العنوان الجنرال و تونس
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2001
مشاهدات 54
نشر في العدد 1459
نشر في الصفحة 46
السبت 14-يوليو-2001
وصل الجنرال زين العابدين بن علي إلى الحكم في تونس في خضم ظروف محلية وإقليمية ودولية اتسمت بكثير من الاضطراب والتعقيد، وجاء استيلاؤه على الحكم في تونس كردة فعل على الإفلاس الذي منيت به سياسة بورقيبة الذي أوصل تونس إلى ذروة السقوط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ففي عهده اندلعت التظاهرات والمواجهات والإضرابات العامة، وجرى اعتقال المئات من الناشطين السياسيين من مختلف الانتماءات الحزبية والسياسية، وزج بهم في غياهب السجون.
وكانت قوات الجيش والأمن تمارس أبشع عمليات القمع، حتى ثورات الخبز تم قمعها وكأنه لا يحق للناس التعبير عن جوعهم.
كان بورقيبة ومعه النخبة الحاكمة يتصورون أن العلمانية التغريبية ستجلب لتونس الرخاء والتقدم والازدهار، لكن ما حدث أن المنهج البورقيبي قاد تونس إلى الهاوية.
وقد تبع الانهيار الاقتصادي انهيارات أخرى على الصعيد الثقافي والاجتماعي والسياسي، حتى باتت السلطة محل انتقاد من كل التيارات السياسية بمختلف مشاربها. وكان التغيير من خارج السلطة أشبه بالمستحيل بسبب قوة النظام الأمنية من جهة وتشتت المعارضة من جهة أخرى، وعندما كان نجم بورقيبة آخذًا في الأفول، كان اسم آخر قد أخذ في الظهور.
لم يكن الجنرال ابن علي معروفًا إلا في الكواليس الأمنية، فقد تمكن من التدرج بشكل سريع في المنظومة الأمنية حتى أصبح أحد أقرب المقربين إلى بورقيبة الذي عينه في أكثر المناصب خطورة، أما النقلة الكبيرة التي حققها فكانت غداة عودته من الولايات المتحدة، حيث كان يواصل تكوينه الأمني، وفور رجوعه إلى تونس
عين وزيرًا للداخلية وأوكلت إليه معظم الملفات الثقيلة، ومن جملتها ملف حركة النهضة الإسلامية.
تولى ابن علي مناصب أخرى خولته الاطلاع على تفاصيل الحكم، وكان بين الحين والآخر يبادر إلى اتخاذ القرارات وخصوصًا عندما اشتد مرض بورقيبة، ودخلت البلاد في قلب العاصفة، حيث بدأت تفقد شيئًا فشيئًا مركزية القرار الذي توزع بين مجموعة أجنحة لا يجمعها إلا المصالح والمنافع الكثيرة.
هذا الضعف الذي ألم بالسلطة وبداية بروز مراكز القوة ساهم في تسهيل مهمة ابن علي في الإمساك بزمام الأمور، وكان واضحًا منذ بداية بروزه على الساحة السياسية الرسمية أنه سيلعب دورًا مهمًا في تاريخ تونس المعاصر.
ولد ابن علي في ۱۳ سبتمبر ١٩٣٦م في بلدة حمام سوسة التي لا تبعد عن مدينة المونستير مسقط رأس بورقيبة سوى ٢٤ كلم، وقد تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط في مدارس البلدة، وتابع دراسته الثانوية في معهد سوسة التقني، وبعد المرحلة الثانوية درس في الجامعة الهندسية الإلكترونية، ثم التحق بالكلية العسكرية، وقد تابع دورات متخصصة في مدرسة سان سيير العسكرية، وفي مدرسة المدفعية في شالون سيرمان في فرنسا، وقد انضم إلى المدرسة العليا للمخابرات والأمن في الولايات المتحدة وتخرج فيها.
تسلم الأمن العسكري من سنة ١٩٥٨م إلى سنة ١٩٧٤م، وعُين ملحقًا عسكريًّا في أكثر من دولة.
وفي سنة ١٩٧٨م استدعي ليتولى موقع مدير عام الأمن الوطني إلى غاية سنة ١٩٨٠م. وفي هذه الفترة كان عمليًّا يقوم بمهمات وزير الداخلية، لأن ضاوي حنا بلية الذي كان يشغل هذا المنصب لم يكن قادرًا في الواقع على حمل أعباء الوزارة.
وفي عام ۱۹۸۰م جرى تعيين ابن علي سفيرًا في بولندا، وعلى إثر ثورة الخبز سنة ١٩٨٤م استدعي ليشغل ثانية منصب مدير عام الأمن الوطني، وبتاريخ ۲۹ أكتوبر من السنة نفسها عين كاتب دولة، وكيل وزارة للأمن الوطني.
وسنة ۱۹۸٥م جرى تعيينه وزير دولة للأمن في مكتب رئيس الوزراء محمد مزالي، وفي سنة ١٩٨٦ م عيّن وزيرًا للداخلية فرئيسًا للوزراء فضلاً عن توليه الأمانة العامة للحزب الحاكم.
وفي نوفمبر ۱۹۸۷م استولى زين العابدين على الحكم وأطاح ب«المجاهد الأكبر» بورقيبة. لقد اصطفاه بورقيبة ليكون قبضته الحديدية في مواجهة خصومه، فكانت النتيجة أن أزاح بورقيبة عن الحكم، وقد وصفته صحيفة فرنسية بقولها: إنه محسوب على الغرب قلبًا وقالبًا.
وقد أدهش هذا الانقلاب الأبيض العديد من العواصم الغربية والعربية إلى درجة أن بعض العواصم المعنية بتونس اعتبرت أن ما حدث انقلاب لصالح المخابرات الأمريكية بهدف القضاء على الوجود الفرنسي في المغرب العربي.
بدأ زين العابدين حكمه بكثير من الانفتاح على المعارضة، وأطلق سراح العديد من سجناء الرأي والسجناء السياسيين من مختلف التنظيمات، لكن هذا الانفتاح لم يدم طويلاً إذ سرعان ما تبين أن بورقيبة وابن علي هما في الواقع وجهان لعملة واحدة، فالتغيير الحاصل لم يطاول النهج السياسي بل طاول الوجوه لا أكثر ولا أقل. والديمقراطية التي وعد بها ابن علي كانت حكرًا على الحزب الحاكم ومن يدور في فلكه.
ولم تكن إزاحة بورقيبة سوى خطوة ضرورية للحفاظ على النظام العلماني القائم، ولأجل ذلك بقيت الأزمة السياسية تراوح مكانها في تونس.