; تعطل المصالح في أجواء المواجهة والتنازع.. الحكومات والحركات الإسلامية في مرحلة ما بعد القطيعة | مجلة المجتمع

العنوان تعطل المصالح في أجواء المواجهة والتنازع.. الحكومات والحركات الإسلامية في مرحلة ما بعد القطيعة

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009

مشاهدات 67

نشر في العدد 1859

نشر في الصفحة 44

السبت 04-يوليو-2009

  • توتر الوضع السياسي والأمني من أكبر معوقات التنمية والاستقرار في أي بلد
  • تذويب الخلافات يحتاج إلى قدرة عالية في القفز على مناوشات الحرب الباردة بين أطراف المجتمع الواحد

ظلت العلاقة المأزومة بين الكثير من الحكومات العربية والحركات الإسلامية عقودًا طويلة من الزمن تعاني من التوتر والاتهام المتبادل والقطيعة شبه التامة، ولا تخلو أيامها من ويلات الاغتيالات والثورات في مقابل سجون الحكومة التي مُلئت بالمعتقلين بسبب انتمائهم للمعارضة الإسلامية.

وخيمت هذه الحالة من القطيعة على صورة العلاقة بين الطرفين المتضادين، دون أن تحمل المتغيرات العالمية أي بوادر انفراج يمكن أن تعيد حالة السلم السياسي والاجتماعي إلى الطرفين، وأمام هذه الإشكالية بإفرازاتها السلبية على الأمن والتنمية، يمكن القول: إن المراجعة وتقويم الفترة الماضية لم ينل حظه من الاهتمام والجدية، ما يجعل المصلحة الوطنية ومستقبل الأجيال الواعدة نصب أعين المؤثرين من الطرفين، ولعل هناك بريق أمل في جيل بدأ يتسيد على مجريات الأمور الراهنة، ولا يستحضر صراعات لم يشهدها تاريخه في تحويل هذه القطيعة إلى تنوعات مدنية وتبادل أدوار عملية تحقق التعاون في المشترك العام من المصالح والمكاسب الوطنية.

والمرحلة القادمة لا تقبل الانتظار الطويل في تذويب الخلافات، وتحتاج إلى قدرة عالية في القفز على مناوشات الحرب الباردة بين أطراف المجتمع الواحد؛ وهذا يتطلب وعيًا بأولويات المواجهة، وصدقًا في التعامل مع المصالح الوطنية، وصبرًا على مناكفات ونزق صناع العداوات ومرتزقة الفتن الأهلية.

ومن المقرر لدى الجميع أن توتر الوضع السياسي والأمني في أي بلد يعد من أكبر معوقات التنمية والاستقرار، ولا يمكن تحقيق مصالح خاصة أو عامة في أجواء المواجهة والتنازع، وحتى تهميش فصيل صغير من المعارضة، فإنما هو أشبه بتجاهل الألم في طرف البدن والذي مهما صغر فإنه مصدر تنغيص لكل أجزاء البدن المختلفة، كما أن الاهتمام والتفاعل مع كل معارضة تهدف لإلغاء الآخر دون مراعاة تنوعات ومشاريع أخرى قد يؤدي إلى الانشغال التام عن مصالح الوطن العليا، والالتفات إلى صراخ المطالب الشخصية والحزبية مما يعيق قافلة النهضة عن المسير، ولكن من المهم أيضا أن يكون الاعتبار الحقيقي هو للفصائل ذات التمثيل الحقيقي للشعب، وأصحاب المعالجات السلمية للإصلاح والذين يملكون برنامجًا تنمويًّا حقيقيًّا يتلمسه الشعب ويؤمن بجدواه الجميع.

وتهميش هذا الطرف المهم من معادلة الإصلاح الوطني قد تكرر في تجارب طويلة ومتعددة داخل كثير من البلاد الإسلامية كحزب «الرفاه» السابق في تركيا، وجماعة الإخوان في مصر، و«النهضة» في تونس و«الجماعة الإسلامية في باكستان»، و«جبهة الإنقاذ» في الجزائر.. إلى غيرها من الحركات الإسلامية الأخرى، ولم يحقق هذا التهميش والإبعاد سوى تحزيب المجتمع وتكريس الدولة جهدها ومالها في تحطيم المقابل دون أي مكاسب حقيقية؛ بل على العكس أحيانًا قد تكون نتائج الاستطلاعات أو الانتخابات مؤكدة أن الطرف المنتصر هو من كانت الحكومة تظنه قد تلاشى من التأثير داخل المجتمع؛ فالانفتاح العالمي وغلبة اقتصاديات المال والأعمال أعاد من جديد رسم خرائط الأعداء والأصدقاء وأصبحت الدول ذات الأحلاف الاقتصادية هي من أقوى الدول تعاونًا وتلاحمًا من الدول ذات التوجهات السياسية الواحدة لذلك خرج هذا الإطار التنموي كأقوى إطار يمكن أن تلتقي عليه أهداف الفرقاء في الوطن الواحد.

ونموذج «الاتحاد الأوربي»، و«آسيان» و«أيباك» ما زال حاضر النجاح في مقابل تواضع الإنجاز المطلوب من الاتحاد المغاربي ومجلس التعاون الخليجي، والجامعة العربية.. وغيرها، كما أن نجاح التجربة الهندية والصينية - رغم كثرة التنوعات والديانات واللغات - في دمج الجميع نحو هذه الغاية محفز قوي آخر؛ لإعادة النظر في القواسم المشتركة بين أجنحة المجتمع الواحد.

ازدواجية الخطاب

أما الإشكالية الأخرى فتكمن في تعاطي بعض الإسلاميين للعمل السياسي من خلال مظاهر عدة كازدواجية الخطاب الجماهيري التعبوي مع الخطاب السياسي المصلحي، والمثالية المفرطة في غايات الدولة الإسلامية مقابل تناسي الواقع الراهن والأنظمة الأممية والأحلاف الدولية وسيادة القطب الأوحد في العالم، كما تظهر إفرازات هذه الإشكالية في التداخل الديني والعقدي أثناء الموالاة أو المعادة؛ ففي حين تخرج فتوى التكفير للاشتراكية والعلمانية تظهر تحالفات قوية معهم أثناء الانتخابات أو داخل البرلمانات دون تأصيل شرعي وفقه واقعي يوضح هذا التغاير في المواقف والقرارات، كما أن الخيار العسكري لدى بعض الحركات الجهادية أظهر فشله في عدة جوانب من خياره الكارثي في المواجهة المسلحة، كفشله في تقدير قوة الحكومات التي مهما ضعفت فهي أقوى من أي تيار جهادي مهما بلغ من القوة والتنظيم، كما فشلوا أيضا في بلورة الغاية والهدف من المواجهة مع الحكومات وخلطوا بين الجهاد وكونه وسيلة، أم غاية، بالإضافة إلى عدم وجود مشروع أو برنامج حقيقي للإصلاح والتنمية، والناظر في الحركات الجهادية الراهنة كالقاعدة على سبيل المثال يرى بوضوح النزعة الشديدة نحو التطرف الفكري والغلو الديني الذي يستحيل من حيث السنن والنواميس أن تنتصر بالعدل وأن تحكم بالوسطية، وأن تلقى القبول من أطياف المجتمع؛ فالعدل والوسط والقبول هي شروط النجاة والنصر في أي مشروع يهدف لبناء الحياة والمجتمع.

مراجعة وتقويم

فهذه الإشكاليات وغيرها قد تظهر في الممارسة وقد تكون في أساس التنظير والبناء الفكري لدى قطاعات واسعة من الإسلاميين، وهي تحتاج إلى مراجعة وتقويم في عدة مناحٍ منها: تقويم التراث الإسلامي السياسي، وعدم إسقاطه بالنص على واقع مختلف كليا عنه، وفي تجربة شيخ الإسلام ابن تيمية قبل ثمانية قرون في نقد شروط الإمامة، وواجبات الولاية خطوة من الريادة والإبداع يجب أن تستمر، وتستحضر خلالها ثوابت السياسة الشرعية، لا متغيراتها التي أملتها الظروف الزمانية والمكانية والحالية في وقت مضى، كما أن تقسيم المجتمع إلى فئات متباينة في الدين والانتماء، والنظر إلى المخالفين سياسيًّا كأنهم خارج إطار الدين والعقيدة.. كلها مفاهيم تحتاج إلى تمييز وتقويم وورع وإخلاص، والخطوة الأهم في مرحلة المراجعة والتقويم هي واجب المرجعيات الفقهية أفرادًا ومؤسسات في تطوير مفاهيم المناصحة لولاة الأمر، والإنكار السلمي لأخطاء الدولة دون الاستسلام والانكفاء خوفًا من وهم الخروج والثورة، أو التمادي والمعاندة التي قد تقود إلى مفاسد الثورة والاقتتال الداخلي، والتجارب العالمية من حولنا فيها من المفيد النافع لواقعنا والمتفق مع شريعتنا الغراء ما ينبغي أن نستفيد منه في الحراك السياسي الإيجابي لمجتمعاتنا مثل المشاركات البرلمانية والديمقراطيات الشورية، ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها من تطبيقات إيجابية، كانت مستندًا شرعيًّا لدولة الخلافة الأولى عندما أقامت الدواوين واختطت المدن، ووزعت الغنائم والفرص على الجنود والمرابطين وبيوت مال المسلمين.

إن مرحلة (ما بعد القطيعة) التي يمر بها العالم اليوم هي نقلة نوعية في التاريخ الإنساني، قد تختصر العمر الحضاري في لحظات، وتعجل بالنهضة التي توقفت منذ أمد بعيد، ويكفي أنها أخرجت العديد من الرؤوس المدفونة في وحل الخصومات والتحزبات إلى مد النظر في الأفق البعيد الذي يحمل الأمل للشعوب من جديد.

الرابط المختصر :