العنوان الحضارة الإسلامية .. اتجاهها ومهمتها (۱) .. صفات الأمة الإسلامية المتحضرة
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011
مشاهدات 49
نشر في العدد 1979
نشر في الصفحة 48
السبت 03-ديسمبر-2011
- لابد أن تكون يقظة المسلمين الحالية جادة ملتزمة بمنهج الله لاستئناف المسيرة الإنسانية الحضارية المباركة
- واجب عليهم الاقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ثم الجيل القرآني الفريد
- الإسلام المنهج الوحيد الهادي للإنسان يوائم فطرته ويستجيب لآماله ويرتفع بإنسانيته إلى مقام كريم
الاتِّباعُ الجاد بمعرفة حدود الله من الحلال والحرام، الدعوة إلى المعروف بالمعروف والنهي عن المنكر بغير المنكر.. كلها من صفات الأمة الإسلامية المتحضرة الخيرية، أمورها واضحة بينة؛ «الحَلالُ بَيْن والحَرامُ بين ..»(۱).
كُلَّ هذا وغيره، مما يَتوَقَع به كُلَّ أَحَد أَنَّ هذا المنهج الإلهي لابد أن يكون متميزاً عَمَّا عداه، ليكون أهله كذلك، إحساناً به يُنجز ما يَعْجَز عنه الآخرون في تشييد الحضارة الإنسانية الفاضلة.
لذلك يكون الأمر مثيراً للعجب والدهشة أن ترى المسلمين اليوم بهذا التخلف أمة منتهبة الحقوق منتهكة الحدود منهوكة القوى.. لذلك فإن هذه الكتابات هادفة رائدة منادية: أن لابد للمسلمين أن تكون يقظتهم الحالية جادة ملتزمة حازمة، لاستئناف المسيرة الإنسانية الحضارية المباركة بالعودة إلى منهج الله الكريم، فلا يُضيعوه فيضيعوا بتضييع حقائق هذا الدين يقفون عند شكليات ومنحنيات ومنحدرات تشغلهم عن الجد لأخذ منهج الله الكريم، لا يَهْدُرون ما بدأه أحرار هذه الأمة الذين هيأهم الله سبحانه وتعالى.
قدوة حسنة
واجب عليهم الاقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، الأسوة الحسنة الذي أدبه الله فأحسن تأديبه، ثم الجيل القرآني الفريد الذين وَصَفَهم الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) ﴾. [الفتح 28، 29]
ثم فهماً واتباعاً، وَصَفَهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه (٧٤هـ / ٦٩٣م)(٢): "مَنْ كان مُسْتَنا فليَستن بمَنْ قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة أبرَّها قلوباً وأعمقها علما، قوم اختارهم الله تعالى لصُحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه، فتشبَّهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا على الهُدَى المستقيم والله رَبِّ الكعبة (۳)، هم الذين قال فيهم الشاعر الحكيم:
منَ الوُجُوه المصابيح الذينَ هُمُ *** كأنهم من نجوم حَيّة صُنعُوا
أخلاقُهُمْ نُورُهُمْ مِنْ أي ناحية ***أقْبَلَتَ تَنْظُرُ في أخلاقهم سَطَعُوا
كل ذلك يجري لتحقيق الأهداف الكريمة، وإقامة الحياة الفاضلة ومعرفة كيفية نجاحها في حياتها إلى أبعد الحدود، كما حدث لذلك الجيل القرآني الفريد بها كانوا خير أمة عَرَفْتُها البشرية عمرها ؛ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
هذا مما يُمكن أن يتكرّر - بأي مقدار ومنظار - حين تتوافر النوعية نفسها من الأَتِّباع لسلوك ذات الطريق؛ «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء»(٤)، عندما يتوافر مثل هذا الجيل يتولى بناء المجتمع على منهجها ونهجها ونَسْجها، حيث تهيّأ الآن من وسائل العصر وتقنياته ما لم يتوافر لسلفنا الصالح.. الأمل بالله تعالى جد كبير، الأمر قادم، فالمستقبل لهذا الدين إن شاء الله تعالى، وهو على كل شيء قدير.
عقيدة وعبادة
الإسلام عقيدة وعبادة وخلق فريد متميز، تعبيرا عن منهجه مَنْ فِاته أَن يَرى ذلك في نصوصه فلا يَفُوتُه أبداً أن يراه واضحاً في أهله، الذين عليهم أن يحققوه – فرداً وجماعة ومجتمعا - في سلوكهم مع أنفسهم وأسرهم ومُجْتَمَعهم ومع غيرهم، مِنْ مُعايشهم وزائرهم ومعاملهم.
هكذا انتشر الإسلام في كل أحواله، فَتْحاً؛ إزالة الحكم والحكام الظلمة، بأنظمتها الفاسدة الباغية، صُلحاً لشعوب الأرض جميعاً، جاء الإسلام عاما للبشرية كافة لكل زمان ومكان، لتحريرها من جميع العبوديات لغير الله وتعبيدها لبارئها سبحانه وتعالى، قدموا إليه وإليهم وغَدَوْا مِثْلَهم تماما(5)، سواءٌ مَنْ خلال تعامل الفاتحين أو سفرائهم أو تجارهم، لذلك صَح قول الإمام ابن تيمية (۷۲۸هـ / ۱۳۲۸م)(6) : «إن المسلمين الأولين لم ينقلوا الإسلام إلى الأمم، ولكن نقلوا الأمم إلى الإسلام»(۷) باختيارهم بعد اقتناعهم وإعجابهم واعتناقهم، تم هذا خلال التاريخ الإسلامي كله، دون أدنى استثناء.
لكن ذلك يقتضي أن يكون في الأمة مَنْ يَرتقي لمثل هذا المستوى الرفيع البديع، وإلا يَغدو أمرُ الجهد والعمل باهتا زاهداً، نفخة في رماد، إلا أن الله تعالى لا بد أن يُوفَّرٍ مَنْ يَرْعَى دينه فيهيئ مَنْ ينصره، هو أعلم بذلك والقادر عليه في موعد يريده جل جلاله؛ ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38]، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) ﴾ [المائدة: 54]، لا يقوم بأمر دين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه، مقتربا من مستوى ذلك الرعيل الأول والجيل الكريم؛ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) ﴾ [الحشر: 9، 10]، قد يقوم به من هم خارج دائرته أو من أعدائه أو ممن حاربه، مثلما حدث للعثمانيين. ذلك ما حَدَثَ وَيَحْدُتُ دوماً بشروطه، كم من أناس حاربوا الإسلام لا يألو أَحَدُهم كأعدى أعدائه، ثم هداه الله فغدا من أبر أبنائه، كما أن الإسلام يسير بنفسه حين تتاح أقل فرصة وإمكانية لتقديمه للناس ويتمثله أهله ولو أفرادا ، كيف لو قام به مجتمع متكامل بأوضاعه وكيانه المنبثق عنه، وعاشت به أمة، ترى فيها حقيقته !
المنهج الوحيد
الإسلام هو المنهج الوحيد الهادي للإنسان يوائم فطرته ويستجيب لآماله تمتلئ به نفسه، يُنقذه من ضَلال ويصونه من انحراف ويرتفع بإنسانيته إلى مقام كريم، حيث تستريح نفسه، هكذا شَرِّعُ الله تعالى وتنزيله العزيز الكريم، وهو سبحانه العليمُ بخَلقه الحكيم في أمره الرحيم بالبشرية، شَرع مستجيب لنوازع تكوينها القائم على سعادتهم في الدارين؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، يكاد ينتشر بنفسه العصر الحديث شاهد، كيف أقبل عليه الناس ودخلوه من الأجيال ،أفواجاً ، واعتنقته أمم بأكملها ؟! لذا يخشاه أعداؤه على تنوع مصالحهم واتجاهاتهم وأهوائهم رغم امتلاكهم القُوَى المادية والوسائل التقنية، حتى الأزمة السياسية، متمثلة في دول كبرى إمبراطوريات تحوز التفوق المتنوع في الميادين متغالبة غالبة، بينما الإسلام من كل ذلك مجرد أعزل(۸).
أسلوب علمي
إننا اليوم بحاجة إلى العناية بالتمكين للأسلوب العلمي الرصين الأمين، في تقديم كل ألوان الدراسات الإسلامية الجادة، أسلوب عالي المواصفات الأكاديمية الموضوعية المتألقة، يَشَقّ دوما طريقه، بما يمتلك من قوة تناوله واستيفاء مؤهلاته وآفاق علميته، المتفوقة المكانة والمكنة البارعة في تناولها المضيء، التي تجعلها من العلمية المتكاملة الدقيقة المرموقة، الواجب الأخذ به في تناولها هذه الحضارة ودراستها، الأسلوبُ الَّذِي يَغُورُ إلى الجذور ويُحيط بكل العوامل والمداخل، ينظر إلى الحضارة بمعناها الإنساني الواسع، الذي اعتنى أولا ببناء الإنسان الفاضل العامل بمنهج الله تعالى، وإقامة مجتمعه عليه.
كان من ثماره الطبيعية - بسَبْقٍ واسع وإبداع رائع ونوعية متفردة - كل ألوان التقدم المادي والعلمي والإنساني نتيجة الارتقاء بالإنسان وقوة بنائه على قواعد هذا الدين الذي لا تقومُ حضارة كريمة إلا بمنهجه الإلهي، يكون إنسانه في كل ذلك؛ مراحلاً ومُعالجاً ومقوّما ومنتجاً مبدعاً ومستقلاً منفرداً ومتميزاً .. الإبداع - بمعناه الواسع المنيف- واحد من صفاته المتميّزة وخصائصه المتفردة في حياته البارة وحضارته الإنسانية المتنورة.
هذا الأسلوب المفتقد - الواعي الشامل العلمي المتكامل المجَرَّب الفاعل المتفاعل في تناول دراسة الحضارة الإسلامية - الأمثل علمياً وعملياً وإنسانياً وحضارياً بانياً، بدأ يأخذُ طريقه على تريث مُتَمَكِّتْ، إلى الجهود العلمية المكتوبة والمنطوقة والمرئية، بيانا واضحا وميزاناً قويماً وتثبيتاً راسخاً وجودةً، قوةً عريقة ونصاعةً باهرة سَبْقاً وبراعةً ماهرة.. لكنه ما زال بحاجة إلى مساع أخرى مجتهدة وصابرة لترجيح هذه المنهجية واستقرارها في ضمير الميدان العلمي، بما لها من قوة الواقع والأصالة الحقة والعلمية الراسخة والأدلة الواضحة والوجاهة الموضوعية المنظورة القائمة الراجحة .
الهوامش
(۱) الموسوعة البخاري رقم ٥٢ ، مسلم، رقم ١٥٩٩٤٠٩٤) ، أبو داود ، رقم ۳۳۲۹ و ۳۳۳۰، الترمذي رقم ۱۲۰5 ، النسائي، رقم ٤٤٥٨ ، ابن ماجه رقم ٣٩٨٤ ، كذلك مسند الإمام أحمد،4/٢٦٧، ٢٦٩ ، ثم سير أعلام النبلاء، ٣٧٣/٦، البداية والنهاية، ۱۱/ ۱۹۰، ۳۱۱.
(۲) انظروا عنه سير أعلام النبلاء، 3/203- ۲۳۹، البداية والنهاية، 9/133-136، الأعلام، 4/108.
(۳) حياة الصحابة، 1/46، جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ابن الأثير، 1/292 .
(٤) الموسوعة ، مسلم، رقم: 372(145).
(٥) انظروا مثلا : البداية والنهاية، 7/95، 96
(٦) الأعلام، 1/144.
(۷) التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة، ۱۸۱ .
(۸) انظروا الإسلام والغرب والمستقبل توينبي، ص۷۳، التبشير والاستعمار، مصطفى خالدي وعمر فروخ، ص ۱۳۱، ١٨٤، الغارة على العالم الإسلامي، مواقع كثيرة شاهدة.