العنوان الحضارة الغربية.. بعد تجارة الأطفال التجارة بالزوجات!
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
مشاهدات 68
نشر في العدد 941
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
الدعارة وتجارة المخدرات والأطفال والنساء
مسامير تنخر جسد الحضارة الغربية!
نساء عربيات وقعن ضحية التجارة باللحم
الأبيض!
نشر في مجلة «المجتمع»
منذ مدة مقال عن تجارة الأطفال، أشار فيه كاتبه إلى تفشي هذه التجارة الآثمة في
كثير من بلاد العالم، لا سيما تلك البلاد التي تعاني من الفقر والبؤس أو الحروب
والفتن كتايلاند وسريلانكا ولبنان التي أصبحت مصدرًا «للأطفال- البضائع» الذين
يأخذون طريقهم غالبًا إلى أوروبا أو أمريكا بطرق ملتوية وتحت مسميات مشبوهة، وأن
عصابات وسماسرة يعملون بهذه التجارة التي تدر عليهم من المال الحرام الشيء الكثير؛
إذ يصل ثمن الطفل الرضيع الواحد أحيانًا إلى 20
ألف دولار أو أكثر من ذلك.
ولكن هذه
التجارة ليست وحدها المخزية والمهينة للكرامة البشرية التي لا يمكن وصف أطرافها
إلا بالدناءة والحقارة، فهنالك تجارة أخرى ليست أقل منها إذلالًا وامتهانًا لآدمية
الإنسان الذي كرَّمه الله على سائر المخلوقات وعلى الإطلاق؛ أي دون تحديد لون أو
جنس أو لسان أو دين؛ حيث يقول الله عز وجل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70).
التجارة الأخرى
التي تثير السخط هي تجارة الزوجات، ولولا يافطة الزواج الرسمي والعقود والعهود
لسميناها «تجارة الجنس»؛ ذلك أن الغاية في الزواج ضمن هذه التجارة هو المتعة
الجنسية بالنسبة للرجل المتزوج والريع المادي بالنسبة لعراب الزواج أو سمسار
الزوجات.
الأصل في الزواج
أنه علاقة سامية بين الرجل والمرأة، وأنه سكن ورحمة ومودة بينهما، والغاية منه
بناء كيان أسري يكتمل بإنجاب الأطفال؛ أي أنه في النهاية من أجل بقاء التنوع
الإنساني وبه يستقيم المجتمع البشري القائم على نظام الأسرة؛ هذا النظام الذي فشلت
كل المحاولات والفلسفات والنظريات في زعزعته أو تصديعه، ولكنه عند وكالات الزواج
وسماسرته غير ذلك.
في
الغرب تجارة ودعارة
الموجة الإباحية
التي عمت المجتمعات الغربية في العقود الثلاثة الأخيرة، سهلت على الرجال في تلك
المجتمعات الحصول على ما يرغبون من متعة جنسية دون عقود الزواج وقيوده وشروطه،
فشاعت المخاللة، وعاش الرجال والنساء حياة الزوجية تحت سقف واحد دون قيد أو شرط،
ورغم ذلك ورغم الاختلاط وتوفر إمكانيات اللقاء والاتصال نشأت شركات ومؤسسات معروفة
ومشهرة رسميًّا مهمتها ربط الصلات وإقامة الصداقات سواء بقصد المتعة المؤقتة أو
الزواج.
ونشطت هذه
المؤسسات والشركات التي تملأ إعلاناتها الصحف والمجلات الغربية وتجاوزت تجارتها
حدود البلد الواحد إلى العديد من البلدان، والعجيب في أمرها أن أصحابها يفخرون
بأنهم يقومون بعمل إنساني، وأن مؤسساتهم إنما هي مؤسسات إنسانية تعمل على انتشال
الوحيدين من عزلتهم.
والحقيقة أن هذه
الشركات والوكالات منها على سبيل المثال بباريس «كليو اللقاءات العصرية»
و«ريسيبروك» و«طريق السعادة» و«برولوغ»، تعمل على توفير الرقيق الأبيض لمن يدفع،
وتقدم عروض الزواج من الإناث والذكور، وتعمل على إتمام صفقات الزواج المربحة تلك
التي لا يتكافأ فيها الزوج مع الزوجة من حيث السن، ولكن عامل المال يدخل على خط
الحسابات ليزيل كل العقبات.
وهذه الشركات
والوكالات لا توفر الفرصة فقط، بل توفر الزوجة المطلوبة عبر قنوات مشبوهة نظير
عمولات كبيرة، إنها تعمل على استخراج الأوراق الشخصية وحتى تزويرها، وتنقل الفتيات
من بلد إلى بلد ومن قارة إلى قارة أحيانًا وتوفر الصغيرات لمن يدفع أكثر بعنوان
الزواج الذي حتى إذا تم فإنه لا يطول أكثر من شهور معدودة، وكم غرر بفتيات الفقراء
وأوليائهن في كثير من البلدان الآسيوية بالخصوص، وقدمت لهن الإغراءات ليقعن في
شباك هؤلاء السماسرة وينتهي بهن المطاف في النهاية إلى الدعارة.
وهذه الوكالات
تعمل على إرضاء الزبائن وتوفر لكل زبون البضاعة التي يريدها، وهي تسهل على البعض
الالتفاف على القوانين المعمول بها، من ذلك مثلًا أن قانون الجنسية في فرنسا يمكن
الأجنبي من الحصول على الجنسية الفرنسية بمجرد عقد قرانه على امرأة فرنسية، فتجد
هذه المؤسسات توفر العوانس والعجائز للشباب الأجانب في فرنسا ترغيبًا لهم في
الحصول على الجنسية الفرنسية، وهكذا يجد كل طرف مأربه في هذه الصفقة، وعادة لا
يدوم هذا الزواج الصفقة إلا بدوام الفائدة التي من أجلها عقد.
هذا هو الوجه
الظاهر لوكالات الصداقة والزواج، أما الوجه الخلفي فهو بلا شك تجارة الدعارة، حيث
ترتبط هذه الوكالات بعصابات وقوادة يوفرون لها الرقيق الأبيض من مختلف البلدان،
وفي السنوات الأخيرة تعالت أصوات كثيرة معبرة عن القلق ومحذرة من أخطار اكتساح هذه
التجارة القدرة للأطفال، والقاصرات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 10 و14 سنة بعد أن
لوحظ التصاعد الكبير في عدد العاهرات الصغيرات، إذ يشير أحد التقارير إلى أن 10
ملايين طفل وطفلة يعملون بالدعارة! وتقول مجلة «دير شبيغل» الألمانية: إن حجم هذه
التجارة بلغ حوالي 5 مليارات دولار عام 1986م.
في
بلاد العرب
الوضع في البلاد
العربية والإسلامية يختلف كثيرًا عما هو عليه في الدول الأخرى؛ إذ لا تزال العادات
والتقاليد والأعراف تؤدي دورها في كبح جماح الإباحيين والتصدي للإباحية بمختلف
أشكالها، غير أن ذلك لم يمنع من ظهور بؤر الفساد وسماسرة الرقيق الأبيض وأوكار
الدعارة، وها هي أخيرًا وكالات بيع الزوجات تظهر أخيراً، ولكن في السر أيضًا؛
لأنها تخالف القوانين والشرائع التي تخص الزواج.
فقد نشرت إحدى
المجلات المصرية مؤخرًا تحقيقًا عن قرية مصرية ليست الوحيدة، اشتهرت بتجارة
الزوجات؛ حيث يفد إليها أثرياء البترول وغيرهم من الأثرياء لا سيما أولئك الذي لم
يعد لهم ما يغري بالزواج بسبب عجزهم أو تشوهاتهم الخلقية أو بلوغهم خريف العمر
فيلوحون بطعم الدولارات والريالات والأملاك والعقارات لاصطياد الفريسة المرغوبة،
ويقوم سمار الزواج بدوره في الإغراء بين فقراء القرية، بل يفاصل أحيانًا معهم،
ويكرر العروض إلى أن تتم الصفقة، ويتراوح سعر الزوجة كما ذكرت المجلة بين 3000
جنيه وألف جنيه، ولكن هذا الثمن ليس ثابتًا لكل نوع من الجمال ولكل سن ثمن!
تقول المجلة:
«آخر صفقات بيع الزوجات تم اكتشافها أخيرًا في عزبة العزيزية، يقوم بها تاجر مواشٍ
نصب نفسه قاضيًا شرعيًّا (مأذون) يعقد قران فتيات العزبة المشهورات بالجمال على
السائحين العرب مقابل 23 ألف جنيه للزوجة ولمدة شهر واحد بمعاونة أربعة من أعوانه
الذين هجروا تجارة المواشي ليتاجروا في الأعراض».
وكيف لا يهجر
هؤلاء تجارة المواشي إلى تجارة تدر عليهم أرباحًا 100% ما داموا قد حبسوا ضمائرهم
في زنزانات مظلمة وأعمى بريق المال بصائرهم، فالسمسار منهم الذي يحصل لعروس صغيرة
على مهر قدره 5 آلاف جنيه يقبض هو 10 آلاف جنيه.
لا شك أن
الأوضاع الاقتصادية السيئة لبعض الأسر والتفكك الأسري في بعض الحالات والإغراءات
المادية هي التي سهلت تجارة الزوجات، ولكن الزواج العربي الذي لا يزال معمولًا به
في بعض البلاد العربية وبعض المناطق يعتبر ثغرة كبيرة ينفذ منها هؤلاء السماسرة
وزبائنهم من الكهول والعجائز الباحثين بأموالهم عن الشهوات.
تقول دراسة قامت
بها إدارة رعاية الأحداث بمصر: إن 90% من أسر القاصرات المتزوجات أجانب تعيش حياة
اقتصادية أدنى للكفاف، لكن حتى لو غضضنا الطرف عن عدم التكافؤ بين العروس الصغيرة
والعريس العجوز المتصابي، فإن المشكل يبقى قائمًا من حيث ضياع حقوق الزوجة المطلقة
أو المتخلى عنها، وكثيرًا ما يقع هذا التخلي بعد أسابيع أو أشهر قليلة من الزواج؛
لأن ذلك الزواج قائم أصلًا على المتعة وإشباع الشهوة لمدة معينة ومحدودة منذ
البداية، ولتبحث الزوجة بعد ذلك عن زوجها الذي عاد إلى بلاده واختفى كفص ملح ذوبه
الماء.
إن المعاناة من
«الزواج الصفقة» تتعدى الزوجة المطلقة أو المتخلى عنها إلى أطفالها إن قدر لها أن
تنجب أطفالًا؛ إذ ستضيع حقوق هؤلاء الأطفال، وستكون أول مشكلة تعترضهم إثبات
شخصيتهم وجنسيتهم، ناهيك عن المشكلات الاجتماعية الأخرى.
وتبقى هذه
القضية مطروحة بإلحاح لا سيما بعد أن اتسع نطاقها وكثرت ضحاياها من النساء
العربيات، لا سيما في المناطق الأكثر فقرًا، وفي مصر وحدها تعاني من تجارة الزوجات
أكثر من مائة ألف سيدة مصرية، وما زال الخرق في اتساع، وطلاب اللذة يرددون: «أي،
نعم إن أبغض الحلال عند الله الطلاق، ولكنه حلال على كل حال»، فهل من وقفة حازمة
في وجه هؤلاء؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل