العنوان الجزائر.. والمستقبل المجهول
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992
مشاهدات 74
نشر في العدد 985
نشر في الصفحة 12
الأحد 19-يناير-1992
جاءت استقالة الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد قبل خمسة أيام من
الجولة الثانية للانتخابات الجزائرية، لتضع الجزائر على أعتاب مرحلة مجهولة في
تاريخها الحديث، بعدما كانت الأنظار كلها متجهة إليها، على أنها رائدة التحول
الديمقراطي الحديث في المنطقة.
وقد سجلنا من أول يوم موقفنا المؤيد لرغبة الشعب الجزائري في العودة
إلى الإسلام، وقلنا إنه ليس من حق أحد أن يعترض على فرحتنا- نحن الإسلاميين- بخيار
الشعب الجزائري، وأكدنا على أن الشعوب الإسلامية لو ترك لها حرية الاختيار لاختارت
المنهج الإسلامي الذي يصوغ لها مستقبلها وينتشلها من واقعها البائس المؤلم، لكننا
في نفس الوقت أبدينا مخاوفنا من أية خطوة تستهدف إجهاض تجربة الاختيار الحر لشعب
مسلم ذاق طوال تاريخه المعاصر ظلم المحتل ومن بعده فساد الموالين له، حتى بدأت
خطوات تحويل المسار باستقالة الرئيس الجزائري، أو بمعنى أدق إقالته، ثم استقالة
رئيس المجلس الدستوري بعد أربع وعشرين ساعة من توليه السلطة، لتقع البلاد بعد
ذلك تحت حكم العسكر وتلغى رغبة الشعب ويرفض اختياره.
|
*
إننا نخشى من أن يتورط شعب الجزائر في خيار يقضي على آماله. |
لقد كانت لدى الإسلاميين مخاوفهم وشكوكهم منذ البداية في مصداقية
الاتجاهات الليبرالية التي تطالب أو تدعو إلى الديموقراطية، وهذه الشكوك والمخاوف
لا تنحصر دائرتها ضمن الإطار الضيق الذي يحيط بنا، بل إنها تتسع لتشمل دائرة
الحضارة الغربية كلها ودعواها للحريات والديمقراطية.
إذ أصبح واضحًا وجليًا أن الدعوة إلى الديمقراطية والمناداة بالحريات
السياسية لدى هؤلاء تفتح أبوابها على مصراعيها، لكل التيارات الفكرية والسياسية
التي تنبثق من أفكار علمانية لادينية، لكنها تغلق الأبواب دائمًا أمام الخيار
الإسلامي ورغبة الشعوب المسلمة في العودة إلى جذورها.
ومع التصريحات والمقالات والتحليلات التي امتلأت بها الصحافة الغربية،
وتناولها الإعلام الغربي بكل وسائله من الوقوف ضد خيار الشعب الجزائري المسلم،
نكتفي بتصريح «كلود شيسون» الوزير السابق في حكومة ميتران الأولى على اعتبار
أن فرنسا مازالت تعتبر نفسها الوصية على الجزائر، حيث صرح قائلًا: «إن
أخوف ما نخاف منه الآن هو الإعلان عن قيام دولة أصولية في الجزائر، وإني أعتبر
تدخل الجيش إنقاذ وقتي للديمقراطية»!
ولم يقف الأمر عند حدود الغربيين الذين يعلنون دائمًا مواقفهم دون
مواربة، بل إن التجربة الجزائرية قد جعلت الأقنعة تسقط عن وجوه العلمانيين
الذين يملأون عالمنا العربي والإسلامي، حيث كانوا يتشدقون بالديمقراطية والحريات
إلا أنهم سرعان ما فتحوا نيرانهم ضد الشعب الجزائري وخياره الإسلامي، واتضح
أن مفهوم الديمقراطية عندهم هو إتاحة الفرصة أمام كل ما هو غير إسلامي، وإلا
فليتدخل الجيش لإنقاذ ديمقراطيتهم المزعومة، وسرعان ما صفقوا جميعًا لتدخل
الجيش وتعطيله للجولة الثانية من الانتخابات واعتبروا ذلك إنقاذًا للديمقراطية.
|
*
إننا لا ننحاز في مواقفنا إلى جوار تجمعات أو أشخاص، وإنما ننحاز إلى الفكرة
الإسلامية أيًا كان صاحبها. |
لقد تساقطت مع هذه الدعاوي ما ينادي به العلمانيون حول احترام إرادة
الشعوب وتقرير المصير، وأصبح موقفهم مما حدث في الجزائر يستحق أن يسمى فضيحة
المثقفين العرب إذ إنه فضحهم وأظهر عدم إيمانهم بالديمقراطية.
أما الإسلاميون فقد أدت التطورات الأخيرة التي حدثت في الجزائر إلى
ردود فعل قوية لديهم، وجعلتهم يطرحون تساؤلات كثيرة حول مصير كل دعوة إسلامية،
تريد أن تصل إلى الحكم بالطرق الدستورية التي وضعتها، وهل سيكون
مصير كل حركة إسلامية يختارها الشعب لتقوده هو مصير جبهة الإنقاذ؟ وهل قدر
الشعوب المسلمة دائمًا أن تحكم بالعلمانية أيًا كان ثوبها؟
إن تدخل الجيش في الجزائر قد أعطى انطباعًا لدى كل مسلم يغار على
دينه بأن هناك إرادة تتحدى الإسلام في كل مكان ولا تقبله، هذه الإرادة نراها تتحرك
في أفغانستان الآن لتعطل انتصار المجاهدين الذين يطالبون بحكم إسلامي يختتمون به
مراحل جهادهم وتضحياتهم الكبيرة، وقد رأيناها من قبل تحركت في تركيا للحيلولة دون
اشتداد عود حزب السلامة، وتحركت فيما مضى في ماليزيا، ويؤكد تحركها اليوم في
الجزائر على حقائق مهمة أهمها أن العسكر في خدمة العلمانية.
أما مستقبل الجزائر فقد أصبح بعد التطورات الأخيرة مستقبلًا غامضًا
ومجهولًا، إذ كيف سيواجه العسكر إرادة الشعب الجزائري ورغبته الجامحة في
العودة إلى الإسلام، وإجماعه على استبدال العلمانيين بالإسلاميين، لاسيما وأن
نتيجة الانتخابات كانت واضحة والفارق الهائل بين الإسلاميين والعلمانيين
لا يحتمل أي تأويل؟
|
التجربة الجزائرية جعلت
الأقنعة تسقط عن وجوه العلمانيين، حيث كانوا يتشدقون بالحرية والديمقراطية إلا
أنهم انقلبوا عليها عند اختيار الجزائريين للإسلام. |
أما التساؤل الأخطر من ذلك هو كيف سيفكر الإسلاميون في ظل هذا الوضع
المتأزم بعدما أغلق أمامهم الخيار الديمقراطي، وأصبح عليهم أن يوازنوا بقوة بين
خيار العقل وميل القلب، فهل سينسحبون من الساحة ويتركونها للعلمانية؟ أم سيلجأون
إلى طرق أخرى لم تظهر بوادرها على الساحة بعد؟
إنهم في الجزائر ليسوا عدة آلاف، ولكنهم ملايين، وكلهم من الأعمار
اليافعة التي تمتلئ حماسة وعاطفة للفكرة التي يحملونها.
لقد أصبحت الخيارات مفتوحة، وكذلك تصورات المستقبل بالنسبة للجزائر
لكنها جميعًا تندرج تحت دائرة المخاوف على مستقبل ذلك القطر الإسلامي.
إننا في الختام نريد أن نؤكد على حقيقة مهمة هي أن موقفنا المؤيد
لخيار الشعب الجزائري، ليس موقفًا مؤيدًا لجبهة الإنقاذ بعينها، وإنما موقفنا هو
الموقف المؤيد للخيار الإسلامي الذي نسعى لتأصيله والمناداة به في كل مكان.
إننا لا ننحاز في موقفنا إلى جوار أشخاص أو تجمعات، وإنما ننحاز
إلى الفكرة الإسلامية الأصلية أيًا كان صاحبها، ومخاوفنا على المستقبل المجهول
الذي تقدم عليه الجزائر هي مخاوفنا على مستقبل شعب مسلم وقطر إسلامي شقيق.
إننا نخشى على شعب الجزائر من أن يتورط في خيار يقضي على أماله ويبدد
تجربته لاسيما وأن أمامه احتمالات كثيرة تثير المخاوف وتبث الهواجس حول
مستقبل مجهول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل