; الحرية الكاذبة الخاطئة «2» | مجلة المجتمع

العنوان الحرية الكاذبة الخاطئة «2»

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2001

مشاهدات 59

نشر في العدد 1459

نشر في الصفحة 66

السبت 14-يوليو-2001

من أسباب الانحطاط في المجتمعات الإسلامية أن تطوعت بعض الأنظمة العربية في المغرب العربي بتدريس هذه الكتب التي صادرها الأزهر، فضلاً عن إغداق الأموال على أصحابها، وقد سبقهم في هذا رؤساء بعض الدول الكبرى عندما أعلنوا استضافتهم وحمايتهم للهندي سلمان رشدي والبنغالية تسليمة نسرين اللذين نبذتهما مجتمعاتهما، فيما كتباه طعنًا في الإسلام وفي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا أيضًا جعل شيوعيًّا سوريًّا ينشر قصة بعنوان «وليمة لأعشاب البحر» تضمنت السب في الذات الإلهية وفي الرسول صلى الله عليه وسلم، والطعن في القرآن الكريم، وفي غفلة من المسؤولين نشرت وزارة الثقافة المصرية هذه القصة، ولهذا أدانها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وشيخ الأزهر واللجنة المختصة بمجلس الشعب المصري، كما أدانها الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل واعتبرها تقليدًا لرواية «آيات شيطانية» التي تصادم المقدسات[1]

وبعد أن أعلنت مجلة روز اليوسف يومًا أنها ستنشر الكتب الممنوعة التي منعها الأزهر، وبدأت في نشر رواية «أولاد حارتنا» رغم عدم موافقة صاحبها على النشر، احترامًا لقرار الأزهر، كما نشرت كتاب «الإسلام وأصول الحكم» الممنوع نشره منذ سنة ١٩٢٥م، ثم نشرت سلسلة مقالات للمستشار سعيد العشماوي ابتداء من العدد ٣٤٩٥ في ٥/٦/1995م بعنوان «الخلافة الإسلامية التي جربناها» كلها طعن في الخلافة والخلفاء الراشدين، وقد كشف الأزهر أنها من الأكاذيب والمغالطات في تقرير عجز العشماوي عن مناقشته، بل إن جميع ما كتبه لا يزيد عن كونه ترديدًا لما ورد في كتابه هذا الذي صادره الأزهر الشريف من قبل، ولكنه استحدث أمرًا آخر هو الطعن في بعض الحكام العرب.

 ومع ذلك فقد تطوع بعضهم بقرار منه الأمر بتدريس كتب العشماوي في الجامعة، لهذا لا عجب أن تهزمهم مجتمعين دويلة صغيرة مع أنهم يملكون أضعافها شعوبًا وجنودًا ومعدات حربية.

 

لهذا نوضح الآتي:

١ - إن كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين قد صادره القضاء لأنه كذب صريح على القرآن الكريم، فيما ذكره من أن ورود إبراهيم وإسماعيل في القرآن الكريم لا يكفي لإثبات وجودهما في الجزيرة العربية، وكان أمام طه حسين أن يستأنف هذا الحكم، ولكنه أعاد طبع الكتاب باسم «الأدب الجاهلي»، وحذف منه الفصل محل هذه المخالفات.

٢ - لا يمكن التذرع بعدم تخصص الفقهاء في الشعر أو الأدب أو الاقتصاد لإلغاء دورهم في بيان ما ورد في هذه الأمور مخالفًا للنظام العام، ولكن الفقهاء لا عصمة لهم كغيرهم، ولهذا يطعن على قرارهم أمام القضاء بدرجاته الثلاث.

٣ - وكما لا يجوز إلغاء ولاية الفقهاء فلا يجوز المطالبة بإلغاء ولاية القضاء لعدم التخصص في هذه الأمور؛ لأن القانون قد عالج ذلك بإحالة مثل هذه الأمور إلى أهل الخبرة لوضع تقرير تستعين به المحكمة، كما يخول القانون لصاحب المصلحة أن يطعن على حكمها أمام  محكمة الاستئناف، وأن يطعن على حكم الاستئناف أمام المحكمة العليا.

٤ - إن رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ ليست قصة أدبية لا صلة لها بالأديان والأنبياء والرسل كما يزعم الشيوعيون؛ لأنها تشبه العالم بحارة صاحبها شخص اسمه الجبلاوي، وورد بها أنه عجز عن رفع الظلم عن أهل الحارة فظهر من أولاده ثلاثة من المصلحين ليقوموا بهذه الرسالة، ولكنهم يفشلون فيظهر شخص رابع اسمه عرفة فيتولى هذه المهمة، وسياق الرواية وأحداثها تفصح عن الفكر الشيوعي الذي ينكر وجود الله ويزعم أن الأنبياء كانوا أشخاصًا حاولوا إصلاح المظالم ففشلوا وظهر ماركس بشيوعيته التي تسمى الاشتراكية العلمية، فتولى هذه الرسالة بعد فشل الأديان الثلاثة، وقد استعار الكاتب أسماء أبطال هذه الرواية مما ورد في القرآن الكريم، فرمز إلى الله تعالى باسم الجبلاوي حيث ورد في القرآن الكريم أن الله تعالى تجلى لنبيه موسى من جبل طور سيناء، ورمز إلى نبي الله موسى باسم جبل لأنه تلقى رسالته من فوق جبل طور سيناء، ورمز إلى نبي الله عيسى باسم رفاعة لأن القرآن الكريم أورد أن الله رفعه إليه، ورمز إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم باسم قاسم حيث كان يسمى بأبي القاسم، ثم رمز إلى ماركس بعرفة كرمز للمعرفة والعلم الذي حل محل الأديان وأخذ دورها لأن الشيوعية تسمي مذهبها هذا بالاشتراكية العلمية.

وقد كتب جورج طرابيشي أن هذا العلم أصبح عند نجيب محفوظ دين العصر الحديث، كما كتب فيليب استوارد أنه في عام ١٩٥٩م نشر نجيب محفوظ قصته أبناء الجبلاوي ليحسم بها الخلافات الفكرية القائمة ليس في مصر وحدها، بل في العالم كله، فاختار أبطال هذه القصة بأسماء آدم وموسى وعيسى ومحمد، وزعم أنهم بعثوا بعد الممات وظهر معهم الجبلاوي يمثل فكرة صدقها الناس وأطلقوا عليها اسم الطريق إلى نوبل[2] 

٥ - إن مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لا تعني أن ينشر الإنسان ما يشاء، فالحرية لها حدود في كل دولة ومجتمع تنظمها القوانين؛ لأنه لا يمكن أن يكون أي مجتمع غربي أو شرقي بغير نظام وبغير حدود، وهذا ما يسمى في القانون بالنظام العام.

لقد أفلس أدعياء حرية الرأي من العرب الذين طعنوا في العقائد الإسلامية، وفي الأخلاق الإسلامية تحت ستار نقد الفكر الديني، وهذا ما اشتملت عليه الكتب السابق ذكرها، وما اشتملت عليه كتب أخرى نقدت أحكامًا ثابتة في القرآن الكريم والسنة النبوية يزعم أنها من انحرافات الجماعات الإسلامية، وأنه فكر بشري لهم أن يهدموه على رؤوس أصحابه.

 ولكن أي منصف ومحايد يطلع على هذه الكتب يجد أن ما يدعيه أصحابها أنه نقد لآراء بعض كتاب الحركة الإسلامية، هو في الحقيقة نقد صريح لحكم شرعي ثابت في القرآن الكريم أو السنة النبوية، وليس حكمًا ابتدعه أبو الأعلى المودودي أو أبو الحسن الندوي أو الشيخ محمد عبد الوهاب أو الشيخ عبد العزيز بن باز أو الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق أو الشيخ حسن البنا أو الأستاذ سيد قطب أو الأستاذ تقي الدين النبهاني.


 

 (1) مجلة الأدب الصادرة عن دار الأخبار العدد ٣٦٧ في 21/٤/1421هـ - 23/٧/٢000م ص ٣٧.

(2) معتز شكري ص ١٤ وص١٥.

الرابط المختصر :