان له ومطالبات أنصار المجتمع المدني وأحزاب المعارضة السورية كلها بإلغائه، وحين نزل المواطن «محمود حاج علي النبهان» من الموصل إلى سورية بعد احتلال العراق حاكمته السلطات أمام محكمة أمن الدولة الاستثنائية بناءً على هذا القرار، مع العلم بأن هذا المواطن من أتباع الشيخ محمد النبهان «الصوفي» رحمه الله. وليس عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين.

بوسعك أن تتساءل: لماذا لا يخرج هؤلاء السوريون المحاصرون في العراق يسبب الحرب والكراهية المستحدثة للعرب كافة وللسوريين خاصة؟ لماذا لا يخرجون من العراق إلى أي قطر عربي أو أجنبي، إذا كانت حكومتهم «الرشيدة جدًا» ترفض عودتهم إلى وطنهم ومسقط رأسهم، وهو حقهم الطبيعي الإنساني وقد انتظر بعضهم مع الأشقاء البعثيين والناصريين، وفي ظروف الشتاء القاسي أسابيع على الحدود العراقية السورية، بصحية رئيس سورية الأسبق الفريق محمد أمين الحافظ أيام العدوان الأولى على العراق، ولم تستجب السلطات السورية لنداءاتهم بالسماح لهم بالعودة، ولا للوساطات العربية في ذلك؟

الجواب -إذا كنت لا تعلم- أن الجالية السورية في العراق ككل الجاليات السورية التي هاجرت أو هجرت قسريًا في الثمانينات خاصة، وبسبب «الرأي» عامة محرومة من جوازات السفر والوثائق المدنية طوال عشرين عامًا. وكيف ينتقل المواطن العربي بين الحدود والأقطار العربية بلا جواز سفر أو وثيقة مدنية وكيف يدخل أولاده المدارس أو العمل أو التوظيف أو الزواج وما شاكل؟

لقد أنسونا النشيد العربي العذب:

 بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد.

إليك قصة مواطن سوري اعتقل على الحدود السورية العراقية في منطقة «القائم»: في الأيام الأولى للحرب الأمريكية على العراق والقصف الشديد على العاصمة بغداد، حمل المواطن السوري «جمال محمود الوفائي» أسرته من زوجة وأطفال إلى الحدود، ليرسلهم إلى أهلهم في سوريا، وليرجع وحده يمضغ مرارات الغربة وويلات الحرب، فلما دخلوا موقع الحدود السوري، وهو ينظر إليهم من بعيد سمع نداء يطلبه، فظن أن أهله يحتاجون إليه، فلما اقترب من الموقع السوري هجم عليه «فرسان الوطنية»، واعتقلوه، وساقوه إلى السجن فالتعذيب، ولم نسمع عنه خبرًا حتى الآن.

أما المواطن السوري «محمد سعيد الصخري» فقد غامر بالخروج مع زوجه وأولاده من العراق كذلك في الأيام الأولى من الحرب، يريد طلب اللجوء السياسي في بريطانيا، وقد سبقه إليها ما لا يقل عن خمسين أسرة سورية «حموية» بالطريقة نفسها. فاعترضته شرطة المطار في إيطاليا عند الـ «ترانزيت»، واقترفت واقعة اعتقاله المنافية لحقوق الإنسان، وسلمته للسلطات السورية التي اعتقلته بدورها، بتهمة الانتساب لجماعة الإخوان المسلمين، لكن منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية أقامت دعوى قضائية على السلطات الإيطالية التي اضطرت أن تضغط على الحكومة السورية لتخفيف اعتقاله، وهو الذي لم يقترف ذنبًا سوى أنه معارض وما يزال حتى يومنا هذا خاضعًا لمحاكمات لا تنتهي!!

برغم الفوضى الواسعة في العراق تعلم السلطات من شرطة عراقية أو قوات أمريكية أن المواطنين السوريين المعتقلين يحملون بطاقة إقامة عراقية من قبل أيام الحرب، وأنهم مسالمون لا يتدخلون فيما يحدث، وأن بعضهم اعتقل عرضًا من الجامعة أو الشارع أو من مسكنهم، وأن اثني عشر منهم اعتقلوا بتاريخ ١٦/١١/٢٠٠٤م دفعة واحدة من مؤسسة «الفيحاء» الخيرية المرخص لها في بغداد ساعة الدوام النهارية، فيهم مسؤولو الجمعية والمحاسب وأمين السر والحاجب وبعض المراجعين.

إن أول مسؤول عن سلامة هؤلاء المعتقلين وحرياتهم في السلطات السورية التي ترفض عودتهم إلى وطنهم. أو حتى منحهم جوازات سفر ووثائق مدنية، ثم لا نتحرك للسؤال عنهم وإطلاق سراحهم، برغم الوساطات والنداءات الإنسانية من منظمات حقوق الإنسان، ثم أين تقع هذه القضية الإنسانية الوطنية من استعدادات الحزب الحاكم لإجراءات وتعديل سياسات مصيرية بمناسبة انعقاد ما يسمى القيادة القطرية للحزب الحاكم «إلى الأبد»، في ظل ظروف داخلية وخارجية بالغة الأهمية؟ إن التلكؤ في حل مشكلة المنفيين القسريين حتى الآن يوحي بانسداد الأفق السوري إلى أجل غير مسمى وينذر بكارثة وطنية لا يعلم حدودها إلا الله تعالى، وهذا لا يبشر بخير.

والجهة الثانية المسؤولة عنهم هي السلطات العراقية والشعب العراقي الذي يعرفهم طوال عشرين عامًا من المسالمة والانصراف إلى كسب لقمة العيش بالجهد الذاتي.

إنها الأخوة التي نرجو ألا تتعكر ولا تنقطع ولا يدخلها أي طارئ من دخن أو حساسيات مفتعلة تضر بشعبي القطرين الشقيقين، أما يكفي ما بين حكوماتنا من تقاطع وتدابر والأمم كلها تتصالح؟ هل يرضى الشعب العراقي الشقيق أن يتعرض أبناؤهم في سورية إلى مثل ما يتعرض له السوريون اللاجئون في العراق؟ ثم من المستفيد من دق أوتاد الفرقة والتظالم بين شعبين شقيقين متجاورين؟ لذلك نهيب بالسلطات العراقية وبالشعب العراقي الشقيق وقواه الوطنية إلى المبادرة الفورية، لوضع حد لهذه المأساة الإنسانية.

الرابط المختصر :