; الحقائق الغائبة عن العلمانيين والتكفيريين | مجلة المجتمع

العنوان الحقائق الغائبة عن العلمانيين والتكفيريين

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

عندما انتصر نجم الدين أربكان وحزبه على الحصار الذي فرضته الأحزاب العلمانية على الإسلام والإسلاميين حتى لا يكون لهم أي نفوذ في حكم تركيا، وذلك خشية أن تعود إلى الإسلام، سارعت بعض التيارات الإسلامية بإصدار بيانات بكفر أربکان وحزبه ولم يدركوا أن حكم الإسلام في تكفير المسلم أو لعنه أن يرفع ذلك إلى الله، فإن كان كذلك قبل، وإلا عاد الكفر واللعنة على من أفتى بها. 

ولقد لزم هؤلاء الصمت عندما رفض قادة الجيش وزعماء الأحزاب العلمانية السماح ببناء مسجدين والسماح بعرض قانون على مجلس النواب يجيز للمسلمات لبس الحجاب في المدارس والمؤسسات، حيث يوجد قانون يُحَرّم عليهن التزام الزي الإسلامي. 

كما لزموا الصمت عندما قدّم مجلس الأمن القومي التركي لائحة إلى أربكان تتكون من عشرين بندًا كلها تدابير ضد الإسلام، منها تحويل المدارس الدينية إلى علمانية، وإغلاق معاهد تعليم القرآن، ومنع توظيف الضباط المفصولين بسبب أدائهم الشعائر الصلاة.

إن أربكان الذي كفّروه قد أعلن رفضه لهذه اللائحة مخالفًا بذلك القواعد المعمول بها من قبله خلال زهاء قرن من الزمان، وهو أن سياسة هذا المجلس والجيش دستور يجب أن تنفذه الحكومات.

ولست هنا بصدد التعقيب على موقف اللاعنين والمكفرين ولا أريد أن أسألهم ماذا يعمل المسلمون في تركيا للحصول على حقوقهم وللقيام بالواجب عليهم شرعًا وهم لا يملكون سوى الوسائل التي اتخذها حزب الرفاه.

نعرض حقيقة العلمانية بين الوطنية والتبعية، وذلك ليعلم القاصي والداني أن ما يجري في العالم العربي والإسلامي ليس إلا تبعية للاستعمار القديم والجديد. 

إن المجتمع الروماني والذي يسمى بالجنس الأبيض لم يكن له دين ولا فلسفة يلتزم بها، فكانت آلهتهم خليط من الخرافات اليونانية التي تعتقد أن الآلهة أشباح لا تتدخل في حياتنا الدستورية، بل يؤكد كرسون في كتابه «المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ص ٦٧»، الراهب «أغسطين» إن الروم الوثنيين كانوا يعبدون آلهتهم ويهزءون بهم.

وينقل قول إيغور الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد: «إن الآلهة لا يشغلون أنفسهم بأمور بني البشر وأن مسائل العالم الأرضي لا تعنيهم». 

وقوله: «إن الآلهة يعيشون بعيدًا عن الدنيا ولا يهتمون إلا بشؤونهم فلا تعنيهم أمورنا».

هذا التصور الروماني القديم للدين والألوهية، هو الذي تبنته العلمانية المعاصرة التي أعلنت فصل الدين عن الدنيا، ولكن هذا الإجراء أو هذه العلمانية الرومانية أو الأوروبية، كانت عملًا وطنيًا تطلعت إليه الشعوب الأوروبية وأيدته وثارت من أجله.

العلمانية المعاصرة تتبنى التصور الروماني القديم للدين وللألوهية.

ذلك أنه منذ دخول الأباطرة الرومان في المسيحية، وإعلانهم ما عرف بالمسيحية الرسمية والتي ظهرت من مجمع نيقية ٣٢٥م.

منذ ذلك الوقت والكنيسة تمارس الإرهاب باسم الدين الذي خَوّلها حق التحدث باسم الله وأن تنوب عنه، وأن تبيع الجنة للقادرين وتدخل النار عن طريق صكوك الحرمان التي كانت للفقراء والمتشككين في هذه العصمة البابوية.

وإذا كانت صكوك الغفران سلعة لا يملكها إلا الأغنياء، فإن صكوك الحرمان عقوبة للغني والفقير بل للحاكم والمحكوم.

إنه لا يمكن حصر من وقعت عليهم عقوبة الحرمان من أفراد الشعوب الأوروبية لكثرتهم. 

أما الملوك الذين عاقبتهم الكنيسة بالحرمان فمنهم فردريك وهنري الرابع «الألماني» وهنري الثالث «الإنجليزي»، وأما رجال الدين الذين لحقتهم صكوك الحرمان لأنهم رفضوا هذا التحريف والانحراف عن الدين فهم كثير من أريوس إلى مارتن لوثر، وفوق ذلك كان الحرمان الجماعي والذي عاقبت به الكنيسة الشعب البريطاني عقوبة للملك يوحنا لعدم طاعته المطلقة للبابا، الذي أعلن حرمان الملك وأمه وعطل الصلاة وعقود الزواج حتى أعلن الملك التوبة وطلب الغفران من البابا، ولما تأكد البابا من إذعان الملك وإذلاله عفا عنه وعن أمه وشعبه، «أنظر حرية الفكر للعالم المسيحي سلامه موسى ص ٥٦».

ويذكر وول ديورانت في كتابه «قصة الحضارة» ترجمة محمد بدران 14 / 406 نوعًا آخر من المظالم، فباسم الدين أباحت الكنيسة نظام الإقطاع، وهو أن يتملك الأغنياء الأرض بما عليها من الجماد والحيوان ومن عليها من البشر، فيتصرف في الإنسان كما يتصرف في الحيوان، والتعليل الديني لهذا يبرر القديس توما الإكويني بأنه بسبب خطيئة آدم واكله من الشجرة، ولهذا كانت الكنيسة من كبار الملاك الإقطاعيين.

وقد تناسى هذا القديس أن رجال الكنيسة من بني آدم وكذلك الأعضاء، فلماذا تحل لعنة الخطيئة بالفقراء فقط فيسترقهم الملوك.

لهذا ولغيره كانت الثورة ضد الكنيسة، وهي لم تكن ضد الدين بل ضد انحرافات رجال الدين.

يقول ويلز في كتابه «معالم تاريخ الإنسانية 3 / 989»  كانت ثورة الشعب على الكنيسة دينية، فلم يكن اعتراضهم على قوة الكنيسة، بل على مساوئها ونواحي الضعف فيها، ولم يكن التمرد على الكنيسة للفكاك من الرقابة الدينية، بل طلب رقابة دينية أتم وأوفى يتساوى فيها الجميع، فلم يكن الاعتراض على البابا لأنه الرأس الديني، بل لأنه لم يكن كذلك، بل كان أميرًا ثريًا دنيويًا، بينما كان يجب أن يكون هو قائدهم الروحي.

لهذا انتصر الشعب المسحوق على الجلادين، وكان انتصاره من خلال الدين المسيحي وباسمه فاستندت إلى قول السيد المسيح «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله» متّى 17 / 22 ومرقص 12 / 17 ولوقا 20 / 25.

بهذا عزلت الثورة الكنيسة عن التدخل في شؤون الناس الدنيوية ولم تعزل الدين، فجعلت اختيار الحكام ومحاسبتهم وعزلهم بمعرفة الشعب، فيما عرف بإسم نظرية السيادة أي السيادة للشعب، وأحلت حرية التدين، بدلًا من البابوية والكثلكة.

صادرت أموال الكنيسة وكل امتيازاتها لصالح الشعب المسحوق، ولم تكن أفكار روسو وفولتير ومنتسكيو وغيرهم هي التي حركت الجماهير، فالغالبية هم الفقراء والفلاحون الذين لا يستوعبون هذه الفلسفات وإنما حركتهم المظالم فهم لا يستطيعون فهم هذه الفلسفات، ولكنهم يكتوون بنيران مظالم الإقطاعيين سواء من رجال الدين أو الأمراء، وفي هذا قال توماس جفرسون: «إن القسيس في كل بلد وفي كل عصر من أعداء الحرية، وهو دائمًا حليف الحاكم المستبد يعينه على سياسته في نظير حمايته هو الآخر لسياسة القسيس». 

ولهذا صاح ميرابو وصاحت خلفه الجماهير «أشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس» المرجع أفكار ورجال «قصة الفكر الغربي - حرين برنتن ترجمة محمود محمود ١٩٦٥ ص ٥٠٢».

الاحتلال الأوروبي للعالم الإسلامي استخدم العلمانية لتحقيق أهدافه بإبعاد الإسلام عن الحياة.

جاء أتاتورك إلى الحكم بخديعة غربية وألغى الحج ومنع الأذان لكن تركيا تعود اليوم إلى الإسلام.

علمانية التبعية:

العلمانية التي تبنتها أوروبا كانت موجهة ضد انحرافات رجال الدين ولم توجه ضد الدين، لا في الماضي ولا في الحاضر.

لهذا لم يتعرض خصوم الكنيسة إلى المعابد والكنائس ولم يمنعوا الزي الديني ولا الرهبنة، والتي تنطوي على أن تعلن الكنيسة عن موت الشخص وهو ما يزال حيًا، وتتصرف في أمواله وأملاكه وهو ما يعرف بالموت المدني، ذلك أن الرهبنة لا تكون إلا برضا الشخص واختياره ولا تفرض عليه جبرًا عنه.

العلمانية ومبادؤها لم تمنع من قيام أحزاب على أساس ديني، فظهر أكثر من حزب في أكثر من بلد أوروبي يحمل اسم الحزب الديمقراطي المسيحي.

ولم يحدث أن منعت أي دولة أوروبية أي امرأة من ارتداء الزي المحتشم الذي تريده، سواء كانت مسيحية أو مسلمة. 

بل إنه عندما قامت بعض المدارس الفرنسية بمنع المسلمات من دخول المدرسة بالزي الإسلامي، أعلن الرئيس الفرنسي، أن هذا التصرف يتنافى مع مبادئ العلمانية التي تضمن الحرية للجميع، وأصدرت المحكمة الدستورية في فرنسا حكمها ببطلان قرار فصل الطالبات لمخالفته للدستور العلماني، من أجل ذلك كانت العلمانية في أوروبا أبعد ما تكون عن محاربة الدين والمتدينين.

أما في العالم الإسلامي، فالعلمانية فيه قد عبث بها الاستعمار الأوروبي وامتطاها لتكون حارسًا لمصالحة التي من أولوياتها أن تحكم البلاد الإسلامية بأيدي مسلمة وعقول أوروبية، وفي هذا قال كرومر في كتابه بريطانيا العظمى في مصر، نرى أن تحكم مصر بأيدٍ مصرية وعقول بريطانية. 

وكان شائيل أكثر صراحة فيما أورده في كتاب «الغارة على العالم الإسلامي» أن تقطع الشجرة المسلمة بيد مسلمة.

وعلى هذا يمكن أن نستخلص المقصود من قيام كمال أتاتورك في تركيا بإلغاء الحج وهو ركن من أركان الإسلام، وإلغاء الأذان وهو إعلان عن الصلاة التي هي عماد الدين، ثم إغلاق أكثر المساجد، وإصدار قانون يُحَرّم على المسلمات دخول المدارس والجامعات بالزي الإسلامي ويجعل من شروط التوظف في الجهات الحكومية التبرج والسفور أي خلع الزي الإسلامي، لقد أورد الدكتور مصطفى حلمي في كتابه «نظام الخلافة» تقرير لورانس في يناير كانون الثاني ١٩١٦م المتضمن شروط بريطانيا من القادة العلمانيين الأتراك وهي:

1- إلغاء الخلافة الإسلامية وهذا ما نفذه أتاتورك ١٩٢٤م.

2- أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام.

3- إلغاء الدستور الإسلامي ووضع دستور علماني يضمن هذه الشروط.

لقد شهدت المنطقة العربية والإسلامية بعض الانقلابات العسكرية لتقوم بدور البطل تمهيدًا لتمرير سياسات لا تقبلها الشعوب، فكان انقلاب كمال أتاتورك في تركيا، وانقلاب سوكارنو في إندونيسيا، وانقلاب عبد الكريم قاسم ثم صدام حسين في العراق، فضلًا عن انقلابات أخرى لسنا بصدد التعرض لها في هذه السطور ولا مجال هنا لتتبع عوراتهم وحقيقة شعاراتهم، إنما أشير فقط إلى أن المصادر التاريخية أفصحت عن هذه الخطة لكتاب «العالم العربي اليوم»، لمورو بيرجر وكذا كتاب «مراحل النمو الاقتصادي»، لوالتوروس يقدمان نموذجًا للعالم الثالث وهو حكام العسكر أو النخبة لفرض ما لم تستطع الأنظمة الملكية فرضه على الشعوب، وليس غريبًا أن يعطي كمال أتاتورك دور البطل وتنسحب أمامه بريطانيا ليستطيع إسقاط الخلافة الإسلامية، والتمهيد لتنفيذ وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفي ظل البطولة الخادعة هلل له العرب وكثيرًا ما يخدعون، فكانت قصيدة الشاعر أحمد شوقي وفيها يا خالد الترك وجدد خالد العرب، ثم كان تأييد بعض العلماء منهم وكيل الأزهر الشيخ محمد شاكر في بيان يوم 25 / 12 / 1924 م وسرعان ما انكشفت الحقائق التي حذر منها ونبّه إليها شيخ الإسلام في تركيا الشيخ مصطفى صبري بالقرارات التي أشرت إليها.

ولسنا ندري ولا المنجّم يدري هل صدق الكماليون أنهم يستطيعون خديعة المسلمين كلهم وإلى أبد الآبدين؟

لقد زعموا أنهم يدافعون عن الإسلام ضد الذين يتاجرون به في عالم السياسة ولهذا سموا جيشهم بجيش محمد، ثم أعلنوا الجهاد المقدس كما فعل صدام في نكسته الكبرى التي سماها زورا أم المعارك، وكما صدقه بعض العرب ثم أفاقوا فقد ندم أحمد شوقي وكذا وكيل الأزهر على تصديقهما أنه باسم الإسلام والجهاد المقدس يمنع تشييد المساجد ويحلون ما حرمه الله و يحرمون على المسلمات ما أوجبه الله من الحشمة في الملبس بل يفصلون كل من ترتدي الزي الإسلامي من الجامعات أو المؤسسات.

وباسم الدفاع عن الإسلام ضد المتاجرين به يقلدهم بعض العرب فيكتب أحدهم بعنوان «أساطير المعاصرين» معتبرًا أن الكلام عن تطبيق الشريعة هو من هذه الأساطير، ويكتب غيره أن فوارق الميراث بين الابن والبنت من أسباب تخلف المسلمين وهي سلعة المتاجرين بالدين.

ويطعن ثالث في بعض الحكومات لا لمظلمة ارتكبتها وإنما لعدم أخذها بالمساواة الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالميراث والطلاق، وهؤلاء جميعًا بما فيهم كبيرهم الذي علمهم هذه الخديعة يعلمون أن القرآن الكريم وليس المتاجرين بالدين هو الذي حدد المواريث وجعل الطلاق بيد الرجل، فإذا كانوا لا يجهلون ذلك فإن منهم من يجهل قواعد الإسناد في القانون الدولي والتي تحيل في تطبيق القرارات الدولية على القانون الداخلي لكل دولة، ولقد نصت المادة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل دولة، ونصت المادة ٢٢ على أن يراعى في التشريعات للدول الأطراف في الميثاق المساواة في الحقوق والواجبات بين الزوجين.

و كل عالم مسلم من التبعية يعلم أن الإسلام ما جعل البنت نصف الابن في الميراث، إلا لأنه أعفى البنت من جميع الأعباء المالية سواء في بناء الأسرة وتأثيث المسكن أو في نفقات الزوجية والأولاد ويتحمل الرجل ذلك كله فضلًا عن أن المرأة تتساوى مع الرجل في حالات أخرى من الميراث مثل ميراث الإخوة وميراث الأبوين عند عدم وجود أولاد وهذه هي المساواة الحقيقية فالعقلاء يعلمون أنه لا مساواة عند اختلاف الأعباء.

أما الطلاق فهو بيد الرجل والخلع حق للمرأة كما أن من حقها التطليق للضرر، ومهما تكن المفاهيم لدى غير المسلمين، فالمسلم لا يمكن أن يجعل من نفسه حكمًا على الله الخالق والعليم بما يصلح خلقه.

 

([1])ترجمة عمر ديوب.

([2])كاتب ومفكر إسلامي، ومستشار بالهيئة العامة لشؤون القُصّر.

الرابط المختصر :