العنوان الحكومة الحريرية ... قفزات أمنية.. في الهواء!
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1993
مشاهدات 59
نشر في العدد 1034
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 19-يناير-1993
جهود حكومة الحريري الأمنية: قفزات نوعية أم استعراض شكلي؟
الحكومة
اللبنانية برئاسة السيد رفيق الحريري تحاول جاهدة تحسين صورة لبنان أمام العالم
وكسب ثقة اللبنانيين بخطواتها السريعة وقفزاتها النوعية، وبخاصة في مجال الأمن.
حملة المداهمات: ضجة إعلامية ونتائج هزيلة
وجديد الحكومة
على هذا الصعيد كان حملة المداهمات التي نفذها الجيش اللبناني بالتعاون مع القوات
السورية في مناطق البقاع والشوف، والتي جاءت نتائجها هزيلة إذا ما قورنت بالضجة
الإعلامية التي أثيرت حولها؛ فقد جندت الحكومة أكثر من 2000 جندي مدعومين
بالدبابات وناقلات الجند المدرعة وداهمت أماكن تواجد مروجي المخدرات وسارقي
السيارات، واعتقلت عددًا من المطلوبين، لكن تسريب خبر الحملة مكن ذوي الرؤوس
الكبيرة من رجال العصابات من الفرار إلى أماكن أكثر أمنًا مما جعلهم بعيدين عن
مرمى شباك العدالة.
وأهم ما وُجِّه
من نقد محلي للعملية برمتها كان اعتقال عدد كبير من الأشخاص لقيادتهم سياراتهم
بدون أوراق ثبوتية مما قلل من عدد المجرمين الحقيقيين الذين وقعوا في قبضة
العدالة.
فمن المسئول عن
تسريب خبر العملية قبل موعدها؟ ومن المسئول عن الإساءة لهيبة الحكومة اللبنانية،
وهي التي تسعى جاهدة لتلميع صورتها وإضفاء هالة من الثقة حولها؟
السؤال لا يزال
بدون إجابة، فلا ملفات التحقيق فُتحت ولا نعتقد أنها ستفتح في القريب العاجل في
بلد ما زالت الفضائح تلاحق كل من تربع على عروش السلطة فيه.
دخول الضاحية الجنوبية: توافق لا سيطرة
القفزة النوعية
الثانية على صعيد الأمن كانت دخول الجيش اللبناني إلى الضاحية الجنوبية التي تمثل
معقلًا أساسيًّا وهامًّا لحزب الله الموالي لإيران؛ حيث نشرت الحكومة أكثر من 1500
جندي في الشوارع الرئيسية للضاحية في محاولة لإعادتها إلى سلطة القانون بعد أن
أصبحت ملجأ قريبًا لكل فار من وجه العدالة.
ولكن على الرغم
من نشر الجيش في الضاحية فإن عناصر حزب الله ما زالوا يتمتعون بحرية الحركة بكامل
أسلحتهم، ولكن في سيارات مدنية على اعتبار أن هؤلاء يقومون بواجب المقاومة ضد
الاحتلال.
وعملية نشر
الجيش لم تشمل المعاقل الأساسية لحزب الله وتمت بالتوافق مع الحزب وبرعاية مباشرة
من سورية، فمن المسئول عن «تنفيس» هذه الخطة في المهد؟ هل هي الجهات الإقليمية
التي ما زالت تدعم «حزب الله» في بانوراما الطائفية المستشرية في الوطن المهلكة
للمواطن، أم الاستعجال بتنفيذ هذه الخطة ولو شكليًّا لاستجداء العطف الغربي على
الوطن الذي بدأ يتعافى ببطء؟
جريمة بعبدا: إثارة للرأي العام وتساؤلات سياسية
أما الصرعة
الحكومية الثالثة في مجال الأمن فكانت في تدخل جهاز أمن الدولة اللبناني بتكليف
شخصي من رئيس الجمهورية لكشف ملابسات جريمة قتل غادرة ذهب ضحيتها شقيقان مسيحيان
في «بعبدا» يعملان في تجارة الذهب.
فكان الإسراع في
كشف خيوط هذه الجريمة وارتجالية الدولة في تعاطيها مع مسألة استرداد أحد المطلوبين
على ذمة هذه القضية محط تساؤل ولغط كبير في الشارع اللبناني، فلماذا تكشف خيوط هذه
الجريمة التي يقع مثلها الكثير في كثير من البلدان؟ ولماذا الحماس بينما العديد من
الجرائم السياسية وعلى رأسها جريمة اغتيال سماحة المفتي حسن خالد وجريمة اغتيال
الرئيس رينيه معوض ما تزالان في دائرة الغموض؟!
وقد يتبدد العجب
عندما نعلم أن جريمة بعبدا قد تمت بمعاونة جنديين سوريين قالت المصادر الأمنية
السورية: إنهما مجندان مُسَرَّحَان من الخدمة، وتعهد الرئيس الأسد بتسليمهما
للحكومة اللبنانية، وقد تم بالفعل التسليم، وأمر بشنقهما في مكان الجريمة.
فمن المسئول عن
إثارة موجة من الحقد ضد سورية في الأوساط المسيحية لكسب ود هذه الأوساط في هذا
الوقت الحرج من عمر الوطن؟
أما الشريك
الثالث لمرتكبي هذه الجريمة فهو شيعي من آل حمادي فر إلى بلجيكا وفشلت الدولة في
استرداده لعدم مراعاتها الأصول القانونية المتبعة في عملية الاسترداد، ولتسرعها في
إرسال قائد الشرطة القضائية إلى بلجيكا لاسترداده بدون مذكرة قضائية.
الخلاصة: تحديات الحريري وعرقلة الحكم
من خلال هذه
القفزات الأمنية نلاحظ أن هناك من داخل الحكم من يعمل لتقويض ما يعمل السيد رفيق
الحريري على بنائه، باعتباره أول رئيس للحكومة اللبنانية يتمتع بمزايا خاصة تجعله
موضع ثقة واحترام جميع اللبنانيين، ومحط أنظار الكثيرين من رجالات العالم لعصاميته
وقدرته على لعب الأدوار الخطيرة في أحلك الظروف.
لكن مصادر الرئيس الحريري تنقل عنه تصميمه على متابعة المسيرة مع حرص كبير على تلافي الأخطاء في المستقبل.. وحتى الآن نستطيع القول: إن جهود الحريري لإعادة الأمن والاستقرار للوضع الأمني والاقتصادي للبنان لن تبوء بالفشل على الرغم من المعرقلين داخل الحكم اللبناني وخارجه.. وما قد يفشل اليوم في بعض جزئياته قد ينجح في الغد، وسياسة العرقلة والتقليل من الإنجازات التي تحققت قد لا تعود مجدية في ظل عزم وتصميم الحكومة الحريرية على السير بقوة ولو في الاتجاه المعاكس لتيار العرقلة والتخريب للاقتصاد والأمن في لبنان.