العنوان الأعجاز في التدوين والجمع للقرآن الكريم أخيرة) الجمع الإلهي للقرآن الكريم
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر الجمعة 24-فبراير-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 1990
نشر في الصفحة 52
الجمعة 24-فبراير-2012
جمع القرآن ثلاث مرات إحداها بحضرة النبي ﷺ.. والثانية بحضرة أبي بكر فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر في حياته ثم عند حفصة.. والثالثة في زمن عثمان
تدوين الوحي وتوثيق سوره وآياته مقام لم يحظ به كتاب ديني أو بشري على امتداد التاريخ
المستشرق « مونتجمري وات »: مادام محمد يتبع تلاوة من يتلو عليه (جبريل) فإن الله يتكلف بجمع الآيات المتفرقة أو التي أوحى بها في أوقات مختلفة ليضعها في سياق واحد
نظم الحافظ العراقي عبد الرحيم بن الحسين (٧٢٥ - ٨٠٦هـ / ١٣٢٥ - ١٤٠٤م) أسماء كتاب الوحي الذين دونوا القرآن الكريم، مع غيرهم من كتاب دولة النبوة، الذين بلغ عددهم اثنين وأربعين كاتبا، نظم أسماءهم في قصيدة سجلت - بالنظم – هذه الحقيقة، من حقائق التدوين والتوثيق والحفظ للقرآن الكريم فقال:
كتابه اثنان وأربـعــونــا *** زيد بن ثابت وكان حينــا
كاتبه وبعده مـعاوية *** ابن أبي سفيان كان واعيـــة
كذا أبو بكر كذا عــــتـــليّ *** عمر عثمـــان كــذا أُبي
وابن سعد خالد وحـــنظلـــــة *** كــــــذا شرحبيل حســــنة
وعامر وثابت بن قــــيس *** كذا ابن أرقم بغير لــــبس
واقتصر المزي مع عهد النبي *** منهم على ذا العدد الـمبين
وزدت من مفترقات الــسير *** جمعاً كثيراً فاضبطنه واحصري
طلحة والزبير وابن الحضرمي *** وابن رواحة وجهما فــاضمم
وابن الوليد خالد وحــاطياً *** هو ابن عمرو وكذا حــــويطبا
حــــذيفة بريدة أبــان *** ابن سعيد وأبا سفيـــان
كذا ابنه يزيد بعض مسلمة *** الفتح مع محمد بن مـــسلمة
عمرو هو ابن العاص مع مغيرة *** كذا السجل مع أبي ســـلمة
كذا أبو أيوب الأنصــاري *** كذا ميعقب هو الــدوسي
وابن أبي الأرقم فيهــــم عدد *** كذلك ابن سلول المهتـدي
كذا ابن وبير اسمـــــه عبد الله *** والجد عبد ربه بلا اشتبـاه
واعدد جهيمًا والعلا بن عقبة *** كذا حصين بن نمير أثبــت
وذكروا ثلاثة قد كـــتبوا *** وارتد كل منهم وانقلــــبوا
ابن أبي سرح مع ابـــن خطل *** وآخر أبهم فلم يســم لي
ولم يعد منهم إلى الديوان سوى *** ابن أبي سرح وباقيهـــم غوى
هكذا نظم الحافظ العراقي أسماء كتاب دولة النبوة، وعددهم اثنان وأربعون كاتبا منهم ثمانية وعشرون تخصصوا في كتابة الوحي القرآني.
ولقد أوصلهم البرهان الحلبي في «حواشي الشفا» إلى ثلاثة وأربعين، وقال الهوريني في «المطالع النصرية»، ولكن لم يكونوا كلهم كتاب وحي (1).
ولقد ترجمنا للثمانية والعشرين الذين تخصصوا في كتابة الوحي القرآني، فرأينا مقامهم في دولة النبوة ومجتمعها، ومن ثم رأينا مقام رسالتهم هذه تدوين الوحي وتوثيق سوره وآياته، وهو مقام لم يحظ به كتاب ديني أو بشري على امتداد التاريخ.
أما جمع القرآن الكريم - الذي حظي نصه بهذا التدوين والتوثيق - فلقد أعلن عنه المولى سبحانه وتعالى عندما قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (18) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)﴾ (القيامة).
وشهد له المستشرق الإنجليزي الحجة «مونتجمري وات»، عندما قال في تفسير هذه الآيات: «إن التفسير الطبيعي لهذه الآيات هو أن محمدا ما دام يتبع تلاوة من يتلو عليه (جبريل)؛ فإن الله يتكلف بجمع الآيات المتفرقة، أو التي أوحى بها في أوقات مختلفة ليضعها في سياق واحد.
وإذا لم يكن محمد هو الذي رتب القرآن بناء على وحي نزل عليه، فمن الصعب أن نتصور زيد بن ثابت - أو أي مسلم آخر - يقوم بهذا العمل، ومن هنا فإن كثيرا من السور قد اتخذت شكلها الذي هي عليه منذ أيام محمد ﷺ نفسه (۲).
عن هذه الحقيقة - حقيقة الجمع الإلهي للقرآن الكريم - تحدثت مصادر علوم القرآن الكريم عن المراحل الثلاث لهذا الجمع.
فقال الحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله (٣٥١ - ٤٠٥هـ ٩٣٣ - ١٠١٤م) في «المستدرك»: لقد جمع القرآن ثلاث مرات؛ إحداها بحضرة النبي ﷺ، ثم أخرج بسند على شرط الشيخين، عن زيد بن ثابت قال: «كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع... الحديث».
وقال البيهقي: شبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة من النبي ﷺ.
الثانية: بحضرة أبي بكر، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر في حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.
وأخرج ابن أبي داود، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قدم عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعُسُب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان.
وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجد أنه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعاً، مع كون زيد كان يحفظ المكان بفعل ذلك مبالغة في الاحتياط.
قال ابن حجر (۷۷۳ - ١٥٢هـ / ١٣٧١- ١٤٤٩م): وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب.
وقال السخاوي (٨٣١ - ٩٠٣هـ / ١٤٢٧ - ١٤٩٧م): في «جمال القراء»: المراد أنهما الشهيدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يديه ﷺ.
وقال الحارث المحاسبي (١٦٥ -٢٤٣هـ / 781-823م)، في كتاب «فهم السنن» كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه ﷺ كان يأمرهم بكتابته، ولكنه كان مفرقاً في الرقاع والأكتاف والعُسُب، فإنما أمر الصديق بنسخه من مكان إلى مكان مجتمعاً، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتثراً فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء.
«إنما كان الأديم والعُسُب وجريد النخل كشط خوصة»، أولاً، قبل أن يُجمع في عهد أبي بكر، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة.
والجمع الثالث: في زمن عثمان أرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف تنسخها في المصاحف، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم.
وقال ابن حجر: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين للهجرة.
واقتصر من سائر اللغات (اللهجات) على لغة «لهجة» قريش، محتجًا بأنه نزل بلغتهم «لهجتهم»، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم، ومنعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى «أي عثمان» أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على نقطة واحدة.
وقال القاضي أبو بكرة في «الاقتصار»: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة من النبي ﷺ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع التنزيل.
قال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن.
والإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك.
أما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤هـ / ١٣٤٤ - ١٣٩٢م) في «البرهان» وأبو جعفر بن الزبير - في مناسباته - وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم عن ابن عباس قال عثمان: كان رسول الله ﷺ يتنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا».
قال الزركشي - في «البرهان»: والخلاف بينهم حول ترتيب السور أهو توفيقي أيضًا؟ أو باجتهاد الصحابة؟ خلاف لفظي، لأن القائل بأنه باجتهاد الصحابة يقول: إنه رمز إليهم ذلك بعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك (۹۳ - ۱۷۹هـ / ۷۱۲ - ٧٩٥م) - مع قوله باجتهاد منهم: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ.
وأخرج ابن أبي داود، بسند حسن، عن محمد بن كعب القرظي، قال:
جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار:
معاذ بن جبل (٢٠ ق هـ - ١٨هـ /٦٠٣ - ٦٣٩م).
وعبادة بن الصامت (٣٨ ق. هـ - ٣٤هـ / 586 - ٦٥٤م).
وأبي بن كعب (ت ٢١هـ / ٦٤٢م).
وأبو الدرداء (ت ٣٢هـ / ٦٥٢م).
وممن جمع القرآن أيضًا:
أبو موسى الأشعري (٢١ ق هـ - ٤٤هـ / ٦٠٣ - ٦٦٥م).
وقيس بن أبي صعصعة (وهو خزرجي).
وسعيد بن المنذر بن أوس زهير (وهو خزرجي).
وأبو زيد قيس بن السكن.
وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث (التي لقبها الرسول ﷺ بالشهيدة) (3)
فجمعته الدولة، وجمعه الصحابة من الحفاظ والقراء، وهكذا حظي تدوينه وتوريثه وجمعه بما لم يحظ به كتاب آخر على مر التاريخ، وبذلك تحقق الوعد الإلهي الحق: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر)
الهوامش
(۱) نظام الحكومة النبوية، ج ١، ١١٤- 117.
(۲) «الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر»، ص ۱۷۹.
(۳) «الإتقان في علوم القرآن»، جـ1 ص 57 – ۷۲.