العنوان الحرب الأخرى في العراق.. شهادات تاريخية (۱من ۳)
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007
مشاهدات 55
نشر في العدد 1770
نشر في الصفحة 18
السبت 22-سبتمبر-2007
■ جنود الاحتلال الأمريكي يعترفون لمجلة The Nation.
■ الرقيب كاميلو ميجيا: الإحباط الناجم عن عدم قدرتنا على مواجهة المقاومين العراقيين أدى بنا إلى استخدام تكتيكات عسكرية مصممة لمعاقبة السكان المحليين.
■ حينما عاد المحاربون القدامى إلى ديارهم شعروا بانزعاج عميق للتفاوت البالغ بين واقع الحرب والطريقة التي تصور بها الحكومة الأمريكية الحرب.
■ جندي يطلب التقاط صورة له وهو يلف ذراعه حول جثة أحد القتلى بعد أن دنسها.. وهو يقول: التقط لي صورة مع هذا الوقح!
■ الجندي كريستال: القوات الامريكية تستخدم لتصفية الخلافات القبلية بل والعائلية!
■ الرقيب «ويستفال»: خلال ما يقرب من ألف غارة اشتركت فيها في العراق لم أواجه إلا أربعة من المسلحين.
نشرت مجلة «The Nation» الأمريكية في عددها الصادر نهاية يوليو ٢٠٠٧م ملفًا مطولًا حول انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، تضمن مقابلات مع ٥٠ من الجنود والضباط الأمريكيين الذين شاركوا في حرب العراق من مختلف أنحاء أمريكا.. على مدى شهور.. تحت عنوان «The other war: Iraq vets bear witness»
تحدث العسكريون خلالها عن الانتهاكات الكبيرة لحقوق الإنسان في العراق خلال خدمتهم، وعبّر غالبيتهم عن تأييدهم للانسحاب الأمريكي من العراق.. واعترف الجنود بقيامهم وزملائهم بعمليات قتل دون مبرر، ولجوئهم إلى وضع أسلحة إلى جانب جثث العراقيين، لكي يبدو أنهم من المسلحين.
وكذلك حكى العسكريون الأمريكان ما يقومون به أثناء حملات الدهم الليلية من غلظة شديدة أثناء تفتيشهم للبيوت العراقية التي تبدو عقب عمليات المداهمة، كما لو أن إعصارًا قد ضربها، حسب قول إحدى المجندات السابقات.
وهذا الأمر يعتبر ضربة للصورة التي تحاول الإدارة الأمريكية رسمها للجنود الأمريكيين.
و«المجتمع» تعرض بالتحليل لبعض هذه الشهادات:
وقد وصف كثير منهم الجانب الوحشي من الحرب الذي لا يرى إلا نادرًا في وسائل الإعلام، والغريب أن كثيرًا منهم يعارضون تلك الحرب الشعواء.
وقد سجل هؤلاء الجنود شهاداتهم بالتسجيل والكتابة في آلاف الصفحات اتضح من خلالها أنماط السلوك المزعج من قبل القوات الأمريكية في العراق.
عشرات من هؤلاء الجنود أثبتوا في أقوالهم مشاهدتهم لمقتل المدنيين العراقيين، بما فيهم الأطفال جراء النيران الأمريكية.
وسمع كثير منهم قصصًا متشابهة بشكل مفصل من أفراد وحدتهم، وقالوا: رغم أن هذه الأفعال يرتكبها قلة منهم، لكنها واسعة الحدوث وغالبًا لا تسجل أو يعاقب فاعلها، ولا يصل للقضاء إلا القليل النادر، مثل: المذبحة التي وقعت في مدينة حديثة واغتصاب وقتل الفتاة ذات الأربعة عشر ربيعًا في المحمودية، والقصص الأخرى التي تسربت إلى صحف «واشنطن بوست» و«التايم» و«الإندبندنت».
هذه كلها مملوءة بتفاصيل قتل المدنيين الأبرياء في العراق بصورة همجية واسعة، وما قامت به مجلة «ذي نيشن» يعتبر المرة الأولى لتجميع شهادات حية من داخل أمريكا، حول هذه الانتهاكات بوضوح وشفافية.
حوادث كثيرة وتحقيقات نادرة
ولكثرة الحوادث فإن التحقيق فيها يكون نادرًا.. يقول الجندي جونوثون: إنك لا تستطيع التحقيق في كل مرة يقتل فيها أو يجرح مدني؛ لأن ذلك يحدث كثيرًا ويحتاج إلى كل وقتك.
يقول هؤلاء المحاربون: إن ثقافة الحرب في العراق، التي تنطلق من أن معظم المدنيين أعداء جعلت من الصعب أن يتعاطف الجنود مع ضحاياهم على الأقل إلى حين عودتهم إلى ديارهم..
أما الآن فقد أتيحت لهم فرصة التفكير واسترجاع ما حدث.. «أظن بينما كنت هناك كان التوجه العام أن ميتًا عراقيًّا هو مجرد فقط قتيل عراقي آخر»..
يقول «جيف إينغلهارت»: «كنا نظن مع الجنود أننا نحاول مساعدة شعب، ولكن حينما عدنا إلى البلاد وتلاقينا مع بعضنا حينئذ شعرنا بالذنب».
أكاذيب وتبريرات
سألت مجلة «ذي نيشن» الجنود عن تجربتهم في الدوريات وقوافل التموين وإقامة نقاط التفتيش وشن الغارات واعتقال المشتبه فيهم، ومن هذه اللقطات التي اجتمعت اتضح خيط المأساة: فالقتال في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية أدى إلى الاستخدام العشوائي للقوة، ومقتل آلاف الأبرياء على أيدي قوات الاحتلال..
وحينما عاد هؤلاء المحاربون القدامى إلى ديارهم شعروا بانزعاج عميق للتفاوت البالغ بين واقع الحرب، والطريقة التي تصور بها الحكومة الأمريكية والإعلام الأمريكي الحرب..
فمن جهة فإن هؤلاء الجنود يصفون الحرب بالأعمال السوداء اللاأخلاقية والتي تحمل تشابهًا بوحشية الحروب الاستعمارية، مثل: الاحتلال الفرنسي للجزائر أو الأمريكي لفيتنام أو «الإسرائيلي» لفلسطين.
طفلة بريئة
د. مايكل هارمون: «سأخبركم بنقطة تحولي: «لقد ذهبت إلى مكان الحادث ووجدت طفلة صغيرة جميلة عمرها سنتان، اخترقت رصاصة ساقها، وقد كان الجنود يطلقون النار بعشوائية، نظرت الطفلة إليّ.. لم تكن تبكي.. لم تكن شيئًا ... فقط تنظر إليّ.. أعرف أنها لا تستطيع الكلام. ولست أهذي إذا قلت: إنها كانت تسألني! لماذا أصابت الرصاصة ساقي؟!
ما قاله الجنود عن عدم اكتراثهم بالأرواح البريئة أكده تقرير صادر من البنتاجون في مايو ٢٠٠٧م، وفقًا لاستبيان أجراه مكتب الجراح العام لقيادة الجيش الأمريكي أكد أن 47% من الجنود و38% فقط من المارينز يرون أنه يجب أن يعامل المدنيون بكرامة واحترام، وأن ٥٥٪ من الجنود و40% فقط من المارينز سيبلغون عن أي زميل لهم في الوحدة إذا قام بقتل أو جرح أي عراقي بريء.
يقول الرقيب كاميلو ميجيا -والذي تتصدر صورته غلاف المجلة-: إن الإحباط الناجم عن عدم قدرتنا على الوقوف على أولئك الذين يهاجموننا، أدى بنا إلى استخدام تكتيكات تبدو مصممة ببساطة لمعاقبة السكان المحليين، وهناك حادثة مؤكدة بالصور اتضح فيها فقدان الجنود لأخلاق الحرب..
في هذه الصورة من بين العشرات التي حصلت عليها المجلة الأمريكية، صورة تبين أن جنديًّا أمريكيًّا على وشك أن يأكل من مخ رجل عراقي ميت بملعقة الجيش البنية، وقد قال هذا الجندي الذي تهكم على الجثة ودنسها وهو يضع ذراعه حول الجثة: التقط لي صورة مع هذا الوقع، ويذكر ميكيا: أن الكفن وقع من على الجثة وظهر الشاب الميت تحته وهو بالسروال فقط، وثقب الرصاصة في صدره، قال الجندي ضاحكًا: يا للجحيم إنهم سحقوك: Damn, they really fucked you up, didn't they. ولقد رأى هذا المشهد إخوة الميت وأولاد عمه.
وتنقل المجلة أيضًا شهادة القناصة والأطباء والشرطة العسكرية والمدفعية والضباط وتجاربهم أثناء وجودهم في الموصل وسامراء والمثلث السني والناصرية وبغداد خلال أعوام ٢٠٠٣ - ٢٠٠٥م.
حتى الحيوانات لم تسلم من العدوان
ويواصل فيليب: اشتركت في الإغارة على ما بين عشرين أو ثلاثين منزلًا، كنا نأخذ السيارات ونشغل بها مسجلات الصوت باللغات المختلفة العربية والفارسية والكردية، والتي تقول: «ضع أسلحتك بجوار الباب الأمامي في منزلكم.. وتعال إلى خارج المنزل».
في هذه الأثناء كانت طائرات الأباتشي تحلق فوقنا إذا احتجنا إليها، ولكنها كانت استعراضا للقوى، كنا نقترب من أحد المنازل وكان في منطقة زراعية وكان كلب الحراسة الخاص بالمنزل ينبح بشدة, وفجأة أطلق قائد الحملة النار على هذا الكلب, ودخلت الرصاصة في حلقه ورأيت الكلب -وأنا أحب الحيوانات جدًّا- يجري بفك واحد بعد أن طار فكه الآخر من طلقة الرصاص, والدم يتدفق من جسده في كل مكان, والأسرة كانت تجلس ومعها ثلاثة أطفال صغار والأب والأم في غاية الفزع, وأخذت أصرخ في صاحبي وأنا أنظر إلى الأسرة وهم كالموتى من شدة الفزع.... دموعي تنهمر الآن وأنا أتذكر ذلك، ولكن أيضًا قد دمعت عيناي هناك وأنا أنظر إلى الأطفال وهم في غاية الخوف..».
الاستخبارات
تحدث للمجلة ١٥ من الجنود الذين قالوا: إن المعلومات التي حفزت هذه الغارات كانت عادة يتم جمعها من الأشخاص، وعادة ما تكون خاطئة. يقول الرقيب يسوع من تكساس: «إنه داهم منزل رجل متوسط العمر في تكريت؛ لأن ابنه أبلغ الجيش أن والده متمرد! وبعد تفتيش دقيق للمنزل لم يجد الجنود شيئًا، واتضح فيما بعد أن الابن ببساطة كان يريد مالًا قد خبأه الوالد».
وأكد ثمانية من الجنود أنه من الشائع استخدام بعض العراقيين للقوات الأمريكية لتسوية النزاعات الأسرية والخصومات القبلية والثأر الشخصي.
وبعد العمل بتلك الاستخبارات المضللة، يقول الرقيب يسوع الذي داهم في أكثر من خمسين عملية صار الجنود يتفكهون بقولهم عبر اللاسلكي: «نعم لقد وجدت أسلحة دمار شامل هنا»..
ويقول الجندي بروهنس: أنه شكك في مصداقية الاستخبارات التي تلقاها؛ لأن بعض «المخبرين» العراقيين تدفع لهم القوات الأمريكية. وقد أبلغوا مرة أن مجموعة سورية صغيرة مسؤولة عن قتل عدد من الجنود الأمريكيين تختبئ في أحد المنازل، ورفض الجندي أن يكون أول المقتحمين قائلًا: «إذا كنت على ثقة من وجود هؤلاء فكيف أرسل معي ثلاثة جنود فقط؟.. ففرصة إطلاقهم النار علي قبل أن ألمس الزناد كبيرة، واقترح سحب مركبة قتال إم - ٢ إلى المنزل وإطلاق صاروخ عبر نافذة المنزل الأمامية لابادتهم!
ولكن تمت الخطة الأولى ودخل زملاء الجندي وحطموا النوافذ، وركلوا الأبواب ليجدوا «بعض الأطفال الصغار وامرأة وشيخًا كبيرًا».
ضواحي كركوك
وفي صيف ٢٠٠٥م في ضواحي كركوك، يقول الجندي كريستال: إنه قام بتفتيش مجمع برفقة أحد العراقيين «الطيبين» الذي يسكن مع والديه وأسرته في المكان. وكان الرجل يخفف من وطأة العمل بخفة ظله، وبعد الانتهاء من التفتيش لم يجدوا شيئا، فقال له الضابط: إن هذا الشخص الطيب هو من بين أهداف الغارة، وشعر كريستال بالإهانة؛ لأن تقييمه للرجل أنه لا يشكل أي تهديد ومع ذلك اعتقل الرجل.
وعبّر الكثيرون عن فشل الاستخبارات. كنا نجد قطعة صغيرة من السلك، أو فتيل التفجير ولم نجد أي قنبلة حقيقية في المنازل. ويقول الرقيب «ويستفال»: خلال ما يقرب من ألف غارة اشترك فيها في العراق لم يواجه إلا أربعة من المتمردين.
يتبع