العنوان الحكومات المستبدة شر من الوحوش المفترسة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
مشاهدات 51
نشر في العدد 748
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
تروي كتب التاريخ أن الحكيم الصيني كونفوشيوس كان سائرًا ذات يوم في نفر من تلاميذه عند سفح جبل تاي، فشاهد عن بعد امرأة تنوح على قبر، فحث السير إليها، وعندما أقبل عليها بعث بتلميذه «ترى لو» يسألها ما مصيبتها، فدنا منها وقال: إنك تنوحين نواح من نكب مرة بعد أخرى.
فقالت: والصواب ما قلت إن وحشًا افترس أبي هنا، ونزلت المصيبة نفسها بزوجي وها هو ذا أبني يسقى الردى من كأس واحدة.
فقال الحكيم: ولماذا لا تبرحين هذا المكان وتلجئين إلى آخر.
فقالت: لأنه لا توجد حكومة مستبدة هنا.
فقال الحكيم: تذكروا يا أبنائي هذا واحفظوه أن الحكومات المستبدة شر من
الوحوش المفترسة.
وإذا كان كونفوشيوس قد وصف الاستبداد القديم بالوحوش المفترسة فبماذا نصف الاستبداد الحديث الذي يفوق الاستبداد القديم من حيث وطأته على الشعوب المقهورة بعد أن تنوعت أساليبه وتعددت أشكاله لدرجة أنه باتت له مدارس وأيدلوجيات يحكم من ورائها المستبدون فمن أشكال الاستبداد في عصرنا الحاضر..
الاستبداد السياسي الحاكم فيه هو صاحب القرار بيده كل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وهو الخصم والحكم في وقت واحد وما الرعية بالنسبة إليه إلا أداة من أدوات الحكم يتصرف بها كيفما يشاء فعليها أن تفرح إذا فرح وتبكي إذا بكى وتنام إذا نام فلا شورى ولا محاكم عادلة ولا مجالس منتخبة وإذا ما جرت انتخابات فالنتائج معروفة مسبقًا لأنها من وضع ذلك الحاكم.
وقد يكون الاستبداد أمنيًا كأن تفتح المعتقلات والسجون لكل من يعارض الحاكم بالرأي وتطارد المعارضة وهي خارج حدود البلاد وتدبر لها حوادث التفجير والاغتيالات وتمارس ضدها كافة وسائل الضغط وتستباح أعراضها وأموالها وعائلاتها بل لقد وصل الأمر بأحد المستبدين المعاصرين في عالمنا العربي إلى التهديد بقتل أقارب المعارضة حتى الدرجة الرابعة إن لم يستسلموا ويذعنوا للحاكم!
وهناك الاستبداد الاقتصادي كأن يستولي الحاكم على ثروات البلاد ويقسمها على ذويه وأقاربه والمقربين إليه ويلقي بالفضلات للشعب أو أن يقيم الحاكم شركات يسيطر بواسطتها على اقتصاديات البلد ويسمح من خلالها للانتهازيين والوصوليين والنفعيين بالإثراء على حساب الشعب.
ومن أشكال الاستبداد المعاصر أيضًا الاستبداد الأخلاقي، حيث تعرض الإباحية والرذيلة من خلال وسائل الإعلام، وكل مرافق الدولة ومؤسساتها وتجبر بعض هذه الدول المستبدة طالبات المدارس والجامعات على نزع الحجاب والمشاركة في بعض المعسكرات واللجان الثورية بشكل يندى له الجبين.
فهل بعد كل هذا شك فيما قاله كونفوشيوس؟!