; الجبهة الإسلامية تكتسح دوائر الخريجين في الشمال | مجلة المجتمع

العنوان الجبهة الإسلامية تكتسح دوائر الخريجين في الشمال

الكاتب محمد اليقظان

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1986

مشاهدات 56

نشر في العدد 764

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 22-أبريل-1986

 

الاتجاهات العلمانية المعادية للحركة الإسلامية في البلاد العربية قيمت الانتخابات السودانية تقييمًا فيه الكثير من الخلط، حيث زعمت تلك الاتجاهات بانحسار الاتجاه الإسلامي... والحقيقة التي يجب أن يتذكرها هؤلاء أنه كان للإسلاميين في آخر انتخابات سودانية 4 مقاعد فقط، ارتقت في الانتخابات الأخيرة إلى ما يزيد على عشرة أضعاف بعد أن تم الإعلان عن النواب الناجحين في دوائر الخريجين. ونحن نضع بين أيدي قرائنًا هذا التقرير المفصل عن انتخابات السودان الأخيرة.

 

ساعة إعداد هذا التحليل، اكتملت نتائج الانتخابات السودانية في جميع دوائر الشمال الجغرافية البالغ عددها 205 دوائر، و7 دوائر فقط في الإقليم الجنوبي، وبذلك يكون عدد الدوائر الجغرافية التي أعلنت نتائجها رسميًا 212 دائرة جغرافية و21 دائرة خريجين، وأظهرت نتائج الفرز في دوائر الخريجين في الشمال والبالغ عددها 21 دائرة أن الجبهة الإسلامية اكتسحت جميع الدوائر، وفازوا بها كلها دون أن تترك الجبهة لبقية الأحزاب أي دائرة، وبذلك تكون عدد الدوائر التي فازت بها الجبهة الإسلامية في الشمال 49 دائرة، 28 جغرافية و21 خريجون، وبذلك بلغ عدد أفراد الجبهة الإسلامية في الجمعية التأسيسية 49 نائبًا.

 

وكما كان متوقعًا من قبل، فإن أيا من الأحزاب السودانية لم تتمكن من إحراز الأغلبية المطلقة التي تمكنه من تشكيل حكومة الحزب الواحد. ولكي ينفرد حزب ما بتشكيل الحكومة يتوجب عليه إحراز 133 مقعدًا.

 

حزب الأمة «أتباع الطائفة المهدية» تمكن من الفوز بـ 97 مقعدًا، يليه الحزب الاتحادي الديمقراطي أتباع الطائفة الحتمية الميرغنية بـ 63 مقعدًا، وجاءت الجبهة الإسلامية في المرتبة الثالثة حيث نالت 49 مقعدًا وحصل الحزب السوداني القومي «حزب فيليب غبوش» وهو حزب إقليمي على 8 مقاعد، والشيوعيون على 2 مقعدين، والمستقلون على 5 مقاعد، والجنوبيون على 3 مقاعد، ومؤتمر البجة على 1 مقعد واحد.

 

ومن الجدير بالذكر أن عدد الدوائر الكلية 301 دائرة منها 205 دوائر للشمال و68 دائرة للجنوب، و28 دائرة للخريجين موزعة على كل أقاليم السودان التسعة، وقد أجلت الانتخابات في 37 دائرة في الجنوب لأسباب أمنية.

 

تلك حصيلة الحصاد في موسم الانتخابات السودانية بعد 16 عامًا من الجفاف والتصحر الديمقراطي، فهل تغيرت الخارطة السياسية للسودان والأحزاب أم وقف السودانيون في مكانهم على طريقة «محلك سر».

 

الواقع المر أن تلك الخارطة التي طويت يوم 25 مايو 69 إثر الانقلاب اليساري لم تبدل بعد 16 عامًا حسب نتائج الانتخابات إلا قليلًا، حيث فاز الحزبان التقليديان اللذان كانا يحكمان السودان مؤتلفين قبل الانقلاب العسكري بأغلبية مقاعد الجمعية التأسيسية، فقد فاز حزب الأمة الذي يمثل طائفة الأنصار في مناطق النفوذ التقليدية لأنصار الطائفة المهدية، كردفان ودارفور والنيل الأبيض. فمن أصل 78 دائرة في الإقليم الغربي «كردفان ودارفور» حصل حزب الأمة على 54 مقعدًا، وتقاسمت الأحزاب الأخرى بقية الـ 24 دائرة، ويعتبر هذا نصرًا كبيرًا إذ يؤكد أن نفوذ الطائفة ما زالت بخير كما كانت سابقًا، وأن الولاءات القديمة لم تهتز كثيرًا، إذ من الصعب تحرير الأنفس من الولاء الطائفي الموروث في أمة نسبة الأمية فيها 80٪. ولكن المراقبين لاحظوا أن الجبهة الإسلامية رشحت في جميع هذه الدوائر ونافست وجاء ترتيب مرشحيها في كثير من هذه الدوائر في المرتبة الثانية بعد الفائز مباشرة، وبخاصة في مناطق الوعي- المدن وضواحيها- ومما يبشر بنصر آت مستقبلًا إن شاء الله، أن الجبهة الإسلامية تعمل على أساس تحرير أهل السودان من الولاء لغير الله. وقد فازت الجبهة في هذا الإقليم بـ 5 مقاعد.

 

أما في الإقليم الأوسط «النيل الأبيض، النيل الأزرق، الجزيرة» وهي منطقة نفوذ طائفي للأنصار المهديين والحتمية الميرغنية، فقد حصل حزب الأمة على 29 مقعدًا والاتحادي الديمقراطي على 15 مقعدًا والجبهة الإسلامية على 4 مقاعد، ونافست كذلك في عدد من الدوائر، مما يؤكد أن وعيًا إسلاميًا بدأ ينتظم هذا الإقليم وستقطف الثمار يانعة في المستقبل القريب إن شاء الله.

 

أما في الإقليم الشمالي والإقليم الشرقي فإن نفوذ طائفة الحتمية الميرغنية متمكن، وقد نال حزبهم الاتحادي الديمقراطي في الإقليم الشمالي 11 مقعدًا من أصل 18 مقعدًا، وفازت الجبهة في 4 دوائر كانت تعتبر من الدوائر المقفولة للاتحادي الديمقراطي. أما في الإقليم الشرقي فقد فاز الاتحاديون بـ 17 مقعدًا من: أصل 28 مقعدا، ونالت الجبهة 3 مقاعد، وحزب الأمة بقية المقاعد، وقد فقدت الجبهة في هذه الأقاليم دوائر مضمونة، وذلك لصعوبة التحرك في المناطق النائية دون إمكانات مادية تتطلبها مثل هذه الانتخابات.

 

دوائر العاصمة:

 

اكتسحت الجبهة الإسلامية معظم دوائر العاصمة، فمن أصل 31 مقعدًا في الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري حصلت الجبهة على 13 مقعدًا، والحزب الاتحادي على 9 مقاعد، والأمة على 6 مقاعد والشيوعيون على 2 مقعدين وفاز فيليب عباس غبوش بدائرة 1 واحدة.

 

رشحت الجبهة الإسلامية جميع قياداتها التنفيذية في دوائر العاصمة، وفاز الأخ أحمد عبد الرحمن أمين المكتب السياسي في دائرة الشجرة والأخ عثمان خالد مضوي عضو المكتب السياسي في دائرة البراري حيث سقطت المرشحة الشيوعية فاطمة أحمد إبراهيم في هذه الدائرة، وفاز الأخ علي عثمان عضو المكتب السياسي ورئيس لجنة الانتخابات في الجبهة على منافسه الطيب حب الرسول عضو المكتب السياسي لحزب الأمة وفاز الأخ بدر بن طه في الصحافة شرق والأخ عبد الجليل الكاروري في دائرة الخرطوم على منافسه عبد الرحمن عبد الله نقد الله عضو المكتب السياسي لحزب الأمة، والأخ مهدي إبراهيم في دائرة الخرطوم بحري على منافسه محمد عبد الجواد مقرر المكتب السياسي للاتحادي الديمقراطي والمشرف العام على مجلة الدستور اللندنية. والأخ محمد صالح في أم درمان على محجوب مكاوي وزير خارجية سابق وعضو حزب الأمة.

 

كما فازت الجبهة في دائرة المسيد حيث فاز الأخ الشريف أحمد الفكي على السيد مضوي محمد أحمد عضو المجلس الرئاسي للحزب الوطني الاتحادي، والأخ طه أحمد المكاشفي في رفاعة على إبراهيم الأمين عضو المكتب السياسي لحزب الأمة، والشيخ محمد حامد التكيتة في الكاملين على الباقر أحمد عبد الله رئيس تحرير صحيفة الاتحادي وعضو المكتب السياسي للاتحادي الديمقراطي.

 

وفاز الأخ أحمد صالح في دائرة المجلد على الصادق بابو نمر وحب الرسول النور عضوي المكتب السياسي لحزب الأمة.

 

وهكذا نرى أن الجبهة الإسلامية قد اقتحمت معاقل النفوذ وأسقطت خرافة الدوائر المقفولة، وأسقطت عددًا من أعضاء المكاتب السياسية للحزبين الكبيرين.

 

الترابي يفقد دائرته:

 

استطاع تحالف الأحزاب الستة الفوز بصعوبة في دائرة الصحافة التي ترشح فيها الدكتور حسن الترابي أمين عام الجبهة الإسلامية، فقد فاز المرشح الاتحادي المدعوم من الحتمية والاتحاديين والأمة والشيوعيين والبعثيين والناصريين وتضامن قوى الريف.

 

كانت دائرة الترابي من أهم الدوائر في السودان، حيث استقطبت اهتمام وسائل الإعلام المحلية والعالمية التي تابعت المعركة الحامية بين قوى التحالف الطائفي الشيوعي والجبهة الإسلامية التي تصدت لكل القوى مجتمعة بمفردها، وقد عدت بعض المصادر تكاتف وتحالف كل القوى المعادية للإسلام الصحيح ضد د. الترابي هذا التحالف الذي لا تسنده أسس فكرية أو منطقية، هزيمة لكل هذه الأحزاب لخوفها من مواجهة الترابي منفردة، وقد تمكن الترابي بمفرده من مواجهة كل هذه الأحزاب ونال قدرًا كبيرًا من الأصوات ضد هذا التحالف النادر، وهذا في حد ذاته نصر للدعوة التي يدعو لها الترابي وإخوانه، ويرى المراقبون أن نصر المرشح الآخر فوز كاذب.

 

لم يسافر الدكتور حسن الترابي إلى باريس عقب إعلان النتيجة في دائرته كما أوردت تلك الصحيفة المحلية التي تفترى دائمًا على الله والدعاة إلى الإسلام كذبًا، بل كان في مكتبه بالمركز العام للجبهة الإسلامية، حيث جاءت تظاهرة ضخمة من الشباب تهلل وتكبر فور إعلان نتيجة دائرته، فخاطبهم الترابي بالكلمة التالية: أود أن نتذكر بعض المعاني التي يتحقق فيها معنى الرجاء ومن ذلك معاني الفوز ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥٢)، إنكم تعملون في مسيرة الحركة الإسلامية الممتدة التي لا تحدها أعراق الحكم وسلطانه، ولكنها تود أن تبدل المجتمع وتحوله ولقد أحدثتم وثبة كبيرة في التحول الاجتماعي وينتظركم إن شاء الله الكثير. إن الدعوة مستمرة والعمل موصول والعبادة متصلة، اذهبوا الآن إلى أعمالكم لتبدؤوا حملة الدعوة من جديد، فإن المداخل للجنة كثيرة لا نفاذ لها وما السياسة إلا باب صغير منها ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ (الشرح: ٧) وسألقاكم بإذن الله في مجالات الحياة الإسلامية مدافعًا عن الحق والحقيقة إلى أن يأتيني اليقين.

 

كيف فاز الشيوعيون:

 

استطاع الحزب الشيوعي الإلحادي أن ينال 2 دائرتين فقط في كل الدوائر الجغرافية في السودان، فقد فاز السيد محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي في دائرة العمارات على منافسه الأستاذ يس عمر الإمام مرشح الجبهة الإسلامية، والسيد عثمان عبد النبي مرشح الاتحاديين. وكانت كل الدلائل تشير إلى أن مرشح الجبهة الأستاذ يس عمر سيكتسح هذه الدائرة، ولكن في آخر لحظة تمت بعض التحالفات الخفية لصالح الحزب الشيوعي. فالحزب الشيوعي في هذه المنطقة ضعيف البنية لأنها منطقة الأغنياء والميسورين فكيف يفوز من يدعي أنه يمثل الطبقة الكادحة؟

 

المؤكد أن تحالفًا ظاهرًا حدث بين الأقباط والحزب الشيوعي فقد اقترعت الأعداد الكبيرة المتواجدة من الأقباط في الدائرة لكونهم أعداء للشريعة الإسلامية لصالح مرشح الحزب الشيوعي كما أن تحالفًا خفيًا حدث بين حزب طائفي ومرشح الحزب الشيوعي بعد اهتزاز موقف ذلك الحزب أمام مرشح الجبهة الإسلامية. كما أن أنصار فيليب غبوش اقترعوا لصالح الشيوعيين.

 

أما الدائرة الثانية التي فاز فيها السيد عز الدين علي عامر المرشح الشيوعي على اللواء «م» محمد الفاتح عبدون مرشح الجبهة الإسلامية، فقد حدث نفس التحالف الخفي في دائرة الخرطوم شمال، حيث أخفق مرشح الجبهة الإسلامية بفارق بسيط في الأصوات لا يتعدى 134 صوتًا.

 

إذًا الواضح أن فوز مرشحيْن للشيوعيين في الخرطوم لا يعني أن لهم قوة شعبية، ولكن التحالف الشيوعي القبطي الطائفي في عدد من الدوائر هي التي أفقدت الجبهة الإسلامية هذه الدوائر لأنها تصدت منفردة لكل القوى المعادية للإسلام، ومما هو جدير بالملاحظة أن الجبهة الإسلامية لم تدخل في تنسيق مع أي جهة كانت، ورشحت في جميع الدوائر تقريبًا لرصد قوتها الحقيقية ورصد العدد الكلي للناخبين الذين يقفون مع الشريعة الإسلامية.

 

وقد أوضحت الانتخابات الأخيرة أن الجبهة الإسلامية هي القوة الانتخابية الثالثة بلا منازع، وبالمقارنة بآخر انتخابات عام 68 والتي فازت فيها الجبهة الإسلامية بأربعة نواب فقط فإن هذا العدد يعتبر نقلة كبيرة.

 

ولأول مرة في تاريخ العالم الإسلامي الحديث تستطيع الحركة الإسلامية أن تكون ذات فعالية مؤثرة في الحياة السياسية، وتفوز بأكبر نسبة فوز للإسلاميين في العالم الإسلامي، ولا شك فإن هذا العدد من النواب الشباب المثقف، سيكون ذا أثر كبير في الحياة السياسية في السودان، ولو استطاعوا الإبقاء على أحكام الشريعة الإسلامية ومضوا قدمًا في استكمال تطبيق النهج الإسلامي، ولا سيم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

123

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4