العنوان الجزائر بين الديمقراطية والإسلام
الكاتب علي عبد العزيز
تاريخ النشر الأحد 01-مارس-1992
مشاهدات 65
نشر في العدد 991
نشر في الصفحة 34
الأحد 01-مارس-1992
الجزائر بين الديمقراطية والإسلام
الديمقراطية بلا رتوش ولا تفصيل وبكل ما تعنيه من تفسيرات متباينة لا
تعدو عن كونها نظام حكم للبشر يخضع كل الخضوع لمقررات العقل، بغض النظر عن كونه
عقلًا فرديًّا أو عقلًا جماعيًّا، لا صلة له إطلاقًا بالرسالات أو الديانات.
أما الإسلام فهو دين ودولة، وهو نظام حكم للبشر يخضع كل الخضوع
لمقررات الوحي في أصوله دون فروعه كالعقائد والعبادات والأخلاق، وما عدا ذلك من
معاملات أو سياسات أو معاهدات فهي متروكة لاجتهاد الإنسان وما يطرأ على حياته من
أحداث ومستجدات.
من خلال هذا التعريف الموجز لكل من الديمقراطية والإسلام، نقول: إن
عدل الله في التشريع اقتضى ألا يعطي العقل صلاحيات الحكم كله، لما فيه من أمور هي
فوق طاقته وقدرته، ولما في الإنسان من أمور القوة والضعف قد لا يعرف حقيقتها، إلخ.
ونفس الشيء بالنسبة للوحي فهو لا يعطيه صلاحيات الحكم كله، لما فيه من حجر ومصادرة
لما رُكِّبَ في الإنسان من خصائص وطاقات لا شك أنها ركبت فيه كي تُعينه على أداء
وظيفته في الحياة من تقدير وتنظير للأشياء والأحداث، فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه
ثم هدى... ومن أجل ذلك اقتضت الحكمة الإلهية في التشريع ألا تعطي العقل صلاحيات
الحكم المطلقة كلها، لأن طبيعة الأشياء تقتضي ألا تحمل الشيء فوق طاقته، هكذا نفعل
في حياتنا مع الأشياء من إنسان وحيوان ومركبات حتى في عالم الرياضة وفي سائر
الألعاب.
وفي الوقت نفسه لم يجعل التشريع السماوي مُقصِيًا للعقل أو مُعَطِّلًا
لوظيفته في الحياة؛ لأن الوحي أثر من آثار الله وكذلك العقل أثر من آثار الله،
وآثار الله يجب أن يتم بينها الوفاق والاتساق لا أن يقع بينها التناقض والصدام.
وإن كان الوحي والعقل ليسا نِدَّيْنِ، بل الوحي يرجع ليُحاكم العقل وليس العكس.
إن الواقع في الجزائر بين جبهتي الإنقاذ والتحرير لا يعدو عن كونه
لَبْسًا في تقدير الأمور المطروحة على الساحة، فالديمقراطية ليست نِدًّا للإسلام
باعتبارها نتاج عقل والعقل له حدوده، والإسلام ليس نِدًّا للديمقراطية باعتباره
وحيًا من السماء لا يمكن أن يُقفِل صلاحية أثر من آثار الله، فغياب هذه الحقيقة
لدى الطرفين هو الذي أوجد الخلاف الذي انتهى بهذا العداء بين أبناء الأمة الواحدة
وبين أبناء الشعب الواحد، والذي أدى إلى هذا الصدام الدامي والدمار الشامل، بل
والفتنة التي تجعل الحليم حيران من جراء هذا اللبس في التقدير والتنظير لهذه
الأحداث.
تجاوزات في النزاع
إن التجاوزات التي تعيشها الجزائر اليوم ليست بدعًا من التجاوزات في
شبه هذه الحالات عندما يستحكم الخلاف بين الأصدقاء أو الأشقاء، وعندما تنفرج زاوية
الحوار وما يدور حول أي شيء من قضايا النقاش بين الأطراف وما يعتمل في نفوس
الفرقاء.
إن من مقررات الفقه في مثل هذه الحالات من نِزَال وقتال ألا يطارَد
الفار، ولا يُلاحَق، وألا يُجْهَز على الجريح، وألا تُسْبَى النساء، وألا تُسْلَب
الأموال، وألا تُسْتَباح الحرمات، وألا تُحْرَق الممتلكات والثروات والزروع
والحقول... إلخ.
إن من التجاوزات التي وقعت في مثل هذه الظروف والتي ما كان ينبغي أن
تُنسَى سواء كان من قبل الحاكم أو المحكوم أو من قبل المعتدي أو المعتدَى عليه ما
وقع من حريق بعض ممتلكات الإسلاميين في القاهرة ولم يُراعَ فيها مثل تلك المقررات
الفقهية آنفة الذكر.
كذلك الشأن وقع في العراق وغيرها من البلدان وفي شتى العقارات، لاسيما
ما وقع بين أبناء الأمة الواحدة والدين الواحد هنا وهناك، ناهيك عما وقع لدينا من
أزمة الكويت حيث استبيحت الحرمات من نفس ونسل وعقل ومال ودين وقيم... إلخ.
ضرورة التدخل السريع
إن المطلوب إزاء هذه الأحداث في الجزائر بين أبناء جيلنا وأبناء
جلدتنا وأبناء أمتنا التدخل السريع، سواء كان عن طريق المنظمات الإقليمية أو
العالمية أو عن طريق الشعوب أو الحكومات، لا لشيء سوى لوقف النزيف، ولحقن الدماء،
ولعدم إهدار المقدرات والقدرات للحياة والأحياء. قد يقول قائل: إن هناك من
القوانين الدولية والأعراف العالمية ما يفيد عدم التدخل في الشؤون الداخلية حيث
الاعتداء على سيادة البلاد... إلخ، فإن مقررات العصر فضلًا عن تعاليم الوحي تُقصي
هذه المقولة بشتى الدلائل والحيثيات، فقد تدخل الغرب في شؤون العراق حين أراد أن
يُبيد شعبه في الجنوب والشمال، وتدخلت الكويت في لبنان بغية الصلح بين الفرقاء،
وتدخلت في رومانيا يوم طُرِدَ الأتراك، وتدخلت مصر في السودان يوم جزيرة أبا،
ناهيك عن إعلان الطائف من أجل إنهاء الحرب الأهلية في لبنان، لاسيما وأن الجيش
الأمريكي لا زال مُحاصرًا هاييتي من أجل عودة رئيسها المطرود... إلخ.
إن القرآن لا يعتبر مثل هذه الأقوال، ولذلك أمر المسلمين إذا نشب خلاف
بين فئات الأمة أيًا كانت هذه الفئات داخليًّا أو خارجيًّا لابد من التدخل بصورة
أو بأخرى حتى ولو أدى ذلك التدخل إلى قتال لبعض تلك الفئات، وهذا أمر رباني واجب
النفاذ لا يسع المسلم إزاءه إلا الإذعان له وتنفيذ ما فيه من إجراء، لاسيما وأن
الواقع التاريخي لبني الإنسان يقضي بضرورة التدخل مهما كانت النتائج ومهما كانت
التضحيات.
إذن لا غرو أن يستنفر أهل الخير أنفسهم من أجل هذا التدخل السريع لوقف
هذا النزيف ولحقن الدماء وللحيلولة دون وقوع المزيد من الضحايا والدمار والهلاك
بين الفرقاء وطرفي النزاع؛ لأن النتيجة الحتمية لهذا النزاع هي الخسارة الفادحة
للبلاد والعباد في شتى نواحي الحياة.
وإن شاء الله سوف يكون هذا التدخل ذا فائدة كبرى على الأمة عامة وعلى
الجزائر خاصة وعلى طرفي النزاع بوجه خاص بإذن الله، {وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ}... ويقولون متى هو؟ قل عسى أن
يكون قريبًا...
هذا وبالله التوفيق