; الحريري يحقق نصره الثاني على لحود | مجلة المجتمع

العنوان الحريري يحقق نصره الثاني على لحود

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000

مشاهدات 57

نشر في العدد 1425

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 07-نوفمبر-2000

لم تكن مفاجأة غير متوقعة، عودة رفيق الحريري إلى السلطة التنفيذية وتشكيل الحكومة الثانية في عهد الرئيس إميل لحود، فنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة فرضت نفسها على العهد والقوى التي تناصره، خصوصًا بعد خسارة الرئيس سليم الحص مقعده النيابي عن بيروت، وكذلك الأمر بالنسبة للنائب تمام سلام، الذي كان مرشحًا مرجحًا لخلافة الحص.

على أن المخاض العسير أنتج حكومة من ثلاثين وزيرًا لا تختلف عن الحكومات الثلاث السابقة التي شكلها الحريري في عهد إلياس الهراوي إلا في كون أكثر من نصفها مؤيدًا لرئيس الحكومة، مع ضمور النفوذ التقليدي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، واقتصار حصة الرئيس لحود على بعض الوزراء.

والصدمة الأكبر كانت في إعادة توزير بعض الشخصيات المقربة من الحريري والتي ما تزال حتى الآن، موضوع دعوى حق عام بتهمة هدر الأموال العامة، لا سيما وزير المال فؤاد السنيورة، أحد أقرب المقربين من الحريري!

إن عودة فريق العمل ذاته الذي حملته الحكومة السابقة مسؤولية الهدر والفساد وتعظيم حجم الدين العام إلى ما يقارب العشرين مليار دولار، هي إعلان صارخ بسقوط حملة التطهير بالضربة القاضية، وفشل محاولات إقصاء الحريري وأنصاره من الساحة السياسية عن طريق المحاكم، بل يراها بعض المراقبين منعطفًا حاسمًا في الحياة السياسية لرئيس الجمهورية الذي بني هالته وشعبيته السياسية على منطق مغاير للذي يعرف به الحريري.

المسار المتعرج الذي أوصل الحريري إلى تشكيل الحكومة الحالية يستحق وقفة فالتركيبة الحكومية الفضفاضة يؤمل منها الشيء الكثير، نظرًا لاستفحال الأزمة الاقتصادية بعد وصول الدين العام إلى مستويات خطرة، وشيوع حالة الكساد والركود إلى حد اضطرار مؤسسات صناعية وتجارية عريقة إلى إعلان إفلاسها وتصفية أعمالها.

فقبل عام تقريبًا، أعلن الحريري في إفطار رمضاني في قصره الأنيق ببيروت، أن لبنان يواجه استحقاقين حاسمين في الصيف الآتي: انسحاب الكيان الصهيوني من الجنوب واحتمالات تقدم عملية التسوية على المسار السوري من جهة، والانتخابات النيابية من جهة أخرى.

وكان واضحًا أن الحريري كان يركن إلى المتغيرات الإقليمية أولًا والمحلية ثانيًا حتى يستعيد دوره السياسي كرئيس للحكومة.

وكان يعول كذلك على الانتخابات النيابية لتحقيق نصر كامل على خصومه يفرضه رقم لا يمكن تخطيه في المعادلة السياسية، وكان التحدي في هذا المجال لا تشوبه شائبة، فحكومة الحص كانت قد أقرت قانون انتخابات مفصل على النتائج المرجوة، وأبرز ما كان متوقعًا فيها تحجيم زعامة الحريري في بيروت من خلال تقسيم العاصمة إلى ثلاث دوائر، بهدف تيسير الظروف الانتخابية للرئيس الحص والنائب تمام سلام.

وسرى الاعتقاد أن عودة الحريري في عهد لحود من المستحيلات، وتداول المعنيون أسماء عدة في حال استنكاف الحص عن تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات، ومن هذه الأسماء الرئيس السابق لجمعية المقاصد الخيرية النائب السابق تمام سلام، ووزير النقل والأشغال رجل الأعمال الطرابلسي نجيب ميقاني، والمدعي العام التمييزي عدنان عضوم.

والعنصر الحاسم في تعزيز موقف الحريري كان فوز المعارضة في بعض دوائر الجبل بقيادة الوزير السابق وليد جنبلاط، وكان الفوز كبيرًا لدرجة أن المناخ السياسي تبدل كثيرًا مفسحًا المجال أمام المعارضة لإملاء شروطها في عملية تشكيل الحكومة الجديدة وهذا ما حدث فعلًا.

مع ذلك كله لم يكن تكليف الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة أمرًا حتميًا، فقد ترددت حتى اللحظة الأخيرة احتمالات عدة، منها ألا يتفق لحود والحريري على الخطوط العريضة فيعتذر الأخير عن التشكيل ويكلف ميقاتي على أن البدائل لم تكن على مستوى القضايا الملحة، كما أن الحريري الذي التزم الصمت منذ الثالث من سبتمبر، بدأ يفتح قنوات حوار مع رئيس الجمهورية.

في هذه الأثناء، تكاثرت التكهنات والسيناريوهات، فمن قائل: إن الاستشارات النيابية غير ملزمة بنتائجها لرئيس الجمهورية، وبإمكان الأخير أن يكلف الرجل الأنسب ولو لم يحظ بالأكثرية النيابية، إلى التلميح بضرورة أن تلتزم الحكومة الجديدة بمشروع الإصلاح المالي الذي بدأته حكومة الحص واستكمال التطهير الإداري ومتابعة التحقيقات في اتهامات الهدر والفساد والرشوة انسجامًا مع خطاب لحود غداة انتخابه، وعندما بدا للحود ألا مناص من تطبيق الدستور، انتقلت التجاذبات إلى ساحة الأسماء المرشحة للوزارات وحصص السياسيين في الحكومة، وبالطبع حصة رئيس الجمهورية، وتطلب الأمر اجتماعين علنيين مع الحريري لتأليف الحكومة فعلًا قبل التكليف الرسمي.

لحود خضع لمنطق المعارضة فضمت الحكومة نائبًا مارونيًا من كتلة جنبلاط نزولًا على رغبته، وتمكن الحريري بمساومة بارعة من إعادة فريقه القديم إلى الحكومة لا سيما وزير المالية فؤاد السنيورة، كما أدخل إليها ممثل يساره السياسي في الشمال سمير الجسر وزيرًا للعدل، مما يعنى الإطباق على الحملة القضائية التي شنتها عليه الحكومة السابقة.

نجحت المعارضة في فرض سقف محدد على رئيس الجمهورية فضلًا عن إنها أفرغت خطاب العهد من مضمونه السياسي الإصلاحي.

فهل هو ثأر الطبقة السياسية ممن أنى لاختزالها واستبدالها بأخرى على مبرار ما حاول فعله الرئيس الأسبق فؤاد شهاب في الستينيات وفشل؟

قد يكون ذاك، لكن المؤكد أن مرحلة جديدة قد بدأت مع حريري جديد تعلم على ما يبدو من أخطاء الحكم الماضية، على أن الظروف هذه المرة أصعب كثير، والحكومة الجديدة التي جاءت بأكثرية له قد تكون الامتحان الأشد عليه، فلم يعد بمقدوره الاحتجاج بأن يديه مكبلتان، وأنه يتعرض لابتزاز السياسيين.

الأسرى الصهاينة.. الورقة الرابحة في يد حزب الله

شد الحبال بين حزب الله والصهاينة بلغ مداه باستدراج العقيد الاحتياط في الجيش الصهيوني «الحنان تيننيوم» إلى لبنان واعتقاله، أثناء انشغاله بجمع المعلومات عن المقاومة والجنود الأسرى الثلاثة كما عن مصير الطيار الصهيوني المفقود رون آراد، وربما للإشراف على عملية اغتيال شخصية مهمة في المقاومة قد لا تكون سوى الأمين العام لحزب الله، فارتفع بذلك عدد الأسرى الصهاينة إلى أربعة، وبات حزب الله في وضع تفاوضي أفضل، وربما لا يقبل باقل من إطلاق سراح كل الأسرى العرب في السجون الصهيونية.

العملية التي نفذت عبر الشريط الشائك أو الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة، كانت تتضمن الاستعداد لاستيعاب أي ضربة عسكرية صهيونية انتقامية، فجميع عناصر المقاومة كانت في حالة استنفار قصوى تحسبًا لمحاولة اغتيال قيادات في الحزب أو اختطافهم، كما اتخذت القيادات السياسية والعسكرية احتياطات مشددة لإحباط أي محاولة لخطف بعض الكوادر على نحو ما كان يحدث في السنوات الماضية، وفي الوقت نفسه، كان سلاح الكاتيوشا حاضرًا للحظة التي يقرر فيها الصهاينة القيام بغارات على الأهداف المدنية أو المنشآت الحيوية، ولا سيما أن باراك هدد بشيء من هذا القبيل إن لم تفرج المقاومة عن الجنود الأسرى.

رئيس الوزراء الصهيوني باراك مارس الضغوط على كوفي عنان - الأمين العام للأمم المتحدة - لاتخاذ موقف من اختراق الخط الأزرق، ولإجبار الحكومة اللبنانية على احترام هذا الخط مستقبلًا، وتحمل مسؤولية أي خرق له، بمعنى نشر الجيش اللبناني على الخط لتنفيذ هذا الالتزام، وهو الأمر الذي رفضته الحكومة اللبنانية، حتى لا تقوم بحراسة الحدود للكيان الصهيوني الذي لا يزال يحتل أراضي لبنانية هي مزارع شبعا وبعض النقاط الحدودية الأخرى، ويعتقل 19 لبنانيًا في سجونه.

عنان حاول استرضاء باراك من خلال تبني الموقف الصهيوني كما هو ومحاولة جمع معلومات عن الجنود الأسرى في لبنان، وبلغ به الحماس مبلغًا عظيمًا حين كرر في بيروت ما أعلنه من أن عملية الأسر انتهاك للقرار الدولي 425، ويسبب انحيازه هذا لم يعد يصلح وسيطًا مقبولًا، ولم ينعقد لقاء بينهم وبين الأمين العام لحزب الله.

حزب الله بدأ أقرب إلى اعتماد الوساطة الروسية، بدلًا من الوساطتين الألمانية والإسبانية، علمًا بأن الألمان أسهموا عام 1996 م في إجراء مماثل، كما تابعوا قضية الطيار الصهيوني أراد بتكليف من الحكومة الصهيونية على عهد رابين وبيريز، إلا أن التبادل الثاني عام 1998 م، غاب عنه الألمان بسبب الخلاف الذي استجد بينهم وإيران التي لها دور أكيد في تسهيل عملية التبادل الشاملة، وتتهم طهران تل أبيب باحتجاز أربعة دبلوماسيين إيرانيين خطفوا من لبنان إبان الاجتياح الصهيوني عام 1982 م، على يد مليشيا -«القوات اللبنانية».

عن ماذا كان يبحث «تيننيوم» وماذا كانت مهمته؟ ومتى وقع بالأسر؟ وهل ما حدث علاقة مباشرة بأسر الجنود الثلاثة أم أنه كان يتولى ملف الجنود المفقودين؟ ومن الشخصية التي كانت الطعم الذي أوقعه في الفخ؟ وما الظروف التي دفعت الموساد إلى المخاطرة بعميل من هذا المستوى للمجيء إلى لبنان بشخصه؟

المعلومات المتوافرة شحيحة إلى درجة كبيرة خاصة أنه ليس من مصلحة الموساد الكشف عن تفاصيل الفشل، كما أن من مصلحة حزب الله توتير أعصاب الصهاينة، لكن المعطيات الأولية تدل على أن العقيد الأسير كان في حنان قبل وقوعه في الأسر، وكان يتردد عليه بين الحين والآخر، وقد وقع في الأسر قبل عملية أسر الجنود الثلاثة، لكن لم يعلن حزب الله عن اعتقاله، حتى أكد من هويته ومهمته، العميل المذكور جزء من خطة سابقة تم التصديق عليها من تل أبيب، بين باراك ومسؤولين في الاستخبارات الأمريكية، واستخبارات أوروبية لاغتيال العقل المدبر في حزب الله وضرب البنية الفوقية للمقاومة بعد العجز عن ضرب بنيتها التحتية خلال الحرب الطويلة، وعندما اقتنع بالمجيء مطمئنًا إلى بيروت كانت سيارة التاكسي التي تنتظره في المطار، هي السيارة نفسها التي ستنقله إلى مكان الاحتجاز، حيث كانت المفاجأة كاملة وصاعقة!

إلى ذلك لا يبدو باراك مستعجلًا للتفاوض، فالصفقة لن تكون مربحة له، وسيضطر لإطلاق الأسرى العرب بمن فيهم الفلسطينيون، في حين وضعه السياسي مهدد وأي تبادل سيجر عليه الهزيمة في أي انتخابات قريبة خصوصًا، كما أن عملية التبادل لن تأني بجديد على صعيد قضية رون آراد الذي يشغل الرأي العام اليهودي.

وبالمقابل، تبدو مصلحة حزب الله في كسب الوقت، بما أن ورقة الأسرى تحولت إلى قضية سياسية مهمة في ظل تفجر الأوضاع في فلسطين المحتلة، وسيستغلها لآخر لحظة.

الرابط المختصر :