العنوان الجزائر في مفترق الطرق
الكاتب سليمان شنين
تاريخ النشر الأحد 19-أبريل-1992
مشاهدات 69
نشر في العدد 997
نشر في الصفحة 24
الأحد 19-أبريل-1992
· إن وصول الجزائر إلى هذا الواقع المسدود أدى إلى أن يطفو على السطح
صراع الأجنحة داخل النظام.
الجزائر اليوم بلد يتميز بانسداد سياسي لم يكن له
مثيل من قبل، ويترقب الجميع ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تغيرات سواء على مستوى
الحكومة أو على المستوى الشعبي الذي بدأت ملامح الرفض والاستنكار للواقع المعيشي
تبدو جلية وواضحة، بعد أن التهبت جيوب المواطن العادي صاحب الدخل البسيط من جراء
ارتفاع أسعار المواد الأولية ورفع الدعم عن بعضها. إن السلطة الجزائرية ممثلة في
المجلس الأعلى للدولة الذي أراد أن يفرض هيبة الدولة بالقوة، لم تفلح في توفير
الاستقرار النفسي والاجتماعي وذهبت إلى البحث عن سند شعبي بالدعوة إلى تكوين تجمع
وطني دعا إليه السيد محمد بوضياف رئيس المجلس الأعلى للدولة، واتصل بعدة تنظيمات
جماهيرية من العمال والنساء والشباب، وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه التنظيمات
كانت تابعة لحزب جبهة التحرير الوطني، وقد استجابت بعض التنظيمات لهذه الدعوة
وباركتها. وضغطت قاعدة جبهة التحرير على قيادة نقابة العمال التي أرادت أن تساير
هذه الدعوة. ولتوطيد الصلة بين المجلس الأعلى والمجتمع المدني، ينتظر تشكيل المجلس
الاستشاري في هذا الشهر «إبريل»، الذي يتكون من 60 عضوًا يعينون بكيفية
تضمن تمثيلًا متوازنًا لجملة القوى الاجتماعية ويشترط فيهم أن يكونوا غير مرتبطين
بأية مسؤولية نظامية في حزب سياسي أو جمعية. تراكم هذه الأحداث زادت في توتر الصلة
بين الشارع الجزائري وانعدام الثقة بينه وبين النظام القائم، وغرس في جميع
الجزائريين الشعور بالقلق المزمن والترقب الحذر، ويستوي في ذلك من خطط لواقع
الأزمة ومن نفذ عن وعي أو دون وعي وحتى من يواجه تبعاتها بكثير من الصبر
والكبرياء.
ملامح الصراع الداخلي
إن وصول الجزائر إلى هذا الواقع المسدود أدى إلى أن
يطفو على السطح صراع الأجنحة داخل النظام، واتضح ذلك من خلال:
1. استقالة أو إقالة الجنرال العماري
استقالة أو
إقالة الجنرال العماري الذي كان قائدًا عامًا للمشاة، وللتذكير فهو الذي أشرف على
تنفيذ حالة الحصار في يونيو 1991. وتشير مصادر إلى أنه عين في ديوان وزير
الدفاع، كما أن إقالته أو استقالته تأتي لقناعة الجنرال بضرورة تصفية ظاهرة الجبهة
الإسلامية من الساحة الجزائرية. مهما يكن، فإن إبعاده عن المشاة يوحي بوجود سوء
تفاهم داخل النظام أو تخوف يحدث ضغطًا على المواقف المستقبلية التي من شأنها أن
تعيد الاستقرار، كالتخفيف على المعتقلين مثلًا.
2. سلسلة الاغتيالات الأخيرة
إن سلسلة الاغتيالات الأخيرة في صفوف رجال الأمن
ينسبها البعض إلى عناصر متطرفة في الجبهة الإسلامية، في حين أن القرائن تثبت أن
عناصر من داخل أجهزة الأمن تقوم بهذا العمل، وهذا من أجل:
أ- الإبقاء
على حالة الطوارئ
إن لم نقل دفع النظام إلى إعلان حالة الاستثناء، وهذا
من أجل تعطيل المسار الديمقراطي وإلغاء الأحزاب حتى تبقى الجزائر تحت سيطرة مجموعة
تحكم فيها بما تشاء.
ب- تصفية
حسابات قديمة بين رجال الأمن
وخاصة إشكالية
الولاء للعناصر التي كانت تقود الأمن سابقًا وأبعدت عن هذه المناصب الحساسة.
3. الهجمات على السيد أحمد غزالي
إن الهجمات المتتالية من طرف عناصر داخل جبهة التحرير
في الحزب الذي كان يحكم البلاد، على السيد أحمد غزالي وتوظيف مجمعها الإعلامي من
أجل النيل من سمعته أمام الرأي العام خاصة بعد أن أعلن أنه منشق على حزبه،
واعتبرته وسائل الإعلام الجبهوية المكتوبة أنه أحد عوامل عدم الاستقرار، وتشير
مصادر كثيرة أن السيد أحمد غزالي قد قدم استقالته فعلًا، وتتداول أسماء كثيرة يمكن
أن تعوضه، نذكر منها على وجه الخصوص:
1. السيد العربي بلخير:
وهو أحد الجنرالات الأوائل، كان يشتغل في منصب رئيس
ديوان الرئيس السابق، ويشغل الآن منصب وزير الداخلية والجماعات المحلية، أصدر قرار
حل الجبهة الإسلامية وتحمل أعباء وتبعات الاعتقالات الأخيرة، كما حل 194
مجلسًا بلديا منتخبًا كان تحت إشراف الجبهة الإسلامية للإنقاذ. إن اختياره يأتي
لكونه مقبولًا عند المؤسسة العسكرية وكذلك بعض الجهات الأجنبية.
2. السيد أحمد طالب الإبراهيمي:
الوجه الثاني
المتداول وهو السيد أحمد طالب الإبراهيمي، ويصنف على أنه يمكن أن يرضي الطرف
الإسلامي لظهوره في لجنة الدفاع عن المعتقلين مع فضيلة الشيخ أحمد سحنون، رغم أنه
كان يشغل مناصب عالية في الدولة في عهد الرئيس هواري بومدين، والذين يدرجون اسمه
يعتبرونه أحد الأعضاء البارزين في التيار الإسلامي والتيار الوطني؛ إذ لا زال
عضوًا في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، ويتمتع بسمعة طيبة عند
المجاهدين. كما تتداول أسماء أخرى منها السيد أبو بكر بلقايد الذي يلقى دعمًا
خارجيًا، إضافة إلى أنه صديق قديم للسيد بوضياف، وكان الواسطة بين الجيش وبوضياف قبل
تولي هذا الأخير مهام رئاسة المجلس الأعلى للدولة، والسيد بلعيد عبد السلام، وزير
سابق له وزنه النضالي قبل الاستقلال، وعرف بمشروعه الاقتصادي الذي لم يكتب له
الاستمرار. إن سياسة السير في تغيير الحكومة الجزائرية تأتي في إطار الوعود التي
قدمها السيد محمد بوضياف في إحداث تغيير جذري في النظام الجزائري، ويأتي كذلك بعد
الضغوطات الكثيرة الداخلية والخارجية على حكومة سيد أحمد غزالي، خاصة بعد التعديل
الأخير إذ عين وزيرين لهما توجه إسلامي.
وضع المعارضة
هذا كل ما يمكن أن نقوله على مستوى النظام الآن. أما
فيما يخص المعارضة، فالجبهة الإسلامية قدمت طعنًا للغرفة الإدارية في قرار وزارة
الداخلية القاضي بحلها، وقد أفرج عن السيد رابح كبير وهو مسؤول اللجنة السياسية،
وتتمتع بعض القيادات كذلك بالإفراج المؤقت منها الشيخ محمد السعيد وعلي جدي الذي
لم تتداول الصحف الجزائرية خروجه، وينتظر أن يفرج عن السيد عبد القادر حشاني في
الأيام المقبلة. وفيما يخص خطاب الجبهة الإسلامية لا زال يتسم بالحدة ورفض النظام
القائم واستنكار لوضع المعتقلين. وللإشارة فإن مجلة المجتمع انتقلت إلى إحدى
المحافظات في الجنوب الجزائري ولم تتمكن من اللقاء بالمعتقلين داخل المعتقل، إلا
أننا نقلنا آراء عائلاتهم، ونلفت نظر قرائنا الكرام إلى أن وضع المعتقلين عمومًا
غير طبيعي نتيجة تميز أماكن الاعتقال بالحرارة الشديدة مما سبب تدهور الوضع الصحي
وقلة المياه ورداءة الغذاء المقدم لهم. وتجدر الإشارة إلى أننا قد علمنا من مصادر
موثوقة أن من الأحزاب المعارضة ذات التوجه الإسلامي والوطني قد تلتقي في الأيام
المقبلة من أجل مطالبة المجلس الأعلى للدولة بفتح الحوار وعدم التمادي في تهميش
الأحزاب، وكذا بغلق المعتقلات التي أساءت إلى حقوق الإنسان الجزائري وشوهت السمعة
الخارجية للجزائر.