; الحقائق والأوهام في حادث السفارة الإسرائيلية | مجلة المجتمع

العنوان الحقائق والأوهام في حادث السفارة الإسرائيلية

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1969

نشر في الصفحة 30

السبت 17-سبتمبر-2011

  • على الحكومة والمجلس أن يركزا على التعامل مع إسرائيل بنبض الشارع وكرامة مصر وليس بحسابات تؤدي إلى إهدار هذه الكرامة.
  • الشعب الذي خرج ضد مبارك ودولته يستحق أسلوبا جديدا يحترم عقليته واحتياجاته.
  • ضعف الحكومة تجاه «إسرائيل» هو المسؤول عن انتهاك حرمة السفارة وحصانتها.

لا خلاف على أن إنزال علم من على سفارة أجنبية يعتبر مخالفًا للقانون الدولي والداخلي في أي دولة حتى لو كانت هذه الدولة إسرائيل، ولكن الغريب في الأمر أن الحكومة المصرية تحاول أن تشغل الناس بفروع وتفاصيل من صنعها حتى تغطي عجزها عن معالجة الموقف الأصلي، وهو اعتداء «إسرائيل» على سيناء بشكل منظم ومتعمد، وقتل عدد من المصريين الجنود والضباط..

لقد انتظر الشعب المصري أن تتخذ حكومته موقفًا صلبًا لفضح انتهاك إسرائيل لمعاهدة السلام بشكل متكرر، ولكي تظهر الحكومة أن التواطؤ على دم المصريين وعلى سيادة مصر جزء من الماضي، وأن الشعب المصري فوض حكومته في أن ترفع رأسه أمام الجميع، ولكن الحكومة اتخذت موقفا مذلا: لأنها لا تعبر عن الشعب المصري، وتسترت بالعقل والرزانة لكي تخفي ضعفها وفزعها من إسرائيل تحت ستار الموقف المسؤول والحكيم، فأدرك الشعب المصري أنه لا أمل في أن ترد له هذه الحكومة كرامته، وحيث إنه لا يملك سوى الحق في التظاهر بينما تملك الحكومة الحق في التصرف، كما كان يفعل النظام السابق.. فقد تظاهر الشعب أمام الرمز الوحيد الذي يراه بمصر متعلقا بإسرائيل وهو «سفارة إسرائيل، ومقر السفير، ولكن كان واضحًا أنه لو تظاهرت الدنيا كلها فإنها لن تخرج الحكومة الضعيفة عن عجزها وخوارها وأمام هذا الإحباط وعجز الجماهير عن التصرف مع حكومتها ودفعها إلى الشعور بالكرامة فكر أحد الشباب المتظاهر أن يتسلق أحد الأدوار في مبنى السفارة، وأن يُنزل العلم الإسرائيلي لعل ذلك يشفي غليل الشعب الثائر. 

تعويض العجز

وجدت الحكومة نفسها أمام أمرين إزاء هذه الحادثة فهي من ناحية لديها عجز جيني لحماية كرامة المصريين، ومن ناحية أخرى تشعر بالإحباط من عجزها، فقررت أن تركب الموجة، وأن تعلن للرأي العام أنها تعوّض عجزها عن الفعل تجاه «إسرائيل» بالاحتفال مع الشعب بهذا النصر الوطني المبين، فالتقى محافظ الشرقية مع الشاب صاحب العلم - فيما سمي بموقعة العلم. وبدأ عهده في المحافظة بالاحتفال بأن الشرقية هي صاحبة البطولات العسكرية والرمزية ضد إسرائيل، وقدم للشاب العاطل وظيفة وشقة ثم استقبله رئيس الوزراء وشد على يديه وهنأ الثورة بهذا الإنجاز البطولي، داعيا الله في أعماقه أن يتلهى الشعب بهذا الإنجاز عوضًا عن المطالبة بالحزم مع إسرائيل، ولعل هذا الموقف كان رسالة بالغة الوضوح للشباب المصري بأن مهاجمة السفارة الإسرائيلية مباح بل ومرغوب فيه ويحقق هدفين: الأول: أنه قربى لهذا الوطن وعوض عن تجبرها على مصر، والثاني: أنه عمل مربح ينال به صاحبه إعجاب الناس ورضا الحكومة وربما شقة أو عروسة!!

هكذا اندفع الشباب في نهاية يوم جمعة تصحيح المسار إلى السفارة الإسرائيلية ولم يجدوا قوات الأمن بحجة أنها لا تريد مواجهة المتظاهرين، ثم عاد الشباب للمرة الثانية به العلم الإسرائيلي، وزادوا على ذلك وربما بتخطيط إسرائيلي، أيضا بعدد من الأوراق التي تركت في طريقهم لكي يكتمل المشهد: اقتحام لسفارة أجنبية، واستيلاء على وثائقها والتباهي بهذا العمل، فترتب على هذا المشهد أن مصر وثورتها لحق بهما ضرران: الأول: هو تصوير الثورة على أنها انتهت وتحولت إلى سلوك بربري أو في أضعف الحالات تبرئة الثورة مثمن اقتحموا السفارة وتصويرهم على أنهم ليسوا من الثوار شكلًا ومضمونًا، وزادوا على ذلك أنهم عناصر إجرامية واجهت الشرطة وخططت للاعتداء على مديرية الأمن بعد أن أتمت مهمة مهاجمة السفارة. 

فطالب «أوباما» الحكومة في مصر بأن تحترم التزاماتها بحماية السفارة بعد أن استجار به «نتنياهو»، وإذا كانت الحكومة قد كرّمت المهاجمين في المرة الأولى وسكتت عنهم في المرة الثانية، فما سر الانقضاض عليهم وتصوير الموقف كما لو أن هناك خطرًا جديدا يحيط بكرامة الدولة؟!

استخفاف بالعقول

على الحكومة والمجلس العسكري أن يركزا على التعامل مع «إسرائيل» بنبض الشارع وكرامة مصر، وليس بحسابات ثنائية تؤدي إلى إهدار هذه الكرامة لأن التراخي في الدفاع عن كرامة مصر من جانب الحكومة يُسقط هيبتها عند الناس، ولا يجدي معهم أي إجراءات قمعية، وجديرًا بالمجلس الأعلى أن يطبق قانون إعدام البلطجية وتعرفهم الداخلية كما تعرف أبناءها، فلا داعي التغطية العجز عن تحقيق المصداقية بتكميم أفواه الناس وإعلان إجراءات يعرفون جيدا أنها استخفاف بعقول الناس، فالشعب الذي خرج ضد «مبارك» و«دولة مبارك، يستحق أسلوبًا جديدًا يحترم عقليته واحتياجاته. 

الخلاصة، إذا كان للسفارة حصانة ولعلمها حرمة، فإن ضعف الحكومة تجاه «إسرائيل» هو المسؤول عن انتهاك هذه الحرمة وهذه الحصانة، فلا يجوز صرف الناس إلى أحداث السفارة وإغفال السبب ودور الحكومة فيها، ولذلك نطالب بالإفراج الفوري عن المعتقلين في أحداث السفارة، وأما هيبة الدولة فيجب أن تبنى على أساس مصداقية الحكومة وحفظها لكرامة الوطن والمواطنين والتمييز القاطع بين المشروع وغير المشروع، على أن تبقى مؤسسات الدولة جميعا من المقدسات التي لا يجوز الاعتداء عليها، وأن يكون القانون بتارا بالنسبة للجميع.

الرابط المختصر :