العنوان الحرب تجدد الجراح
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003
مشاهدات 75
نشر في العدد 1545
نشر في الصفحة 36
السبت 05-أبريل-2003
الفلسطيني «غسان» يتذكر أسرته في مجزرة «العامرية».
و«علي» عراقي يتضامن مع أهله من فلسطين.
تعيد مشاهد القصف والانفجارات في العراق فتح جراح أسر فلسطينية اختلطت دماء أعزائها وأشلاؤهم بدماء وأشلاء أسر عراقية خلال حرب الخليج عام ١٩٩١م في مجزرة ملجأ العامرية.
أسر عراقية تشتتت بين العراق وفلسطين، حيث خرج منها مناضلون شاركوا الفلسطينيين المقاومة فترة السبعينيات، وعاشوا الأسر مع إخوانهم الفلسطينيين، ومنهم من أطلق سراحه ولايزال يعيش المأساة في فلسطين ومأساة أهله في العراق.
مجزرة ملجأ العامرية تتجدد المواطن الفلسطيني غسان خضر ۲۹ عاماً من مدينة الزهراء شمال غزة أحد الذين عايشوا أجواء الحرب خلال عام ٩١ ، وكان أحد الناجين من أسرته التي استشهد ٥ من أفرادها في مجزرة ملجأ العامرية الذي قصفته الطائرات الأمريكية في حرب تحرير الكويت.
خضر نكئت جراحه مع سقوط أول صاروخ على بغداد، ليذكره بالمأساة التي فقد جراءها أمه وأربع شقيقات أصغرهن طفلة تبلغ من العمر ١١ عاماً، في حين نجا هو ووالده من المجزرة، حيث شاءت إرادة الله ألا يوجدا في الملجأ ساعة القصف.
غسان نجا بجسده لكنه لم ولن ينسى أفظع مشاهد احتفظت بها ذاكرته لملجأ العامرية، حيث تفحمت جثث أسر بكاملها معظمهم من النساء والأطفال، وكان من بين الضحايا أسرتان فلسطينيتان... أسرة خضر فقدت ۵ شهيدات وأسرة المحتسب استشهد أفرادها العشرة ولم ينج أحد منهم.
يتذكر غسان المجزرة، حيث قضت شقيقاته الأربع وأمه قائلاً: في الأيام الأخيرة من الحرب اشتدت وطأة القصف على المنازل والأحياء السكنية، كنا خائفين على شقيقاتي وأمي، أما بالنسبة لي ولأبي فالأمر كان أسهل فبمقدورنا الحركة والانتقال بسهولة، لذا أصبحت والدتي وشقيقاتي يقضين معظم الوقت في ملجأ العامرية الذي ضم في الغالب الأطفال والنساء والعوائل بشكل عام.
ويتابع: في ۱3/۲/۱۹۹۱م تزايد القصف على بغداد واستمر حتى الفجر، وقد تصادف قدوم أسرة فلسطينية من الكويت من آل المحتسب كانت مكونة من ۱۰ أفراد: الأب والأم وأطفالهم، وبمجرد وصولهم لجأوا مباشرة إلى ملجأ العامرية، وهكذا أصبحت أسرتان فلسطينيتان في الملجاً.
وفي نحو الساعة الرابعة صباحاً، وبينما كنت ووالدي نائمين في المنزل سمعنا دوي انفجارات ضخمة هزت أرجاء المنطقة.. لم نتصور أن تكون الانفجارات تستهدف الملجأ، حيث تحتمي شقيقاتي الأربع وأمي إلا أنه وصلنا في الصباح نبأ قصف الملجأ، وتوجهنا مباشرة إلى هناك وكانت الصدمة.
مهما تحدث غسان ووصف، فلا يمكنه أن يصف المشهد أو يعبر عن شعوره في تلك اللحظات التي شاهد فيها ألسنة من اللهب والدخان تتصاعد من إحدى الفجوات التي سببتها صواريخ اخترقت الملجأ المحمي بشكل قوي، يقول: لقد عملت الأجهزة الأمنية وعلى رأسها الدفاع المدني على إخماد الحريق وفتح أبواب الملجاً، واستمر ذلك من السادسة صباحاً تقريباً وحتى غروب الشمس، حينها تمكنوا من فتح الأبواب وبدأوا بانتشال الجثث. بل أجزاء من الجثث التي تفحمت وانصهرت في الداخل جراء الحريق ودرجة الحرارة المرتفعة جداً الناجمة عن الصواريخ التي أعدت خصيصاً لاختراق الملجأ.
ورغم مرور أكثر من ١٢ عاماً على المجزرة فقد بدا على غسان التأثر وهو يحاول أن يصف ما شاهده خلال تلك الساعات العصيبة، ويتابع: لقد استشهد تقريباً . جميع من كان في الملجأ ومعظمهم من النساء والأطفال، وقد قضوا في محرقة جماعية نفذها الأمريكيون والبريطانيون.
ويضيف: نزلت إلى الملجأ عند إخلاء الجثث وكان المشهد مروعاً: جثث متفحمة ومشوهة لا يمكن تحديد معالمها أو تجميع أشلائها ولم أستطع
التعرف إلى أمي أو شقيقاتي.
وعندما حاولت السلطات العراقية دفن الضحايا في مقابر تعسر ذلك لعدم وجود جثامين كاملة، لذا تم جمع أشلاء الجثث المتبقية في مقبرة جماعية سميت مقبرة شهداء ملجأ العامرية.
غسان استمر بزيارة الملجأ خلال وجوده في بغداد وبعد انتقاله إلى فلسطين سافر مرتين إلى هناك في العام ۹٦، ۱۹۹۹ م وكان أول مكان يزوره ملجأ العامرية، واليوم ومع تجدد المجازر في سوق الشعلة، وسوق الشعب في بغداد لا يزال غسان ومع كل صفارة إنذار تنطلق في بغداد يتذكر رندة وغادة، وغدير، وغيداء، ووالدته.
بين العراق وفلسطين جلس العراقي علي البياتي في بيت صديقه وزميله السابق في السجن جابر موسى في غزة، يشاهد أحداث القصف الأمريكي على العراق وبدت عليه علامات الحنين إلى وطنه وهو يستمع إلى أخبار المقاومة العراقية.
علي تحدث إلينا عن سبب وجوده في فلسطين فقال: التحقت بالثورة الفلسطينية في عام ١٩٦٨م وكان عمري حينها ١٤ عاماً وما دفعني لذلك هو إحساسي القوي بالمعاناة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، فلسطين هي بلدي العربي وكل بقعة في الوطن العربي لو تعرضت لعدوان فسادافع عنها.
ويضيف: انتقلت إلى سورية وتعرضت للإصابة في عام ۱۹۷۳م، ثم انتقلت بعد ذلك إلى بيروت وشاركت في معارك الثورة هناك وأصبت في العام ۱۹۷۷م، وقررت بعد ذلك أن أتطوع لتنفيذ عملية فدائية داخل فلسطين المحتلة، وبعد التدريبات الجدية تم اختياري مع ثلاثة آخرين: فلسطيني وسوري ولبناني لتنفيذ عملية من داخل البحر، فكنا خليطاً نمثل وحدة الشعب العربي وانطلقنا مساء الأحد ۱8/۱۱/۱۹۷۹م من جنوب بيروت عن طريق البحر ووصلنا إلى نهاريا، وأثناء وجودنا في البحر اشتبكنا مع البحرية الصهيونية، فأصبنا سفينة حربية إسرائيلية واستشهد خلال العملية الاخوان السوري والفلسطيني، وأسرت أنا والأخ اللبناني، حيث خضعنا للتحقيق، وبعد ثلاثة شهور تم نقلنا إلى سجن الرملة وحوكمت مدى الحياة، وتنقلت بعد ذلك في جميع السجون الإسرائيلية، وامتدت تلك المرحلة ٢٠ عاماً أمضيتها برفقة إخواني الأسرى الفلسطينيين.
وقد أفرج عن علي البياتي في عام ١٩٩٩م ضمن اتفاقيات أوسلو، حيث بقي في غزة بعد أن حاول أن يزور وطنه العراق، ولكنه منع حتى من السفر إلى الخارج.
وحول شعوره ووطنه العراق - حيث أهله الذين لم يلتقيهم منذ أكثر من ٣٠ عاماً - يتعرض للعدوان قال: أنا واحد من الشعب العراقي وهم أهلي ومغروسون في روحي ووجداني، واليوم أتمنى لو كنت معهم لأدافع عن أرضي التي ولدت فيها، وكل ما أستطيع القيام به هنا في فلسطين المشاركة في الفعاليات التضامنية، وما يعزيني أيضاً أني ما زلت في خندق المقاومة مع شعبنا الفلسطيني.. فالمعاناة واحدة وحتى عندما أتصل بأهلي يسألونني عن فلسطين قبل أن أسألهم عن أحوالهم في العراق.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل