العنوان الجانب الأدبي في شخصية سيد قطب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981
مشاهدات 74
نشر في العدد 540
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 25-أغسطس-1981
- سيكون سيد قطب أعظم كاتب وأديب بين المعاصرين! (العقاد).
- كتب سيد جزءًا من سيرته في «طفل من القرية، وأشواك».
- كان لسيد الفضل في وضع أساس منهج جديد في النقد
هو «المنهج المتكامل».
- لم تطل مرحلة الحيرة والشك عند سيد، بل تعداها سريعًا
إلى آفاق العمل الإسلامي الواسعة.
- سيبقى تراث سيد في الأدب والنقد معينًا عذبًا للشباب المؤمن.
الأدب بمفهومه الواسع جزء من
شخصية الشهيد سيد قطب رحمه الله، لا ينفك عن كل ما كتب في ميدان الفكر والنقد
والسياسة والدراسة الإسلامية فلقد تميز رحمه الله بأسلوب ناصع البيان، مشرق
الديباجة، بعيد الغور، شفاف المعنى، ومرد ذلك إلى بدايته التعليمية في بيئته
المتدينة؛ حيث حفظ القرآن وهو دون العاشرة «لقد قرأت القرآن وأنا طفل صغير لا
ترقى مداركي إلى آفاق معانيه، ولا يحيط فهمي بجليل أغراضه، ولكني كنت أجد في نفسي
منه شيئًا»، وإلى دراسته في «دار العلوم» حصن العربية في مصر يقول عنه أستاذه
فيها الدكتور محمد مهدي علام: «إنني أعد سيد قطب مفخرة من مفاخر دار العلوم،
وإذا قلت دار العلوم فقد عنيت دار الحكمة والأدب ويميز الباحث في شخصيته الأدبية
ثلاثة جوانب متميزة هي: القصاص والشاعر والناقد».
ولقد بدأ سيد حياته الثقافية
بكتابة المقالات للصحافة، وهي تتراوح بين المقال والخاطرة والبحث وتعالج موضوعات
شتى من «العالم يجري» في مجلة الرسالة ١٩٣٣م إلى «نقد مستقبل الثقافة في
مصر» في صحيفة دار العلوم عام ١٩٣٩م. ولكن سيدًا لم يستمر في اتجاهه الأدبي طويلًا
حيث انصرف إلى الدراسات والمباحث القرآنية ولكن بقي له أسلوبه الفريد في الكتابة
الذي تميز بالعفوية والإشراق والبلاغة، ونذكر هنا إضافة إلى بدايته التعليمية،
تأثره بالمفكر الأستاذ عباس العقاد الذي تتلمذ على يديه وتأثر به أدبيًا وفكريًا-
في البداية ثم استقل عنه رأيًا وأسلوبًا- حيث أخذ عنه العمق في الأسلوب والجلد في
الطريقة وكان مثله صاحب إحساس مرهف وروح مدافعة عن الإسلام محبة للحرية، وتكره
العبودية، ومنها الماركسية.. ولذلك كله تنبأ له أستاذه العقاد بقوله «سيكون
سيد قطب أعظم كاتب وأديب بين المعاصرين».
1- في القصة:
كتب سيد ثلاث قصص هي «طفل من
القرية، وأشواك والمدينة المسحورة».
- وتمثل
الأولى المذهب الواقعي في الكتابة، وقد تصور فيها حياته في القرية فجاءت على
غرار «الأيام، لطه حسين حافلة بالصور الريفية النابضة بالحركة والحرارة
والحياة».
- أما
قصته «أشواك» فهي رومانسية الأسلوب، وتمثل جانبًا من حياته في فترة من فترات
الوجدان الإنساني العف، حيث صورت قصة حب طهور كان مصيره الإخفاق، فقد كان صاحبها
شاعرًا صافيًا ذا مروءة يعيش في مثالية وشفافية وكانت صاحبته أنثى لعوبًا تعيش على
الأرض، فكان لابد للخطوبة أن تفسخ ويمضي كل منهما في طريقه!
وفي قصته الثالثة «المدينة
المسحورة» التي تمثل الأسلوب الرمزي يصور سيد النفس الإنسانية الفطرية بكل صفائها
في الغاية وبكل دهائها في القصور.
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن سيدًا
قد شارك في تأليف قصص عن سير الأنبياء عليهم السلام خاصة بالأطفال، وتميزت بجمال
العرض وسهولة الكلمة وتسلسل الفكرة، مع الأستاذ عبدالحميد جودة السحار.
2- في الشعر:
شعر سيد متناثر في صفحات المجلات
ولم يصدر له إلا «الشاطئ المجهول» مع أنه أعلن عن دواوين ستصدر له وهي:
قافلة الرقيق، حلم الفجر، الكأس المسمومة، حسب ما ذهب إلى ذلك الأديب الناقد
الأستاذ يوسف العظم في كتابه الفائق عن «الشهيد سيد قطب» حياته ومدرسته
وآثاره(۱).
ويمتاز شعره بالسهولة والإشراق في
تعابيره مع الجدية في طرح الأفكار لشاب في مطلع حياته، ويغلف ذلك كله روح إنسانية
عارمة تحب الخير وتسعى إليه، ولقد خلا شعره من مدح أو هجاء لأنهما ليس لهما مكان
في دنيا الرسالات وعالم البناء والعطاء حيث يصبح الشعر عند أصحاب النفوس
الكبيرة رسالة تسهم في صنع الحياة الراقية.
ولقد بدأ الشاعر بداية رومانسية.
فهو حائر قلق يخاف من «الغد المجهول» ويبحث «عن نفسه الضائعة» كما في
قوله:
أنقب عن ماض بين سرائري
فألمحه كالوهم أو طيف عابر
أنقب عن نفسي التي فقدتها
بنفسي التي أعيا بها غير شاعر
ولكنني أيئست أن ألتقي بها
وتاهت بواد غامر التيه غائر!
أو في قوله:
ماذا سيولد يوم تولد يا غدي؟
إني أحس بهول هذا المولد!
سيصرخ الشك الدفين بمهجتي
فأبيت فاقد خير ما ملكت يدي
ولكن هذه الروح الحزينة سرعان ما
تنتهي، لينطلق الشاعر بعدها إلى آفاق الدعوة الرحبة ينهار الشك وينهزم اليأس، وفي
قمة المحنة وأتون المأساة، روحه الصامدة الواثقة!
أخي ستبيد جيوش الظلام
ويشرق في الكون فجر جديد
فأطلق لروحك إشراقها
ترى الفجر يرمقنا من بعيد
وإني على ثقة من طريقي
إلى الله رب السنا والشروق
فإن عافني السوق أو عقني
فإني أمين لعهدي الوثيق
ويبدو من استقراء شعره- رحمه
الله- أنه أثر الشكل العمودي ولكن مع تنويع القوافي، وموقفه من الشعر الحديث معتدل
خال من التشنج ويرى «طليعة مبشرة ترتقب استقرارها على قواعد مطمئنة
واثقة».
3- في النقد الأدبي:
يعدد كتاب «شعراء الدعوة
الإسلامية في العصر الحديث»(۲) أسماء تسعة كتب في النقد لسيد وهي «مهمة
الشاعر في الحياة، كتب وشخصيات النقد الأدبي أصوله ومناهجه، المذاهب
الفنية المعاصرة، نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين، الصور والظلال في
الشعر العربي، القصة في الأدب العربي، شعراء العرب والقصة الحديثة» ولقد ميز
الباحث الأستاذ العظم ثلاث مراحل في عطائه النقدي: وهي:
1- مرحلة التفتح والبداية ويمثلها
كتاب «مهمة الشاعر» وهو محاضرة ألقاها في دار العلوم حدد فيها
مهمة الشاعر الجديد وأهدافه في الحياة، وهي تختلف تمامًا عما تعارف عليه
الناس قديمًا من أن الشاعر إنسان يبحث عن اللذة واللهو حيثما كان! وجعلها
السيد هدفًا وغاية سامية يتمثلان في دحر الباطل وتبديد الظلام وبناء النفس
الإنسانية والمجتمع الفاضل، وقد تعرض في الكتاب لشوقي ونقده نقدًا عنيفًا ليثبت
بالمقابل وجود الجيل الجديد من الشعراء!
2- مرحلة العطاء الصحفي: حيث صار يغذي الصحف
الأدبية بمقالاته النقدية «كالرسالة والثقافة والمقتطف والكتاب» وقد جمعها في
كتابه «كتب وشخصيات» وتناول فيها بالنقد أكثر من ثلاثين أديبًا، وتميزت آراؤه
فيها بالجرأة والإنصاف وسعة الاطلاع.
3- مرحلة قمة العطاء: وفيها
قدم كتابه «النقد الأدبي: أصوله ومناهجه» الذي يعد معلمًا بارزًا في
ساحة النقد الأدبي أن وضع فيه اسم نظرية في النقد سماها «المنهج
المتكامل» الذي يجمع كل المناهج التي تناولها النقاد مجزأة، وأطلقوا عليها
أسماء: المنهج الفني والتاريخي والنفسي، كما أنه وضع أصولًا للنقد بعد أن جاء
بتعريف جيد للعمل الأدبي- موضوع النقد.
وهكذا- خلال هذه السياحة الفكرية
المختصرة- نكون قد تعرفنا إلى سيد قطب الأديب الناقد الذي صدق نبوغه وإبداعه نبوءة
أستاذه العقاد، ولولا أن الأحداث تسارع إيقاعها منذ عام ١٩٥١ حيث ودع الشهيد عطاءه
الأدبي وانغمس في التيار الإسلامي عطاءًا وجهادًا فكرًا وجسدًا، لولا هذا كله لكان
لنا من سيد قطب جبلًا ضخمًا في ساحة الأدب العربي الواسعة، ولكن إرادة الله أرادت
شيئًا آخر..
(١) الطبعة الأولى ١٩٨٠م
دار القلم بدمشق وبيروت- ص١٠٣.
(٢) الطبعة الأولى ۱۹۷۸م- الجزء ٤
الصفحة ٣٣.