العنوان أدب: الحلقة الثالثة- موقف الإنسان المشارك في فاعلية الكون ونظامه
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-نوفمبر-1984
مشاهدات 57
نشر في العدد 692
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 20-نوفمبر-1984
1- يتراءى الكون للأديب المسلم في نشأته، وفي حركته من خلال عناصره في غاية من الفاعلية والضبط والنظام، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49).
وقف الأديب المسلم أمام هذا النظام الدقيق في الكون، من أصغر مكونات المادة إلى الأجرام الهائلة والشموس، في عصر تكشفت فيه للإنسان بعض أسرار الكون، فازداد إيمانه عمقًا، وأخذ يتابع في الكون تأمل النماء والفاعلية والتجدد في فعل ناموس الله وقدرته، يقول أحمد محمد صديق:
تباركت يا من أبدع الخلق صنعة *** ويا من له الآيات في الكون تشهد
تسير على وفق المشيئة لا تني *** مسخرة الأسباب، لا تتردد
فمن ذا الذي يزجي السحاب فتنتشي *** به الأرض إذ يهمي السحاب المقيد؟
ومن ينبت الزيتون والزرع يانعًا *** فتخضل وديان، ويخضر جلمد؟
ومن فتق الأكمام عن حسن منظر *** وأجرى مياه النهر فهي تزغرد؟
ومن أودع الأسرار في كل ذرة *** مصيرة فيها القوى تتولد؟
ومن علق الأجرام في قبة السماء *** وليست عن القيد الإلهي تشرد؟
وأطلع شمسًا في الوجود وإنها *** حياة لنا في كل يوم، تجدد (٢)
إن فاعلية الكون ونظامه لتتجلى في تقدير قدرة الله في الأرض وتشكيلها بما يلائم الحياة على سطحها، قد زودت بالتزاوج الذي يضمن الخصب والامتداد، وسخر الليل والنهار لتهيئة ذلك كله وإنضاجه.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرعد: 3).
قد كلف الله الإنسان بعمارة الأرض وتثميرها وفق هدى الله بالاستخلاف عنه في الأرض، وسخر له الكون ومتطلبات استخلافه، فما عليه إلا أن يدرك أسرار الكون ويتعرف إليه ليجود له بكل خير.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: 15).
وقلة من الشعراء راودوا هذا الأفق الكبير، ويرود ملامح منه أحمد شوقي- لو أنه موجه للناس قاطبة- في قوله:
أيها العمال افنوا العمر كدًّا واكتسابا
واعمروا الأرض فلولا سعيكم أمست يبابا
واستقيموا يفتح الله لكم بابًا فبابا
اتقنوا يحببكم الله ويرفعكم جنابا
إن للمتقن عند الله والناس ثوابا
أين أنتم من جدود خلدوا هذا الترابا
قلدوه الأثر المعجز والفن العجابا
اتقنوا الصنعة حتى أخذوا الخلد اغتصابا[1]
2- لا يذكر استثمار الإنسان المعاصر للكون، وتنقيبه عن أسراره بروح السيطرة والتسلط، وقد بلغ من ذلك ما أوصله إلى القمر، وأحازه الفضاء، ولكن مع هذا، هل تفاعل مع الكون؟ إن حسبان الكون أبكم أعمى في الفلسفة العبثية أفرز العجز عن أي مشاركة أو تفاعل مع الكون، فهذه «ويني» عند «بيكيت» تفقد القدرة على الحركة تدريجيًا حتى تُدفن إلى رقبتها تعبيرًا عن فقدان التلاؤم مع الكون، ثم تغادر الحياة[2].
ويتابع بدر شاكر السياب طريق «بيكيت» في نظرته إلى عقم الكون وعدم تفاعله مع الإنسان وذلك حين يعرض للرواسي- ممثلة للكون- صماء، بكماء، لا يحركها ولا يفرحها شيء:
تلك الروامي كم انحط النهار على *** أقصى ذراها، وكم مرت بها الظلم
فما فرحن بالأف الشموس، ولا *** من ألف نجم تردى منها العدم
صماء، بكماء، لم تأخذ ولا وهبت *** ولا ترصدها موت ولا هرم[3]
ويعقب الشاعر عدنان النحوي على قصور تصور الشعراء الذين ساروا في ركاب فلسفة العدم والفناء، فأضاعوا نور النجم الذي سرقوه -إذ خالوا الكون كتلة طين- ودفنوه في الظلمات فغابت عنهم آفاق رعشاته، ودعائه وصلاته، وفي الأبيات التالية صورة الكون الأصيلة التي طمستها الجاهلية:
أيها النجم من رعاك على الأفـ *** ــق وألقاك في مسار مكين
كم من الناس لم يروا فيك إلا *** صخرة أقلعت وكتلة طين
سرقوا منك نورك المتلألئ *** سرقوا رعشة وخفق حنين
سرقوا دعوة وهمس صلاة *** سرقوا منك كل شيء ثمين
سرقوا نبضة الحياة، أماتوا *** ها على ظلمة وموج فتون
سرقوها من النفوس، من القلـ *** ـب، ومن فطرة ونور عيون
سرقوها من الضياء وراحوا *** دفنوها في كلمة من سجون
أي تيه يلفهم وضلال *** أي كبر من الهوى مجنون [4]
٣- إن الإنسان المعاصر اليقظ- على النقيض مما يقول الجاهليون بأن الكون أعمى، أبكم، أدرك التفاوت بين تناسق الكون ونظامه، وفوضى إنسان العصر الذي لم يشارك هذا الكون فاعليته ونظامه، يقدم لنا شكيب الحبارى في روايته إحدى شخصياتها، العالم «يوزف شميدت سودنكر»، في إعجابه بنظام الكون، وتمنيه على الإنسان أن يقفو نظامه، ولعل الروح المادية الأوروبية لم تتح له إدراك الناموس المشترك الذي ينظم الكون والإنسان.
«اسمح لي بذكر هذه الملاحظة الغريبة التي حيرت فكري فلا أجد لها تفسيرًا: فبينما أرى حياة الإنسان بأفراده وجماعاته فوضى لا ضابط لها ولا نظام ولا معنى، أنظر إلى الكون حولي فيحيرني انضباطه ونظامه وتكامله من أكبر كبيرة فيه إلى أصغر صغيرة، لا إخلال ولا اضطراب، ولا تجاوز ولا تناقض، سبحان رب الكون، أكاد أجن من العجيب ما أرى كل يوم، وأقرأ من عجائب هذا الكون «اللامتناهي» وأرتد إلى ذاتي محيرًا، ذاهلًا، ضعيفًا، ضليلًا، ونذيرًا، خائرًا، ذرة حقيرة لا تدري من أمر نفسها شيئًا، يا لهذا الكون! وقد أسائل نفسي أحيانًا: هذا النظام المذهل الذي يسير الأفلاك، ويضبط حركة الكون، ألم يعرف الفوضى قط؟».[5]
٤- إن كل ما في الكون يوحي للإنسان بالفاعلية والإيجابية، فالكون بنواميسه وشموسه وأقماره يوحي إليه بحركتها الدائمة، ومسيرها المتصل بالفاعلية، ولا سيما حين يستشعر الإنسان اشتراك هذه الموجودات الكونية معه في التوجه إلى الله بالعبادة والتسبيح، حتى إذا ما تأمل غاية وجوده في إعمار الأرض بشرع الله واستثمار قوانين الكون ونواميسه في ترقيتها من خلال عبوديته الخالصة لله، استشعر موقف الفاعلية المشترك مع الكون وتفاعله معه على صعيد الاستقلال بالناموس الواحد الذي يحكم الكون والإنسان[6].
على هذا الصعيد من التفاعل مع الكون وإدراك الناموس الإلهي الذي يحكمها، يصف لنا عماد الدين خليل، على لسان «أحمد» قوة «سعيد» الكونية حين استنارت آفاقه:
«أحمد: «لسعيد»: ها أنت تستمد من القوة العظمى التي خلقت الكون وبعثت الحياة في الموجودات، فتحطم أغلالك وتخرج من الأسر، ينبض قلبك بحيوية لا بدء لها ولا انتهاء، وترف روحك فلا تعترف بالحواجز والحدود».[7]
وهذه تجربة من تجارب الالتقاء مع روح الكون يقدمها عمر بهاء الأميري في «ذرة»:
فكرت في الأم النامية *** وفي أماني وأحلاميه
وفي طريق الغيب اشتفيه *** وفي مجاهيل الغد الغافية
وتم في الحيرة ساحت بيه *** عوالم الكون أفكاريه
فصحت مأخوذًا بإبداعها *** وسيرها هادية واعية
حاشاه أن يقفي خلاقها*** تركي فيها ذرة نابية[8]
هذا هو الشاعر يواجه أزمته الفكرية، آلاف متزايدة أحلام خائبة، غيب لا يتكشف، غد مجهول، فتتملكه الحيرة، لماذا يقضي حياته معذبًا بهذا التطلع الذي لا ينتهي؟ وفي حيرته تسبح أفكاره في الملكوت، فتخرج به روحه من سجن ذاته الذي أغلقته الحيرة النابتة في ضميره، فتسيح به عوالم الأكوان، وعندئذٍ يقع التجاوب الفطري بين روحه وروح الكون الكبير، فما تكاد الروح الصافية تتطلع إلى الكون حتى يحدث هذا اللقاء بين أخوين حبيبين، ثم ينقله هذا اللقاء إلى الله، فالروح الصافية حين تلتقي بروح الكون الكبير لا بد أن تهتدي من حيرتها، وتتطلع إلى خالقها، وتطمئن إلى أن خالق هذا الكون المنسق الموزون المترابط لن يترك هذه الذرة البشرية نابية، تائهة، منقطعة الصلات.[9]
ويفسر لنا الرافعي التفاعل بين الإنسان والكون بالالتقاء في الناموس الإلهي الواحد الذي يصرف شؤون الإنسان والكون، فيقول:
«كما تطلع الشمس بأنوارها فتفجر ينبوع الضوء المسمى النهار، يولد النبي فيوجد في الإنسانية ينبوع النور المسمى بالدين، وليس النهار إلا يقظة الحياة تحقق أعمالها، وليس الدين إلا يقظة النفس تحقق فضائلها، والشمس خلقها الله حاملة طابعه الإلهي، في عملها للمادة تحول به وتغير، والنبي يرسله الله حاملاً مثل ذلك الطابع في عمله تترقى فيه النفس وتسمو، والعامل الإلهي العظيم يعمل في نظام النفس والأرض بأداتين متشابهتين، أجرام النور من الشموس والكواكب، وأجرام العقل من الرسل والأنبياء، فإنما النبي إشراق إلهي على الإنسانية، يقومها في فلكها الأخلاقي، ويجذبها إلى الكمال في نظام هو بعينه صورة لقانون الجاذبية في الكواكب».
وسخر الله الكون للإنسان كي يقوم بمهمة الاستخلاف عن الله في الأرض، وفي ذلك تكريم للإنسان وإعانته
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحج: 65).
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ (نوح: 19- ٢٠).
هذا المعنى من سيادة الإنسان على الأرض بوصفه مستخلفًا من الله عليها، كي يعمرها ويبنيها بهدى الله، تناول شعراؤنا أطرافًا منه، ولكنه لا يزال بكرًا يرتقب المزيد من استيعاب الآفاق. يقول أحمد شوقي في منظومة له يخاطب الإنسان:
سخر العالم من أرض وماء *** لك، والريح وما تحت السماء
أرجه تعط مقاليد الفلك *** والخشية خشية من فيه هلك
انظر الملك وأكبر ما خلق *** وتمتع فيه من خير رزق
أنت في الكون محل التكرمة *** كل شيء له عبد أو أمة[10]
ويحدثنا عدنان مردم عن طرف من هذا التسخير، فيما تبثه الشمس -آية الله المسخرة- من نور وحياة في الوجود، يقول في معرض نجواه:
والشمس آيتك التي من دونها *** حار اللبيب وفي كل لسان
إحسانها وسع البرية سيبه *** وصنيعها أربى على الإحسان
وشعاعها بعث الحياة سخية *** دون الثرى بمفاوز وجنان
لبست بها الدنيا مطارف فتنة *** وتبرجت بقلائد العقيان
والأفق هلل باسمًا لما انجلى *** قتم الظلام وماس كالنشوان
هزت جوارحه نوازع صبوة *** للنور، يقطع غربها بستان[11]
وبعد هذه اللفتات المتنوعة من أثر الشمس في الحياة، يتابع الشاعر أثرها في حياة الكائنات كلها:
أنفاسنا موصولة بهباتها *** وحياتنا منها وما تتنشق
والذر والحيوان غرس جميلها *** ما دب يزحف أو مضى يتسلق
والعشب والأرواح فيض يمينها *** ما دق أو ما جل أو ما يسمق[12]
وهكذا تتألق لنا بما أفاض الشاعر من آلاء الشمس في حياة الإنسان والوجود مدى الصلة الوثيقة التي تضم الإنسان والكون في حياة متناسقة متناغمة.
(1) الشوقيات: ١/ ٩٠- ٩١.
(2) انظر مسرحية «الأيام السعيدة»، صمويل بيكيت، ترجمة جلال العشري، مصر 1977، وانظر مقدمة المسرحية المترجمة ص١٥١.
(3) أنشودة المطر: 42.
(4) ديوان موكب النور: 42- 43.
(5) قدر يلهو: 186.
(6) انظر خصائص التصور الإسلامي: 187- 189.
(7) المأسرون: 144.
(8) ديوان مع الله: ٤٤.
(9) منهج الفن الإسلامي: 283- 284.
(10) الشوقيات: 4/ ٣٨.
(11) نفحات شامية: 14.
(12) نفسه: 1٤٠.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل