العنوان الجوع صناعة الدول الكبرى للتصدير
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
مشاهدات 61
نشر في العدد 694
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
لعل الوقائع المأساوية للمجاعة التي تشهدها أفريقيا المسلمة حاليًا قد نبهت العالم الإسلامي إلى ضرورة التأمين الغذائي، ومن ثم مدى الخطورة المترتبة على الاعتماد المتزايد على الدول الصناعية في استيفاء الاحتياجات الغذائية، وعلى الرغم من أن فصول المجاعة أصبحت مشهدًا متكررًا في أجزاء متفرقة من العالم الإسلامي ومنذ أواسط السبعينات نتيجة للتناقص التصاعدي والمستمر في الإنتاج الزراعي، إلا أن شبح المجاعة الذي يهدد حاليًا أكثر من (٢٥٠) مليون أفريقي -أكثرهم من المسلمين- قد جسد الأبعاد الحقيقية للمشكلة.
إن مشكلة الجوع لم تعد نتاج عوامل طبيعية بحتة -وإن كانت العوامل الطبيعية تمثل عنصر الاشتعال فيها- بل أصبحت بفضل جهود الدول المتقدمة مادة تصنع وللتصدير فقط.
فالجفاف الذي أصاب أفريقيا مؤخرًا لا يزيد على كونه عنصر الخاتمة، أما عناصر المقدمة فهي من صناعة الدول الصناعية بالاشتراك مع الشركات متعددة الجنسية، وإلا فكيف لنا أن نفسر حدوث الجوع والمجاعة في بلد كالمغرب، أو السودان، أو كينيا، وأي جفاف ومجاعة يمكن أن تحل ببلد يجري في أراضيه أكثر من (9) أنهر.
فالقضية إذن ليست قضية جفاف وانخفاض في منسوب الأنهار، وإنما هي قضية سياسية توجه اقتصاديًا لتحقيق الأغراض الغربية في أحكام التبعية الاقتصادية والسياسية معًا، ولقد ظلت الدول الصناعية في غرب أوروبا وأمريكا تمارس هذه الصناعة -صناعة الجوع- منذ الفترة الاستعمارية؛ حيث وضعت القواعد الزراعية وفقًا لمتطلباتها، وربطت ربطًا عضويًا بين المنتجات الزراعية للدول النامية وبين صناعتها التحويلية، وبذلك فتحت الباب على مصراعيه للمتاجرة بقوت وغذاء الشعوب المستضعفة.
القابلية للجوع:
ترتبط مشكلة توفير الغذاء بالزراعة وأساليبها من جانب، وبالفقر والتخلف من جانب آخر، ولقد أدركت الدول الاستعمارية هذه البدهية؛ ولذا سعت إلى فك الارتباط بين الزراعة وتوفير الغذاء في الدول المستعمرة، وجعلت الزراعة عنصرًا تجاريًا لا يرتبط بحاجة الدولة محليًا، وإنما يتصل بنوع الصناعة التحويلية التي تعتمد عليها دول الغرب الصناعية، ولهذا نجد أن الهيكل الاقتصادي العام للدول العربية والإسلامية يعاني من الاعتماد على سلعة إستراتيجية واحدة تعد مركز التبادل التجاري مع العالم الخارجي، وهو نتاج طبيعي لاعتماد السياسة الاستعمارية لنظرية التخصص التجاري، وعلى الرغم من اتضاح آثار هذه السياسة المدمرة إلا أنها ظلت تهيمن على القطاع الزراعي في الدول النامية عمومًا، والعالم الإسلامي بصفة خاصة، وإذا وضعنا في الاعتبار أن أكثر السلع المنتجة زراعيًا ليست سلعًا غذائية، وإنما هي ذات مردود تجاري في الأغلب تتضح معالم الابتزاز والاستغلال من قبل العالم الصناعي المتقدم في امتصاصه لموارد الاقتصاد في بلدان العالم الثالث.
وبالطبع فإن الانتقاد لا ينصب على ذات الاعتماد على السلع التجارية والاهتمام والتوسع في زراعتها، وإنما ينحصر في التركيز على السلع على حساب الزراعة الغذائية مما خلق ما يمكن أن نطلق عليه «القابلية للجوع». ولقد تمكنت هذه القابلية من دول العالم الإسلامي وبمرور الزمن، وبالتعامل الهامشي مع مشكلة توفير الغذاء، والاعتماد على العالم الخارجي في استيفائه مما جعل نوبات الجوع تتداول أطراف العالم الإسلامي بدرجات متفاوتة، من بنغلاديش إلى المغرب العربي، إلى السنغال، مرورًا بمصر، والسودان، وتدلل الإحصائيات بصفة أساسية على عمق المسألة؛ ففي عام ١٩٨١ استورد العالم العربي وحده مواد غذائية بـ (٩٠) بليون دولار؛ أي أن أكثر من (٦٠%) من غذاء العالم الإسلامي من الاستيراد، لقد تحولت القابلية للجوع إلى واقع الجوع، وقبل أن نناقش كيفية التحول، يجدر بنا أن نتذكر العنصر الداعم لسياسة القابلية للجوع والمتمثل في عدم الاستقرار السياسي، وما يتولد عنه من هجرة للأدمغة ومعسكرات اللاجئين في الدول ذات الموارد المتوفرة نسبيًا؛ حيث يستقبل السودان حاليًا ثلاثة أرباع مليون لاجئ، وباكستان أكثر من (۲) مليون لاجئ، وغير ذلك من مظاهر عدم الاستقرار والتي تدعم ضعف الاقتصاد النامي بتبعات إضافية.
صناعة الجوع:
يعتبر العالم الثالث المصدر الرئيسي للمواد الأولية التي يحتاجها الغرب الصناعي، ونتيجة لعدم التكافؤ بين المستورد والمصدر، فإن درجة الاستغلال قد ارتفعت من مستوى الاستنزاف المؤقت إلى الابتزاز المستمر وتوثيق العلائق بين إنتاجية الدول النامية، وبين حاجتها للنقد الأجنبي، وتمثل ذلك في:
۱- دفع الدول النامية لإنتاج السلع غير الغذائية والتوسع في زراعتها على حساب الإنتاجية الغذائية كما هو الحال في إنتاج القطن في أغلب دول إفريقيا جنوب الصحراء ومصر وباكستان وإنتاج العنب والكروم في شمال إفريقيا، وإنتاج الكاكاو والفراولة في دول الساحل الغربي الإفريقي.
2- خلق البطالة وتدني دخول أفراد الشعب العاديين والذين كانوا في الأصل أصحاب المزارع التقليدية الصغيرة، وذلك بإقامة المشاريع الزراعية الحديثة، وإدخال أساليب الميكنة وإحلالها محل العمل اليدوي في بلدان تكثر فيها اليد العاملة؛ مما يعرض هذه الأيدي المتعطلة والمتدنية الدخول إلى الفاقة واللحاق بركب الجوعى.
3- تهتم الدول الصناعية في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية بإنتاجية الأغذية في العالم النامي، خاصة في مجال الخضر واللحوم، فالولايات المتحدة تعد أكبر مصدر للحبوب في العالم، ومن جانب آخر فهي من أكبر المستوردين للمواد الغذائية في مجالي الخضروات واللحوم، وكثيرًا مما تستورده هذه الدول تقوم بإعادة تصديره للعالم الثالث في شكل معلبات باهظة السعر قليلة القيمة الغذائية.
4- خلق عادات وتقاليد استهلاكية في العالم الثالث تناقض الواقع وتدفع به في شراسة إلى الحياة الاستهلاكية الغربية كما هو الحال في الإصرار على تناول اللحوم المعلبة وعلى شكل (هامبرجر)، وتناول اللبن المجفف في دول تكثر فيها الثروة الحيوانية.
5- إهدار القيمة الغذائية بتحويل المواد الغذائية إلى مواد كمالية ترفيه كصناعة الحلوى و (الكيك) والمواد الاستهلاكية التي لا يتوفر لغير طبقات معينة في العالم الثالث، وكذلك تحويل المواد النشوية إلى الخمور.
إن انتهاج هذه الأساليب ودلالة تلك الصور توضح البشاعة المقصودة من قبل العالم الغربي الصناعي في تجويعه للشعوب النامية، وتبدد مواردها الاقتصادية، وإذا أضفنا إلى ذلك أساليب التخلص من الإنتاج الفائض من المواد الغذائية بحرق القمح أو حب الذرة في البحار، فإن الأمر يزيد من مجرد قصد الأساليب التجارية إلى حقد على الشعوب الجائعة في البلدان النامية.
الخلاصة:
لا أحسب أننا في حاجة لتدليل على مدى الهوة السحيقة التي تفصل بين إمكانيات العالم الإسلامي من جهة، وبين الإنتاجية المتولدة عن هذه الإمكانيات، خاصة وأن العالم المعاصر ينظر إلى الغذاء كعنصر استقطاب يمارس من خلاله السيطرة والابتزاز، ولعل العنصر المفتقد وذي الإمكانية الفاعلة في ردم الهوة هو إعادة التثمير لتتكامل الجهود بين أصحاب الأرض، والمال، والتجربة التقنية، وتفاعل هذه العناصر يضمن الوفرة المطلوبة، إلا أن مدة التفاعل ليست بالأمر الميسور، وبما أن المشكلة أعقد من تمارس دولة واحدة التحرر من هيمنتها، فإن الحلول كذلك تتخذ مقدارًا من التعقيد؛ وذلك لارتباط بين الإنتاج والتصدير في العالم الثالث، وصلة ذلك بالميزان التجاري للدول النامية.
أما عوامل سياسة الخلاص فيمكن حصرها في الآتي:
1- الإصلاح الزراعي الشامل لكل الرقعة المزروعة في الوطن الإسلامي وحل المشاكل المتعلقة بالزراعة المروية بواسطة الري الصناعي عن طريق تحسين أساليب تخزين المياه ومضاعفة الرقعة المزروعة وربط الإنتاجية الزراعية بمجالات العمالة من حيث الوفرة والميكنة عند انعدام الأيدي العاملة، مع التجويد في النوعية المزروعة من حيث الجودة والكفاية العالية.
2- التخلص من آثار التبعية الاقتصادية في الإنتاج الأولى للزراعة؛ وذلك بإقامة الصناعات التحويلية، والتنسيق بين الصناعة التحويلية والمواد من حيث الوفرة والندرة.
3- إحداث التوازن بين الزراعة للسلع التصديرية والسلع الغذائية والمطلوبة محليًا.
إن الجوع سيقلل مهددًا للأكثرية من شعوب العالم الثالث طالما التعامل مع مسبباته يتخذ الأشكال الثانوية في المعالجة، ولعل من المداخل الأساسية لفك هذا التهديد والتفلت من عواقبه هو السعي التنسيقي بين موارد العالم الإسلامي لتوفير الغذاء ليس لشعوبه فحسب، وإنما للعالم الثالث بصفة عامة.