العنوان الجزائر.. انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب العربي (2 من 2)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 29-مارس-1992
مشاهدات 63
نشر في العدد 995
نشر في الصفحة 20
الأحد 29-مارس-1992
· منظمة العفو الدولية تنتقد حملة الاعتقالات الواقعة في الجزائر.
· تشير نشرة منظمة العفو الدولية إلى وجود أكثر من خمسة آلاف معتقل
من الإسلاميين في الجزائر.. فيما تؤكد مصادر أخرى على وجود ثلاثين ألف معتقل.
· رسالة تسربت من أحد المعتقلات قال فيها المساجين إن الحياة والموت
أصبحا سواء بالنسبة إليهم.
بعد تونس، تستعرض «المجتمع» في الحلقة الثانية من ملف انتهاكات حقوق
الإنسان في المغرب العربي، أوضاع الحريات العامة في الجزائر، ومن خلال المعطيات
المتوفرة يتبين أن الوضع في البلدين متشابه إلى حد كبير من حيث أسلوب التعامل مع
الظاهرة الإسلامية.
الخط التنازلي
ففيما يتعلق بالجزائر فإن الخط التنازلي لانتهاكات حقوق الإنسان تجلى
بالخصوص منذ أحداث أكتوبر 1988 التي شهدت صدامات عنيفة بين الجيش والشعب.. وتشير
منظمة العفو الدولية في نشرتها الفرنسية رقم 64 بتاريخ آذار 1992 إلى أن عمليات
العنف التي اقترفتها قوات الأمن بصفة آلية نجم عنها وفاة أكثر من 400 شخص ولم يتم
أي تحقيق عمومي حول هذه الوفيات.
أما المحطة الثانية لهذه الانتهاكات فإنها تتزامن مع تطبيق إجراءات
حالة الطوارئ بين يونيو وأيلول 1991، حيث شهدت هذه الفترة مقتل 55 شخصًا على الأقل
واعتقال أكثر من ألف آخرين بدون تهمة ولا محاكمة كما تؤكد نفس النشرة.
وتأتي المحطة الثالثة بعد سلسلة الأحداث الناجمة عن تعطيل المسار الديمقراطي
إثر الفوز الساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى للانتخابات التشريعية
في كانون الأول 1991، وما تبع ذلك من استقالة للرئيس السابق الشاذلي بن جديد وتقلد
المجلس الأعلى للدولة الحالي لزمام الأمور على حساب إرادة الشعب وإعلان حالة
الطوارئ في 9 شباط الماضي.
اعتقالات واسعة
وتعتبر هذه المحطة منحنى خطيرًا من حيث وضع الحريات في هذا البلد،
نظرًا لاتساع حجم الانتهاكات، حيث تشير نشرة منظمة العفو الدولية إلى أن أكثر من
5000 متعاطف مع الحركات الإسلامية موجودون حاليًا في مراكز اعتقال.. وتستعرض
المنظمة موقف علي هارون الوزير السابق المكلف بحقوق الإنسان وعضو بالمجلس الأعلى
للدولة الذي يرى بأن هؤلاء اعتقلوا من أجل استنطاقهم، وذلك في معتقلات ولد فايت
وبليدة ووهران وعين مليلة.. ويمكن أن ينقلوا إلى معتقلات أخرى في الصحراء منها
مركز ورقلة الذي استخدم عام 1991 ويضم حاليًا معتقلين من الجهة الشرقية للبلاد في
حين ينتمي معتقلو مركز رڤان إلى وسط الجزائر.. إلى جانب ذلك يذكر نفس التقرير أن
ثلاث مراكز أخرى بصدد الإنجاز في الصحراء بأدرار وعين صالح وعين قزام.
أما مصادر الجبهة الإسلامية للإنقاذ فإنها تؤكد على وجود أكثر من 30000
معتقل وذكرت نشرة المقياس «الصادرة عن جمعية الأخوة الجزائرية بفرنسا» القريبة من
الجبهة في عددها الأخير رقم 6 بتاريخ 20 آذار 92 أن عدد المرحلين إلى مراكز
المعتقلات ارتفع كالتالي: مركز رڤان 4600 معتقل، مركز ورقلة 2200 معتقل، مركز عين
صالح 1020 معتقلاً مع الملاحظة بعدم معرفة العدد الصحيح للمعتقلين في بقية المراكز
الأخرى، بالإضافة إلى الأشخاص الذين أُخذوا إلى مراكز سرية ويُوجدون بمراكز
الشرطة، وذكرت هذه النشرة أيضًا أن سجن سرقادجي بالعاصمة يضم أكثر من 1000 معتقل
مع الإشارة إلى عدم توقف الاعتقالات مثل إيقاف السيد بوناب عضو المكتب التنفيذي
بولاية بليدة أخيرًا بعد أن أطلقت المحكمة سراحه ومهاجمة مسجد التوبة أثناء صلاة
فجر يوم 14 آذار واعتقال المصلين ومصادرة أملاك المسجد وإيقاف قاضي منطقة الأربعة
بمدينة بليدة بعد أن حكم بعدم سماع الدعوى لمتهمين تم إيقافهم هم أيضًا.
محتشدات في الصحراء
أما عن ظروف الاعتقال فإن تقرير الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان التي
زارت معتقل ورقلة أفاد بأن «هذا المركز مخصص لقبول ما بين 600 و700 شخص في حين
يوجد به حاليًا 2200 معتقل حسب ما صرح به المساجين الذين يعيشون ظروفًا صعبة من
حيث الإقامة والأكل والنظافة، وجاء في التقرير أيضًا أنه مع «ارتفاع الحرارة ستصبح
الحياة تحت الخيام لا تطاق، بالإضافة إلى خطر انتشار الأوبئة، حيث ذكر طبيب الوفد
الزائر أن الفضلات كانت مكدسة في انتظار إبعادها.
وصرح الوفد بأنه يوجد حوالي 500 معتقل من بين 2200 من المثقفين ويوجد أساتذة
ومحامون، وأن كل المساجين يشتكون من ظروف اعتقالهم ويصرحون كلهم بتعرضهم للعنف
أثناء إيقافهم، وما زال المساجين الذين أوقفوا ليلًا يلبسون لباس النوم وأحذية
عادية.
وذكر معتقلان أنهما تعرضا للتعذيب الأول بالصعق الكهربائي والثاني كُسِر
إصبعه.
أما مصادر الجبهة فإنها تؤكد في نشرتها «منبر الجمعة» سقوط عدد من
القتلى في هذه المراكز أو التجمعات.
ويعتبر معتقل ورقلة أهون من حيث ظروف الاعتقال بالمقارنة إلى التجمعات
الأخرى مثل عين صالح حيث تمكن المساجين فيه من تسريب رسالة جاء فيها أن الحياة
والموت أصبحا سواء بالنسبة إليهم.
تخوفات منظمة العفو
وجاء في نشرة منظمة العفو الدولية المذكورة أعلاه أن عائلات الموقوفين
لم يتم إعلامها بمكان إيقاف ذويهم وبقيت أيامًا عديدة منقطعة عن أخبارهم.
وأضافت: صرحت السلطات الجزائرية أن قوائم المعتقلين وأماكنهم ستوزع
قريبًا، وإن عائلاتهم ومحاميهم يمكنهم زيارتهم بعد عشرة أيام، ذلك أن إعلان حالة
الطوارئ يوم 9 شباط يخول لوزير الداخلية الجزائري «الأمر بسجن كل شخص يمس نشاطه
بالنظام العام في مراكز الأمن».
ونظرًا لغياب أي قانون رسمي حول الإيقاف، فلا يمكن حاليًا الحديث عن
فترة قانونية وحق الاستئناف.
ونظرًا لكل هذه الاعتبارات تعبر منظمة العفو الدولية عن تخوفها من أن
تكون الظروف قد تهيأت لانتهاك حقوق الإنسان الأساسية في إطار حالة الطوارئ.. ذلك
أن عدة أشخاص لقوا حتفهم في الصدامات الأخيرة والإجراءات الاستثنائية الجديدة تُخوِّل
الاعتقال.
وفي رسالة إلى الحكومة الجزائرية طالبت هذه المنظمة بإعطاء أوامر
واضحة لقوات الأمن بعدم استعمال العنف إلا إذا كانت حياة عناصرها في خطر محقق، كما
طالبت السلطات بـ«ضمان عدم إيقاف واعتقال أشخاص يستخدمون حقوقهم الأساسية في
التعبير والاجتماع دون استعمال العنف.. مثل المشاركة في المظاهرات أو في اجتماعات
أو مجرد الوقوف أمام المساجد.. فقد ذكرت نشرة المنظمة أنه حسب وسائل الإعلام
ومصادر أخرى جزائرية قتل سبعون مدنيًا وجرح كثيرون في الأسبوعين الأولين لشهر
شباط، وأغلب الحالات حصلت أثناء صدامات عنيفة مع قوات الأمن وحوالي اثنا عشر من
هذه القوات قتلوا أو طعنوا من طرف أشخاص يبدو أنهم متعاطفون مع الإسلاميين.
انتهاك حرية التعبير والتنظيم
وفي هذا الصدد يتبين أن الانتهاكات الحالية في الجزائر تركزت في دائرة
الحريات المتعلقة بالتعبير والتجمع والتنظيم وبالتحديد دائرة الأطراف الإسلامية
التي سلطت عليها الأضواء في السنوات الأخيرة، وهو ما تؤكده نشرة منظمة العفو
الدولية التي تقول «كل المساجين من الرجال وأغلبهم أعضاء ومتعاطفون مع الجبهة
الإسلامية للإنقاذ، بالإضافة إلى أعضاء من حزب «النهضة الجزائري» الذي يرأسه الشيخ
جاب الله كما تؤكده البيانات العديدة للجبهة ولجنة الدفاع عن الحرية ومناصرة
المشروع الإسلامي في الجزائر.
فقد جاء في بلاغ صادر عن هذه اللجنة بتاريخ 14 /2 /1992 ما يلي:
لقد أقدم المتسلطون اليوم على الجزائر وشعبها الأبي، بمباركة قوى
الظلم والإلحاد على انتهاك كرامة المسلمين، وارتكاب أبشع الجرائم في حق الإسلام،
وهذا على مرأى ومسمع من دعاة الحرية والدفاع عما يسمى بحقوق الإنسان، وتساءل
البلاغ لماذا لا يقوم دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان بواجبهم الحضاري المزعوم
عندما تنتهك حقوق الإنسان المسلم؟ حيث نراهم يضربون بمبادئهم عرض الحائط ويَزِنون
الأمور بميزانين ويقيسون الظلم والباطل بمقياسين وانتهاك حقوق الإنسان وكرامته
بمكيالين.. وتحدث البلاغ عن القمع الوحشي والبطش في صفوف شباب الجزائر وعلمائه
والعمل على إجهاض المشروع الإسلامي، ودعا إلى وقف الاعتقالات التعسفية وإطلاق سراح
قادة العمل الإسلامي.
خنق التيار الإسلامي
وفي هذا الإطار تتنزل الإستراتيجية المشتركة التونسية-الجزائرية
المتمثلة في تضييق الخناق، بل القضاء على التيار الواعي للصحوة الإسلامية نزولاً
عند رغبة القوى الخارجية وانطلاقاً من القواسم المشتركة سعت السلطات التونسية إلى
تصدير تجربتها إلى الجزائر مما يفسر تكاثف الزيارات الرسمية بين البلدين، وخاصة
على مستوى وزارة الداخلية مع الاحتفاظ بنفس الأسلوب في التغطية الإعلامية الداخلية
والخارجية على الحل الأمني إزاء الظاهرة الإسلامية.
وفي هذه الفترة كثرت التصريحات الرسمية، وأطنب المسؤولون في البلدين
في تمجيد المسار الديمقراطي لسياستهم، مثلما حصل في الحصة التلفزيونية «مسيرة
القرن» بالقناة الفرنسية الثالثة يوم الأربعاء 18/ 3 التي تحدث فيها بوضياف عن
احترام حقوق الإنسان في بلده، في حين منع وفد برلماني تابع للجبهة الإسلامية
للإنقاذ في زيارة لأوروبا من حضور هذا البرنامج والإدلاء برأيه.
هذه بعض العينات من أسلوب التعامل مع الملف الإسلامي في الجزائر الذي
يدخل في إطار استراتيجية أشمل يقف وراءها الماسكون بخيوط النظام الدولي الجديد.
•