العنوان الحكومة السودانية تعيد تقييم موقفها من المفاوضات ومن منبر الإيقاد
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998
مشاهدات 58
نشر في العدد 1313
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 18-أغسطس-1998
وصل جارانج إلى أديس أبابا فانهارت المفاوضات.
لم يكن أحد يتوقع نجاح مباحثات أديس أبابا بين وفدي حكومة السودان وحركة التمرد، رغم أن البعض أبدى تفاؤلًا غير مبرر!
انهارت المباحثات وفشلت في إحراز أي تقدمٍ بعد أربعة أيامٍ من الجلسات المغلقة والمفتوحة.
لقد وثقت حكومة السودان في دول الإيقاد وقبلت وساطتها رغم أن كل هذه الدول -ما عدا كينيا- في حالة عداء ونفور مع السودان وصلت حد الاعتداء على الحدود ومساندة التمرد بلا حدود، فكل هذه الدول إريتريا أوغندا، وإثيوبيا ليست دولًا محايدة، ومع ذلك قبلت الحكومة السودانية الوساطة وإجراء المباحثات في أديس أبابا.
بدأت بوادر التوتر حتى قبل بدء المباحثات فبينما قدم وفد الحكومة برئاسة د. رياك مشار مساعد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس تنسيق الجنوب، ورئيس المفاوضات د. مصطفى عثمان إسماعيل ورقة الموقف، كما يسمونها في لغة المفاوضات عجزت حركة التمرد عن تقديم ورقةٍ واحدةٍ، وأرادت أن تقدم أربعة أوراٍق، ولكن رئيس الجلسة وزير خارجية كينيا رفض ذلك، فضاعت ساعات الجلسة الأولى هدرًا، عند بدء المفاوضات في الجلسة الثانية بعد أن أتى وفد الحركة بورقته، اعترض عضوا وفد الحركة دينق ألور، وجستين ياك على وجود البسملة بسم الله الرحمن الرحيم على رأس ورقة الحكومة!، ولم يؤخذ باعتراضهما.
كانت ورقة حركة التمرد تحوي عبارات استفزازية مثل كلمات العرب، الزنوج الأفارقة، جيش الجبهة الإسلامية، والأغرب من ذلك الإصرار على عدم ذكر اسم حكومة السودان، وكأنهم يريدون القول إنهم لا يتفاوضون إلا مع أفراد لا يمثلون حكومة، مما حدا بوزير خارجية كينيا للتدخل واستبعاد كل العبارات والكلمات المسيئة التي لا تخدم مسار المفاوضات.
تركزت المفاوضات -كما هي العادة- في كل جولة على قضيتين أساسيتين:
الأولى: قضية الدين والدولة، فحركة التمرد تطالب بفصلٍ كاملٍ وتامٍ للدين الإسلامي عن الدولة وتسعى لدولة علمانية، ولكن الجديد هذه المرة أنها طالبت بإلغاء مادة الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وضاعت جلسة كاملة في هذا الأمر دون التوصل إلى صيغة يقبل بها الطرفان، فوفد الحكومة يقول: إن الشريعة الإسلامية لا تطبق في الولايات الجنوبية، ومن حق كل ولايةٍ أن تسن قوانينها وفق معتقداتها، وأن فصل الدين عن الدولة غير وارد.
أما القضية الأخرى المستعصية أيضًا، فهي قضية تقرير المصير للجنوب وحدود الجنوب.
وفد حكومة السودان يقول: إن حدود الجنوب هي الحدود التي تركنا الاستعمار عليها يوم الاستقلال، وهي الخريطة المعروفة للجميع، ولكن وقد التمرد جاء بمناطق أخرى سماها المناطق المهمشة، وهي جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، وأبيي.
وكما حدث الاختلاف في تحديد الحدود وقع الخلاف في كيفية إجراء تقرير المصير الوفد الحكومي اقترح ما هو متفق عليه في اتفاقية السلام، أما وفد حركة التمرد، فقد أصر على أن يحكم السودان في فترة الانتقال بنظام حكم كونفدرالي يقسم فيه السودان إلى دولتين بحكومتين وجيشين، وأنظمة وهيئات تشريعية منفصلة، بالإضافة إلى مطلب آخر هو سحب الحكومة لقواتها، وكذلك قوات دفاع جنوب السودان في فترة الانتقال، مما يعني صراحة تسليم الجنوب لحركة جون جارانج ويكون الانفصال قد تحقق فعلًا.
وبهذه الأطروحات التي طرحتها حركة التمرد انهارت المفاوضات وهي أطروحات تجاوزت حتى مبادئ الإيقاد، مما طرح بعض التساؤلات عن جدوى منبر الإيقاد في معالجة المشكلة، وهل للحكومة أن تنفض يدها من هذا المنبر المنحاز بطبيعة تكوينه؟
وفد الحكومة تحفظ على بيان الإيقاد الختامي، ولم تلتزم الحكومة السودانية بالبيان المشترك الذي أصدرته لجنة الإيقاد، لأن البيان لم يتضمن نقاط الاتفاق، وحرصت اللجنة على إبراز جوانب الاختلاف فقط، وحمل د. مصطفى عثمان رئيس الوفد المسؤولية للحركة برفضها وقف إطلاق النار الشامل للتخفيف عن معاناة المواطنين الواقعين تحت سيطرة الحركة.
يبدو أن الحكومة السودانية قد وصلت إلى قناعةٍ تامةٍ بأن منبر الإيقاد ليس المنبر المناسب لحل مشكلة الجنوب بعد فشله في تحقيق أي تقدمٍ يذكر في جولات المفاوضات كلها، والمتوقع أن تقوم الحكومة بتقييم شامل للأمر برمته لتحديد الخطوات القادمة في المستقبل هل ستحضر الجولة القادمة بعد ستة أشهرٍ أم ستعزف عن الحضور؟ الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد موقف الحكومة من الإيقاد ومنبرها.
ظهر فجأة في أديس أبابا أثناء المفاوضات زعيم حركة التمرد جون جارانج ولاحظ المراقبون والصحفيون أن أعضاء وفد الحركة مرتبكون ويخرجون من قاعة المفاوضات، ويذهب بعضهم إلى فندق هيلتون حيث ينزل جون جارانج لتلقي تعليمات منه، ووضح أن جون جارانج جاء خصيصًا لإفشال المفاوضات، كما حدث من قبل في أبوجا عام ۱۹۹۲م، حيث كان المفاوضون على وشك توقيع اتفاق مع الحكومة، ولكن طار جون جارانج من الولايات المتحدة إلى نيجيريا رأسًا وتحدث إلى أعضاء وفده فانهار الاتفاق.
وغادر جارانج أديس أبابا إلى القاهرة لحضور اجتماعات التجمع المعارض للحكومة في القاهرة، فماذا يخطط التجمع من جديد بعد فشل المفاوضات، وفشل مخطط التفجيرات؟