; الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار.. إنكار السنة من خلال الثوب الديني (الحلقة الأخيرة) | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار.. إنكار السنة من خلال الثوب الديني (الحلقة الأخيرة)

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1986

مشاهدات 59

نشر في العدد 762

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 08-أبريل-1986

• الاحتكام والتحكيم يكونان للقرآن والسنة معًا، ولا خلاف في هذا.

 

• كلمات الكفر والظلم والفسق، قد ترد في القرآن الكريم بمعنى الكفر وقد تأتي بمعنى المعصية.

 

• من رد حديثًا ثبت صحته بدعوى أنه غير ملتزم إلا بما جاء في القرآن الكريم، يكون بهذا قد ارتد عن الملة.   

 

 لقد أظهر هؤلاء أنفسهم بمظهر المفكرين الإسلاميين، ثم بدأوا يفسرون الإسلام بتفسير لا يتصل بدين الله، بل هو من وسوسة شياطين الإنس والجن، قال محمد خلف الله: إن الدين لا يمكن أن يكون من عند البشر، بل هو من وضع إلهي، فقد قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ (الشورى: 13)، وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ (الشورى: 21). وهذه مقدمة صحيحة، ولكن الباحث يصل منها إلى نتيجة غير صحيحة فيقول: إن الدين غير التشريع، فمصدر الدين هو الله، أما مصدر التشريع فيكون القرآن أو السنة، أو الإجماع والقياس(1).

 

 ولا يخفى على أحد أن التشريع قد أخرجه الباحث من مفهوم الدين، والتشريع يشمل المعاملات من بيع وشراء ورهن، وباقي العقود والالتزامات فهذه أخرجها المفكر من مفهوم الدين إذ لم ترد في القرآن. وكان مصدرها هو الحديث النبوي والإجماع والقياس.

 

 وهذه حيلة يراد بها رد السنة النبوية، بدعوى أن الدين لا يكون إلا من الله ثم يحصر مفهوم الدين في العقائد ويخرج التشريع من الدين، ويزعم أن الدين هو ما جاء في القرآن الكريم، ولقد تجاهل أن القرآن الكريم قد أورد كلمة الدين في مواضع أخرى تعني التشريع. قال الله تعالى: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ﴾ (آل عمران: 83)، وقال تعالى: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ (البينة: 5)، وقال تعالى عن التشريع: ﴿ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ﴾ (الشورى: 13).

 

 لقد كشف هذا المفكر عن هدفه بقوله(2): «إن تفسير رسول الله للقرآن هو قول بشري غير ملزم»، كما قال: «ما عدا القرآن فكر بشري نتعامل معه بعقولنا». إن هذا الباحث لم يرد السنة النبوية فحسب، بل رد القرآن أيضًا حيث قال: «إننا حين نحتكم إلى ما أنزل الله، نحتكم إليه على أساس قدرته على تحقيق الصالح العام للمجتمع الإسلامي، فإذا كان النص غير قادر على ذلك فكرنا في القضية بعقولنا».

 

 فلو كان هذا الباحث مفكرًا إسلاميًا كما يكتب عنه، فكيف يصف أي نص في القرآن بعدم القدرة على تحقيق الصالح العام.

 

 لم يصف الكاتب نفسه بالعجز عن فهم النص، أي بعدم العلم بمضمونه، وتجرأ على القرآن وأساء الأدب مع الله، وفي نفس الوقت يرد السنة النبوية بدعوى أنها فكر بشري لأنها لم ترد في القرآن في زعمه المريض.

 

 فلا يخفى على أحد معيار الصالح العام إذا ترك للناس ضلوا ضلالًا مبينًا، فمثلًا: ترى بعض المجتمعات أن الفواحش ليست ضارة بالأفراد أو المجتمعات، ولا عقوبة عليها إذا تمت بالتراضي، وقد ثبت من الأبحاث الطبية أن هذا الانحراف يؤدي إلى أمراض يعجز الطب عن علاجها وتضر بالفرد والأسرة.

 

 ولهذا فما يتعلق بالحلال والحرام، وما يتعلق بإصلاح النفس وغرائزها، أنزل الله -عز وجل- فيه المناهج في القرآن ووضحتها السنة النبوية، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ (الأحزاب: 36)، وقال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ﴾ (المؤمنون: 71).

 

حكم إنكار السنة النبوية

 

 وليعلم هؤلاء أن من رد حديثًا ثبتت صحته بدعوى أنه غير ملتزم إلا بما جاء في القرآن، يكون بهذا قد ارتد عن الملة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ (النساء: 65)، فما بالنا بمن يرد القرآن باسم المصلحة إنه الكفر البواح.

 

 إن الاحتكام والتحكيم يكونان للقرآن والسنة معًا ولا خلاف في هذا، فلا يحل لمسلم أن يطلب الاحتكام إلى غير القرآن والسنة، ولا يحل للقضاة أو الحكام أن يحكموا بغير ما أنزل الله أو بغير سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن استحل هذه المخالفة فقد كفر لإنكاره حكم الله ولتحليله ما حرم الله، أما من مالت نفسه فخالف مع إيقانه وتصريحه وإعلانه، أن حكم الله ورسوله هو الأولى وهو الواجب والأحسن، فذاك المخالف يكون عاصيًا لأن حكمه المخالف للإسلام يكون عملًا من أعمال المعاصي، وليس تشريعًا فيه تحليل وتحريم من دون الله.

 

 ولقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا فقال: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، وقد زعم البعض أن الآيات القرآنية: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ (المائدة: 44)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ﴾ (النساء: 65) لا تفيد كفر من استحل الحكم بخلاف القرآن والسنة، وهؤلاء نسوا قوله تعالى: ﴿ أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ (الشورى: 21)، وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ﴾ (الأنعام: 148).

 

 كما تركوا ما رواه الترمذي بسنده الصحيح عن عدي بن حاتم قال: «أتيت النبي وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا بن حاتم ألق هذا الوثن من عنقك، فألقيته ثم افتتح سورة براءة حتى بلغ قوله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (التوبة: 31) فقلت: يا رسول الله، ما كنا نعبدهم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه، فقلت: بلى، فقال: فتلك عبادتهم من دون الله».

 

 إن آيات سورة المائدة قد وصفت من استحل الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وصفًا يفيد الكفر والظلم والفسق، وهذه الأوصاف الثلاث تتعلق بحقيقة واحدة هي استحلال الحكم بغير الكتاب والسنة النبوية، وبالتالي فالكفر في هذا الصدد هو نفسه الفسق وهو أيضًا الظلم، لأن هذه الأوصاف الثلاثة قد ترد بمعنى الكفر المخرج عن الملة، كما في هذا الشأن وفي قوله تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف: 50)، وفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ (لقمان: 13)، وقد ترد هذه الأوصاف بمعنى المعصية، كما في سورة الحجرات عن السخرية والتنابز بالألقاب إذ قال الله عنه: ﴿وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ (الحجرات: 11).

 

 كما قال الله عن الجهاد في سورة التوبة: ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ (التوبة: 24)، وهذا الخطاب موجه إلى المؤمنين، ولذلك كان الفسق بمعنى المعصية، وأيضًا ورد الكفر بما يفيد المعصية في الحديث النبوي الذي رواه مسلم بلفظ: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» لأن الله تعالى لم ينف الإيمان عن المسلمين الذين اقتتلوا فقال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ﴾ (الحجرات: 9)، وهكذا فإن كلمات الكفر والظلم والفسق قد ترد بمعنى الكفر المخرج عن الملة، وقد تأتي بمعنى المعصية، والذي يحدد المقصود هو سياق الآيات في كل موضوع، وليس أهواء الناس ومصالحهم.

 

 وفي هذا قال ابن القيم: «ينبغي لمن حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بالسنن -عالمًا بوجوه القرآن وبالناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه والتأويل وأسباب النزول، بصيرًا باللغة واختلاف أهل الأمصار». وقد ضرب مثلًا على ذلك فقال: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح أمير «بريده» أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله وقال: «فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك».

 

هكذا نهى النبي أن يسمى حكم المجتهد حكم الله.(3)

 

 

وبالله تعالى نعتصم ونتأيد.

 

(1) لواء الإسلام العدد 46 في 9/12/1982.

 

(2) الوطن 19/11/82 و17/12/1982.

(3) إعلام الموقعين لابن القيم ج 1 ص 135

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

129

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 48

121

الثلاثاء 23-فبراير-1971

تاريخ لا يُنسى