العنوان الحلقة الأخيرة مِن فقه الحركة الإسلامية الداء والدواء
الكاتب خليل بن أحمد الحامدي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1976
مشاهدات 61
نشر في العدد 318
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 21-سبتمبر-1976
(هذه المقالة عبارة عن افتتاحية الأستاذ أبي الأعلى المودودي كتبها لمجلته الشهرية: (ترجمان القرآن) إلى ما قبل مدة وهي إحدى الحلقات التي تناول فيها الأستاذ المحاسن التي يجب أن تتحلى بها الحركة الإسلامية وتنميها، والعيوب التي يجب عليها اجتنابها وإصلاحها وقد أفردنا حلقة منها تخص بالداء المعروف يوهن العزيمة.
والأستاذ المودودي كقائد الحركة الإسلامية استعرض هذا الداء استعراض الطبيب النطاسي ووصف له علاجًا ناجعًا. يستطيع رجال الحركة أن يستفيدوا منه في كل زمان ومكان.. المترجم)
وهن العزيمة
هذا المرض الروحي خطير وفتاك جدا يجب أن تنتبه له كل جماعة تقوم بمهمة الإصلاح والبناء.
ويجب أن يكون روادها ورجالها على معرفة كاملة بما لوهن العزيمة من أخطار وآثاره ، وما هو الفرق بين أشكاله البسيطة وأشكاله المركبة
وما هو لكل شكل منها من مظاهر وملابسات ويجب عليهم العناية بقمعه وإصلاحه بمجرد أن تظهر منه إرهاصات فأما القسم البسيط من وهن العزيمة فهو: إن يقلل الرجل العناية والاهتمام والحماس لغاية الجماعة على رغم اعتبارها حق واعتبار الجماعة القائمة بها صحيحة سليمة. وبمجرد أن يصدر منه هذا الفتور يجب أن تتخذ التدابير العديدة لإنعاشه. منها مثلًا:
أولًا: تدرس ظروف هذا الرجل ليعرف منها: هل سبب تكاسله راجع
إلى الوهن في العزيمة، أو راجع إلى المشكلات الحقيقية فعلًا. إذا كان هو يعاني المشكلات الحقيقية فعلى الجماعة أن تطلع عليها. وتساعده -وهو زميل من زملاء الجماعة- في معالجتها. حتى لا يفسر تكاسله بمعاني خاطئة عند غيره من لا يعود مثلًا سينا الآخرين، وإذا تحقق أن التكاسل قيم على السبب الأول: أي وهن العزيمة، فمن الضروري جدًا أن يصبح أمره مميزًا من أمر أولئك الذين تراخت هممهم، وانكسرت حدتهم من أجل المشكلات الحقيقية. ويتم هذا التمييز بينه وبينهم بغاية الحكمة وباجتناب الأساليب الركيكة.
ثانيًا: إن يبادر إلى بذل الجهود في القضاء على ما فيه من الوهن بالتذكير الجميل والتوجيه السديد والنصح المخلص بمجرد أن يبلغ أمره المسؤولين. وخاصة على صلحاء الجماعة أن يلتفتوا إلى أمره بدون ما تأخير فيوفدوا فيه عاطفته الآخذة في الموت وجذوته الموشكة على الانطفاء، وأن يحركوا ساكنة بأيديهم واقعيًا.
ثالثًا: إن ينبه ذلك الرجل على رده من وقت لآخر، كي لا يتحول هذا النوع من الكسل والبطالة أمر متبعًا. وأن لا يتشبث به الآخرون. وإذا مارست الجماعة بين فترة وأخرى المحاسبة لمعرفة من الذي يضحي بوقته وطاقته وماله في سبيل الدعوة فعلا، وما هو مقدار تضحيته وما هو المدى الذي يستطيع أن يصله في التضحية، وما هو نسبة عمل العاملين في الواقع من قدرتهم الحقيقية فكان ذلك خيرًا لها لأنه يثير الخجل والندم، إلى حد ما، على كل من تكون موازينه خفيفة في ميزان المحاسبة. وهذا الندم سوف يمنعهم من الوقوع في التكاسل، ولكنه من الضروري جدًا أن تكون عملية المحاسبة بأسلوب لا يحول المريض بالوهن البسيط إلى المريض بالوهن المركب. ومن مقتضى الحكمة أن شخصًا ظهر فيه نقص إذا لم يمكن محو هذا النقص فيه فلا يسمح تفاقمه على الأقل. ومما لا ينازع فيه منازع إن الذي يبدي تحمسه أكثر من اللؤم لإصلاح نقص في شخص من الأشخاص، ولا يراعى جوانب الحكمة في هذا الصدد يكون من نتيجته أن الشخص المتورط في منكر يندفع إلى التورط في منكر أشد منه.
أما الوهن المركب فهو أن يحاول الرجل ستر عيبه وضعفه بالكذب والخديعة، ويتقدم في هذا الباب إلى أن يسوق المبررات على أنه ليس فيه عيب أو ضعف وإنما العيب كل العيب في كيان الجماعة. فليس هذا عيبًا فقط بل هو سوء الخلق أيضًا. لا يجوز أبدا أن يزدهر في جماعة تستهدف إصلاح العالم على أساس الأخلاق.
والمرحلة الأولى من الوهن المركب أن الرجل يفتعل أعذارًا كاذبة وحيلًا لا أساس لها من الصحة لعدم نشاطه. فالتغاض عن هذه الظاهرة خيانة في حق الرجل الذي تنمو فيه، وفي حق الجماعة التي قدم لأجلها وفي سبيلها عدد كبير من الناس تضحيات جسيمة في الأنفس والأموال.
فالمفروض من شخص ينتمي إلى هذا النوع من الجماعة أن يكون على قدر من الجرأة الخلقية وحياة الضمير والإيمان حيث لا يتلكأ في الاعتراف بضعفه بصراحة على الأقل عندما يعتوره الفتور لأجل موت عواطفه ومشاعره. فإن بقاء الرجل مصابًا بالفتور والقصور طيلة عمره مع الاعتراف بهما أفضل بكثير من أن يستنجد ولو مرة واحدة بالأعذار المفتعلة لتغطية خطئه. وعلى كل، بمجرد أن يظهر هذا النقص في شخص في الجماعة يلام عليه سرًا ولا يشجع عليه أبدًا وإن لم يمتنع عن هذا النقص بالتوبيخ سر يوجه اللوم عليه علنا في داخل الجماعة. وتكشف حقيقة المبررات التي يتعذر بها. والتهاون في هذا الباب يعني فتح باب العيوب -بل باب الشرور- التي سبقت الإشارة إليها. في كيان الجماعة.
المرحلة الثانية لهذا المرض الروحي هي: إن الرجل الكسلان الساقط الهمة الفاتر العزيمة يجعل عيوب أفراد الجماعة، ونقائص مخططاتها وأنظمتها مسؤولة عن ما أصابه من التضجر والتذمر. وفي الحقيقة أن هذا الموقف بمثابة الضوء الأحمر للخطر، الذي يشير إلى أن هذا المريض بدأ يتجه إلى إثارة الفتنة في داخل الجماعة. وفي هذه المرحلة توجيه السؤال عن أسباب تذمره خطأ. لأن معنى هذا السؤال، وهو كما رأيت في حالة الخطر الشديد، تسييره على طريق الفتنة، الذي وضع عليه قدمه أنفًا- وعندي أنه بدلًا من دعوته تعداد عيوب الجماعة يجب أن يركز أصدقاؤه على تخويفه من الله سبحانه وتعالى، ومناشدته الاستيحاء من الجرأة على نقد الآخرين وهو نفسه على ما هو عليه من العمل الناقص والسلوك المنخور. ويقال له: إن أولئك الذين يستنفدون جهودهم، ويبذلون مهجهم، ويهلكون أموالهم في خدمة الجماعة لا يجانبون الحق أن اعتبروا انتكاساتك سببًا لتذمرهم وبرودهم. وكيف لك أن تتستر الآن برداء التذمر من الجماعة ونظامها ورجالها بينما دورك في إنشاء العيوب التي تبعث على التذمر ليس اقل ما لغيرك، بل اصبح موقفك الآن مثالًا لغيرك في إفساد الأمر.
ومما لاشك فيه أن كل العيوب والنقائص التي تتغلغل الجماعة يجب على الجماعة تتبعها وملاحقتها. ولا ينبغي لها بحال أن تتغاضى عنها، أو تتقاعس عن بذل المساعي لمحوها ولكن لا ينبغي كذلك أن يضطلع بهذه المهمة إلا العاملون الفعالون الذين يستميتون في خدمة الجماعة وتطويرها. ولهم الحق في تعدادها وتداولها. وهم الذين يصلحون لغربلة الأمور، وتمييز الخبيث من الطيب، بتجرد وأمانة. ولا يجوز لحركة تقوم على الأسس الخلقية أن تسمح ظاهرة قلة الحياء... ظاهرة تتألف من نشاط غير عادي من قبل المتلصصين من العمل، متهاونين في القيام بالواجب، متسمين بالسلوك المنخور في ذكر عيوب الجماعة ونقائصها بالسنة حداد. فمكانتهم الحقيقية في حركة كهذه الخجل والندم والاعتراف بالذنب، لا مكانة الناقد الناصح. وأنهم لو اختاروا لأنفسهم تلك المكانة -مكانة الناقد الناصح فذلك إمارة من إمارات الفساد الخلقي الشديد، ولو اختارت لهم الجماعة تلك المكانة فمعناه أن الإفلاس الخلقي أخذ يسيطر عليها.
وفي هذا المقام يجب ألا تغيبن عن البال قاعدة ثابتة: هي أن الجماعة المتحركة والمحركة معًا لأعضائها السليمة أحاسيس تختلف عن أحاسيس أعضائها المريضة. أما أعضاؤها السليمة فهي تنصرف إلى وظائفها انصرافًا كليًا. وتخاطر بكل ما تملك من النفس والمال في هذا السبيل وينطق سجل أعمالها بأنها لا تقصر في القيام بواجبها قدر المستطاع أما الأعضاء المريضة فهي التي لم تقم بواجبها بقدر ما لديها من الاستطاعة أو التي اعتراها الشلل بعد بقائها برهة من الزمن في حركة ونشاط، والتي سجل أعمالها ينبئ بوضوح ما ألم بها من قصور وفتور. فالفرق في أحاسيس كلا النوعين من الأعضاء ما هو الفرق بين بصر العين السليمة والعين الكليلة. ولا تستطيع الجماعة أن تطلع على عيوبها ونقائصها إلا من خلال أحاسيس أعضائها السليمة.
والأعضاء التي فترت عن العمل، وأظهرت تذمرها كمبرر لترك العمل لن تكون أبدًا وسيلة موثوقًا بها لمعرفة الحقيقة لأن أحاسيسها لن تخلو من ظواهر الغلو والتضليل بنسبة تسعين في المائة إن لم نقل مائة في المائة. والجماعة التي لا تريد الانتحار لن تبنى النتائج على أحاسيسها. أما القول بأن كل شخص يطلعنا على النقائص والعيوب ليس علينا إلا أن نقبلها مستغفرين تائبين في تضرع وابتهال، ثم نضع على أساسها تقديراتنا، ونصدر بموجبها الأحكام بما نصلح له ومالا نصلح له. فليكن هذا الموقف عملًا صالحًا، ولكن ليس مما يقوم به النبهاء العقلاء بل مما يقوم به البلهاء البسطاء. وهذا النمط من الناس الصالحين لم يصلحوا أمرًا في غابر الأزمان فكيف لهم أن يصلحوا شيئًا اليوم. وظن المرء نفسه كاملًا جهل عريض. وليس أقل منه جهلًا أن يقرر مدى ما فيه من النقص أو الفعالية على بيان كل من هب ودب ولا ينظر: أن الذي يقدم إليه بيانه إلى أي مدى هو يصلح لإدراك الأوضاع ونقلها؟
وأمر آخر يجب تفهمه في هذا المقام جيدًا، هو: إن الجماعة الهادفة دائمًا ترمي إلى نوعين من المقاييس للسلوك وقابلية العمل: أحدهما المقياس المطلوب أي اسمي مقياس يجب بذل الجهد المستمر لبلوغه.
وثانيهما: أقل المقاييس للعمل الذي يجوز الأخذ به للسير في طريق الدعوة ولا يتحمل التنازل عنه بحال من الأحوال. ونحو كل نوع من المقاييس المشار إليها يتخذ ذوو اتجاهات مختلفة مواقف مختلفة.
اتجاه: لا يعطي الكثير من الأهمية للعمل في سبيل الغاية. ولا يهمه أيصلح أمر الجماعة أو يفسد، أيتقدم أو يتأخر. لأن هذا الأمر ليس في نظره قضية مصيرية. هو يستطيع أن يهجر هذا الأمر ثم يعيش في الدنيا مرتاح البال هادئ النفس. ويستطيع أيضًا أن يواصل مشاركته إياه ولكن بشكل لا يمتص المصاص شيئًا من أوقاته وطاقاته وأمواله صاحب هذا الاتجاه أما لأجل الترفيه الذهني في معظم الأحيان، أو لأجل العذر الخلاب لتهربه من العمل حينًا آخر يطير في السموات العلى من تصوره للأخلاق والسلوك. ولا يرتاح أبدًا الى ما هو دون المقياس المطلوب. وكل شيء يراه دون ذلك يبدي عليه قلقه الشديد وتضجره البالغ. بيد أن هذا القلق لا يكون لأجل تضعيف العمل بل لأجل التلصص من العمل. ولا فرق من وجهة النتائج في أن يكون هذا الموقف المتهرب أمرا شعوريًا أو لاشعوريًا..
اتجاه أخر: وهو يعطي الكثير من الأهمية للغاية وللعمل في سبيلها، بل يعطي لهما كل الأهمية. بيد أنه نظر لكونه مصابًا بالأوهام الخيالية لا يراعى بدقة الفرق بين المقياس المطلوب وبين أقل المقاييس للعمل.
ولذلك هو نفسه يتعثر في الطريق مرة بعد أخرى، وتنتابه عقد نفسية على تعاقب الخطوات. كما يكون على قابلية لاستقبال عدوى الاتجاه الأول بسهولة. وعلى هذا هو يزعج نفسه كثيرًا كما يثير على غيره من العاملين النشيطين أنواعًا من المتاعب.
اتجاه ثالث: يريد العمل لأجل الغاية على كل حال. ويشعر أنه هو المسؤول عن صلاح الجماعة وفسادها وموقفه هذا يرغمه على أن يسير في درب الدعوة بمراعاة الفرق بين المقياسين بكل دقة، وأن يراقب جيدًا سير التقدم نحو الغاية حتى لا يتعرقل دون سبب معقول وذي بال أنه لا ينسى المقياس المطلوب أبدًا ولا يغفل عن بلوغه بحال من الأحوال. ويشعر بقلق شديد على كل شيء يراه متنازلًا عن المقياس المطلوب. غير أنه يحرص على تمشية الأمور بموجب أقل المقاييس للعمل والسلوك. ولا يبالي بإبعاد الناس الذين يقل مستواهم السلوكي حتى عن أقل المقاييس، بدلًا من أن يغير منهجه ويبدل خطته بوحي هؤلاء الضعاف عزمًا وسلوكًا. وحقًا أنه من الواجب عليه أن يزن قوته في ميزان التقدير الدقيق. وفي ضوء ذلك التقدير يمدد نطاق عمله أو يقلصه.
لأنه إذا أخطأ في ذلك التقدير يضر غايته. ولكن ما أحمق الشخص الذي يقدر قوته تبعًا لوحي الاتجاه الأول أو الاتجاه الثاني ومن كان هناك ما يساعده على هذه المهمة فليس إلا أصحاب الاتجاه الثالث.
فعليه أن يكون على المعرفة بهم جيدًا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين،،،
ترجمة: خليل أحمد الحامدي
مدير دار العروبة للدعوة الإسلامية
المنصورة- شارع ملتان- لاهور ۱۸
باكستان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل