العنوان الحضارة الغربية وعوامل البـناء من الداخل
الكاتب محمد إبراهيم المصري
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1988
مشاهدات 81
نشر في العدد 877
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 09-أغسطس-1988
يدفعنا إلى هذه الكتابة ما نقرأه بأقلام المخلصين والمتحمسين من كتاب المسلمين عن الحضارة الغربية والمجتمعات الغربية وعن تحليل انحلالها وانحدارها المادي والأخلاقي وما يتصل بهذا التحليل من الخروج بنتيجة أن نهاية هذه الحضارة «قريبة» أو «قريبة جدًا»، ولعله من المفيد أن نوضح بموضوعية ما هي العوامل التي تجدد الحياة لهذه الحضارة لتعرف بوضوح شديد ما هي «عوامل البناء من الداخل» والتي تؤثر في هذه الحضارة، لأني أظن أن معظم الكتاب الإسلاميين يركز على توضيح «عوامل الهدم من الداخل» وهيناحية مهمة لا شكّ في ذلك.
وإذا كنا نتعلم من دراسة عوامل الهدم من الداخل في المجتمع الغربي فإن دراسة عوامل البناء من الداخل لا تقل عنها في الأهمية وذلك إعدادًا واستعدادا لبناء المجتمع المسلم وبناء الحضارة الإسلامية الحديثة.
ولا شكَّ أن دراسة عوامل البناء بالإضافة لعوامل الهدم، وذلك بموضوعية وبدون تجسيم لكل منهما يعطينا فكرة صحيحة عن «العمر الافتراضي» لهذه الحضارة وذلك لا شك يخدم مسيرتنا الإسلامية الحديثة.
ذلك علاوة على أننا في عصر تنتشر فيه وسائل الاتصال البشري بسهولة ويسر، وهذا يؤدي إلى تفاعل بشري بين أبناء هذا العصر ويتم ذلك بشكل مكثف وسريع في نفس الوقت وهو أمر لم يكن موجودًا أبدًا في تاريخ البشرية الطويل، وهذا يؤدي إلى واجب هام يجب أن تستوعبه الحضارة الإسلامية الحديثة الولادة وهو ألا تستعجل موت الحضارة الغربية الحالية لأن هذا الاستعجال يؤدي إلى مضاعفات وصدمات من الممكن تحاشيها.
وقبل سرد بعض عوامل البناء من الداخل لهذه الحضارة الغربية تسطر ملاحظتين:
أولًا: هذا السرد لهذه العوامل ليس فقط يعتمد على آراء ومحللين غربيين بل يعتمد أيضًا على رؤية وتجربة مسلم عاش وعايش المجتمع الغربي عشرين عامًا.
ثانياً: المسلم هو الحق دائمًا والذي لا حق غیره وما عداه فهو الباطل، والباطل لا حجة له، وما نسرده هنا باختصار هو من باب الأخذ بالأسباب وهو أيضًا من باب الدراسة والتحليل الذي قد يؤدي إلى الحكمة، والحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها.
والآن مع سرد مختصر لبعض عوامل البناء من الداخل للحضارة الغربية:
1- احترام القانون وذلك على مستوى الفرد والمؤسسة والدولة، صحيح أن الأنباء تحمل من حين إلى حين أخبار فضائح على أعلى المستويات لكن الغالبية العظمى من الطبقة الاجتماعية «MIDDLE CLASS- UPPER» المتوسطة العليا والتي منها معظم الأطباء والمهندسين والسياسيين وأساتذة الجامعات والباحثين ورجال الأعمال تحترم القانون ابتداءً من قانون المرور مارًا بقانون الضرائب وانتهاء بقانون الجرائم.
واحترام القانون مبدأ تربوي يدرس في المدارس في مراحل مبكرة وأساس هذا الاحترام أن القانون وضع لتنظيم حياة الناس وعلاقاتهم وهو في نهاية المطاف وضع لخدمتهم، صحيح أن هناك قوانين كثيرة يعتبرها الفرد الغربي قوانين ظالمة لكن يذعن لها ويحاول أن يكون قوة ضغط لتفسيرها عن طريق الضغوط السياسية الشرعية. وأستطيع القول إن صفة احترام القانون في الفرد الغربي وخصوصًا المثقف منه تفسر ظاهرة التزام هذا الفرد بتعاليم الإسلام التزامًا جادًا إذًا أعتنق هذا الفرد الدين الإسلامي وهي ظاهرة واضحة لمن عمل بحقل الدعوة في مجتمعات الغرب.
٢- وضع الحياة العامة والخاصة للأشخاص الذين يتولون مناصب عليا وخصوصًا السياسة القيادية منها تحت مجهر المحاسبة الدائم.
وهذا المبدأ يطبق عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة وصحيح أن الصحافة الغربيةمنحازة لأشخاص ضد أشخاص لكن هذا الانحياز يبرر بأسباب موضوعية مثل السياسة التي يتبعهاهؤلاء الأشخاص أو خبرتهم أو عدمها... إلخ...ومجهر المحاسبة الدائم للأشخاص الذين يتولونمناصب عامة ينطلق من القاعدة أن هؤلاء اختاروابمطلق حريتهم أن يتولوا مناصب عامة «سواء بالتعيين أو بالترشيح والانتخاب» لها حساسيةخاصة ولها قوة القيادة والتغير وهم بذلك يؤثرون في مسار المجتمع ويتخذهم الكثيرون نموذجًا لهم.
لذلك فأي خطأ يرتكبه هؤلاء قد يغتفر إذا صدر من غيرهم لكن إذا صدر منهم فإنه يهدد المجتمع ولذلك ترى أن مجهر المحاسبة لهؤلاء الأشخاص يختفي تقريبًا إذا اعتزلوا الحياة العامة إلى الحياة الخاصة.
تغيير السياسات وتدريس علم الانتخاب:
3- تغير السياسات وخطط تنفيذ هذه السياسات وتصحيحها إذا اقتضى الأمر حين الإشارة الأولى
لفشل هذه الدراسة أو تلك الخطة، وذلك على جميع المستويات الحكومية الفيدرالية منها والإقليمية،
وعلى مستوى المؤسسات بجميع أعمالها.
وهذه النقطة تعني إنه ليس هناك ما يسمى بالسياسة المقدسة التي لا تحيد عنها المؤسسة أو الشركة أو الحكومة لكن هناك هدف معين هو مصلحة المجموع والسياسة يجب أن تتغير لتحقيق هذا الهدف، فمثلًا على مستوى الشركة أو المؤسسة الاقتصادية إذا كان تسويق سلعة معينة هو سياسة هذه الشركة ولفترة معينة قد أثبت فشله فيجب التغير والتغير السريع، كذلك بالنسبة للحكومة سواء الإقليمية أو الفيدرالية هناك سياسات في مجالات التعليم والاقتصاد والعلاقات الخارجية والدفاع... إلخ هذه السياسات توضع موضع التنفيذ وتقيم الفترة «ليست بالقصيرة وليست بالطويلة» وتعدل هذه السياسة أو تغير كليًا إذا ثبت فشلها وهذا يفسر أحيانًا القرارات الاقتصادية التي تتبعها بعض الدول الغربية والتي تفسر أحيانًا بأنها يسارية أويمينية.
4- الاهتمام الشديد بتدريس علم انتخاب الحكومة والتمثيل السياسي ووضع البرنامج السياسي والدفاع عنه وطرحه للمناقشة واحترامالرأي الآخر ومقارعة الحجة وكيفية الخروج من المناقشة بقرار يحظى بقبول الجميع -وهذا التدريس يطبق في المدارس الإعدادية والثانويةوممارس عمليًا تحت إشراف المدرسين.
ولعلي أزعم أن هذه التربية السياسية للنشء هي من أهم عوامل البناء الداخلي للحضارة الغربية ولعلي أزعم أيضًا أن عدم وجود هذه التربية السياسية في النشء المسلم من أهم عوامل التخلف وكم أتمنى أن يهتم المسؤولون في العالم الإسلامي بهذه الناحية المهمة.
تدريس الدين والمحافظة:
5- العودة إلى تدريس الدين المسيحي في المدارس الحكومية في كل مراحل التعليم والاهتمام بهذه الناحية التي أهملت في الماضي.
ولا شكّ أن هذا العامل الجديد يعدن حجج المسلمين الذين ينادون بفصل الدين عن الدولة في الدول الإسلامية والعبرة ليس بإعلان الدول الغربية إنها علمانية ولكن العبرة بممارسة الحكومات في هذه الدول خصوصًا في العشر سنوات الأخيرة.
6- محافظة الطبقة الاجتماعية المتوسطة العلياوالمحافظة هنا تعني:
-عدم ممارسة الجنس خارج العلاقة الزوجية.
-عدم تعاطي المخدرات وشرب المسكرات فقط في المناسبات أو عدم شربها بالمرة.
-عدم التدخين.
- عدم مشاهدة البرامج التلفزيونية وأفلام الفيديو والسينما الخليعة والتي لا تحتوي على مضمون ومنها أفلام العنف الشديد.
-عدم المقامرة أو الذهاب إلى النوادي الليلية وصالات الرقص إلا في المناسبات.
- لبس الملابس المحافظة وعدم الجري وراء الجديدالفاضح.
- الاهتمام بالعلاقات الأسرية.
- الذهاب إلى الكنيسة والاشتراك في نشاطهما والتطوع في أعمالهما.
ولا شك أن هذه الصورة عن المجتمع الغربي مقلوبة رأسًا على عقب في مجتمعاتنا والسبب في ذلك هو الأفلام التي تأتي لنا وتصور الشاذ والمنفعل والمثير والسبب الآخر أن البعض منا يذهب إلى هذه المجتمعات للبحث عما يؤكد هذه الصورة المسبقة عن المجتمع الغربي فلا يرى سواهاوينسى إنها جزء من صورة كبيرة.
المرأة وزمام المبادرة:
7- المرأة الأم في الطبقة الاجتماعية المتوسطة العليا تهتم بأسرتها اهتمامًا كبيرًا سواء عملت خارج المنزل دوام كامل أو بعض دوام أو لم تعمل، ومعظم الأمهات من هذه الطبقة يفضلن رعاية الأبناء في سنوات طفولتهم الأولى على العمل ولكن يعودون إلى العمل مرة أخرى بعد بلوغ أصغر الأولاد من ٧ - ١٠ سنوات.
وليس هناك شك أن العامل الاقتصادي له تأثير على تفضيل معظم الأمهات من هذه الطبقة رعاية الأبناء في سنواتهم الأولى على العمل إذ أن العمل ومتطلباته من مواصلات وملابس ومصاريف أخرى علاوة على مصاريف ورعاية الأطفال في كثير من الأحيان يساوي أو يفوق ما تحصل عليه الأم من عملها ولكن المحصلة الرئيسية هو رعاية الأمللأبناء في سنواتهم الأولى.
8- أخذ الفرد زمام المبادرة وعدم انتظار الحكومة في مجال خدمة المجتمع في كل أنواع هذه الخدمة. ولذلك تنتشر الجمعيات بكل أنواعها فهذه ضد التدخين وتلك الحرية المرأة وهذه ضد قتل الحيوانات... إلخ وطبعًا بعض أهداف هذه الجمعيات أهداف مضحكة وخيالية مثلًا التبشير بنهاية العام في سنة معينة ولكن هناك أهداف جادة ومفيدة كحماية المستهلك من الشركات العالمية أو نشر اللغات وبعض هذه الجمعيات له تأثير على صنع القرار وما يسمى «اللوبي».
الاهتمام بالعلم والعمل والتعاون:
9- الاهتمام بالعلم والعمل وكل ما يتصل بهما من وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وإتقان العمل وتحمل المسؤولية.
ولا شك أن للعامل الاقتصادي هنا تأثيرًا مباشرًا أكثر من العامل الأخلاقي، ولا تنكر هنا ما في طبيعة البشر من الانحياز لأفراد معينين بسبب المعرفة الشخصية ولكن لا يقف ذلك في الحالة العامة أمام الخبرة وإتقان العمل وتحمل المسؤولية.
۱۰ - تفاعل المؤسسات المختلفة «الحكومة والمدرسة والكنيسة والحزب السياسي والشركة التجارية والجمعية الخيرية»... وتعاونها لتحقيق مصلحة الجميع.
فمثلًا مشكلة انتشار المخدرات بين الشباب تتعاون هذه المؤسسات في أكثر من مشروع لتحقيق هدف بذاته وفي مدة زمنية معينة ويتكامل عدد من المشروعات والتي تصرف عليها جهات مختلفة مثل المشروعات الخاصة بحماية البيئة والعناية بالفقراء، وبعد، فلعل في هذا السرد الموجز لبعض عواملالبناء من الداخل للمجتمع الغربي بعض الفائدةيؤدي إلى نتيجتين الأولى عدم استعجال موتالحضارة الغربية الحالية والثانية الاستفادة من هذهالعوامل في بناء حضارتنا الإسلامية الحديثة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل