العنوان الحلقة الثانية من: كيفية بناء الشخصية المسلمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1979
مشاهدات 70
نشر في العدد 461
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-ديسمبر-1979
• ما هي العيوب الفطرية عند الداعية وما هو علاجها؟
• كيف نريد أن يكون الداعية حتى يكتب الله النجاح على يديه؟
العيوب الفطرية عند الداعية وعلاجها:
1- الحدة في المعاملة:
وقد يكون من أسبابها أن الداعية يعيش في بيئة فيها أشخاص محتدين مثله فتنشأ الحدة فيما بينهم وقد يكون أيضًا أن الداعية فيه شيء من الغرور بحيث يرى نفسه أعلى من الناس العاديين في المجتمع فيعاملهم بحدة. ويكون علاج ذلك بأن يقتنع الداعية بوجود هذا العيب فيه ويتذكر دائمًا قول الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب»، وأن يحاول دائمًا الابتعاد عن الأفراد المشهورين بالحدة حتى لا يستفزه، ويذكر دائمًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (آل عمران:134).
2- كثرة الكلام والضحك:
أحيانًا يكون شعور الداعية بالنقص في المجال العلمي فيدفعه ذلك لكثرة الكلام في كل مجال، وقد يكون استماع الآخرين له وفتح المجال له بالثرثرة سببًا من أسباب هذا العيب، وكذلك عدم معرفته للحكم الشرعي لذلك، وتعوده
على ذلك خلال سنوات تربيته الأولى ويكون علاج ذلك بتذكيره بالله وأنه قد يؤثم لأن «من كثر كلامه كثر سقطه» وتذكيره بأن كثرة الضحك تميت القلب.
3- كثرة الصمت:
وهذا العيب له أسباب كثيرة منها عيوب النطق التي يصاب بها الإنسان منذ ولادته وكذلك الخجل وعدم ثقة الداعية بنفسه وشعوره بالنقص والتورع والخوف من الوقوع في الإثم واعتبار أن ذلك من الرزانة والإفراط في معالجة الثرثرة. ويكون علاج ذلك بأن يتعلم الداعية قواعد اللغة العربية، وأن يكثر من إلقاء الدروس، وأن يتذكر دائمًا الواجب الشرعي لأداء أمانة العلم الذي يحمله.
4- كثرة النوم:
قد تكون أهم أسباب هذا العيب عند الداعية هي عدم تنظيمه لوقته والإرهاق الذي يصيبه وعدم بذل الأسباب للقيام من النوم وكثرة الأكل والشرب من أكل كثيرًا شرب كثيرًا فنام كثيرًا، فخسر كثيرًا. ويستطيع الداعية علاج ذلك بأن يحرص على النوم الجماعي مع الأفراد للتعود على القيام، وإذا نام في بيته يجب عليه بذل الأسباب للقيام مثل- ساعة منبه، تليفون، الزوجة-، وأن يشغل همه ويستجمع نيته، وكذلك يغير طريقة نومه فينام حسبما بين الرسول- صلى الله عليه وسلم- كما يتجنب الفراش الوثير.
• أنوار على الطريق:
النور الأول: الالتفات إلى عيب النفس:
فينشغل الداعية بإصلاح عيوبه، ويدع إعابة الآخرين وتسقط زلاتهم، يقول السري البغدادي:- ما رأيت شيئًا أحبط للأعمال، ولا أفسد للقلوب، ولا أسرع في هلاك العبد، ولا أدوم للأحزان، ولا أقرب للمقت، ولا ألزم لمحبة الرياء والعجب والرياسة من قلة معرفة العبد لنفسه، ونظره في عيوب الناس-.
النور الثاني: صون الأذن عن استماع الغمز:
يصون الداعية أذنه فيدعها في عافية من بعد ما عافى لسانه من تتبع زلات الناس وانتبه لعيوب نفسه، إذ: ليس من جارحة أشد ضررًا على العبد- بعد لسانه- من سمعه، لأنه أسرع رسول إلى القلب، وأقرب وقوعًا في الفتنة.
النور الثالث: الإقلال من الكلام:
فالداعية المسلم يجب عليه ألا يكثر من الكلام الغير مفيد لأنه قد يناله الإثم من ذلك، وأن يصلح لسانه لتصلح أعماله. يقول التابعي يونس ابن عبيد: «خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما: أمر صلاته، ولسانه»، ويقول أيضًا: «ما صلح لسان أحد إلا وصلح سائر عمله».
ولذلك كثر كلام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيان أهمية اللسان، وجعل سكوته في موطن الشبهة ترجمة الإيمان، فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (متفق عليه).
فقول الخير من الإيمان، حتى أن الكلمة الواحدة لترفع صاحبها درجات كما في قول الرسول- عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفع الله بها درجات» 2، وقد تكون هذه الكلمة من سخط الله فترديه في جهنم والعياذ بالله. يقول عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم»3.
النور الرابع: الحرص على نجاة النفس:
فالداعية إذا ولي الإمارة فليعلم أنها أمر شديد، من لم يستطع الوفاء بلوازمها فقد تعرض يوم الحساب لنقاش دقيق، وكل إنسان خير نفسه. ولهذا يقول عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه: «نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها»([1]).
النور الخامس: الإعراض عن الجاهلين:
ينبغي من الداعية أن يعرض عن الجاهلين ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199) وأن الخارجين عن الجماعة يديمون الاحتكاك بالأفراد في الجماعة حتى يبقوا مادة لتماسكهم، ولا بد من تفويت مقصرهم بالسكوت وعدم الالتفات إلى تحرشهم، مع نظرة رأفة ورحمة لهم تقود لسان أحدنا إلى أن يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
• الداعية ... كيف نريده أن يكون؟
وبعد هذا الاستعراض الشامل فإننا نريد داعية يستلم زمام الأمور في مجتمعه ويؤثر فيه ولا يتأثر. وكذلك نرى داعيتنا ساكنًا ... صامتًا ... فإذا أراد أن يحرك لسانه فإنما يغرد بقرآن أو فقه أو تسبيح أو دعوة الناس للحق، عازفًا عن الدنيا وبهرجها.
إننا نريد داعية هو في ركض إلى الله، طالبًا الاستشهاد في موقف خطبة ودعوة إلى الله، كاستشهاد عروة بن مسعود الثقفي- رضي الله عنه- حين خرج يدعو قومه إلى الإسلام، وكان فيهم محببًا مطاعًا لدرجة أنه أحد الاثنين العظماء الذين عناهما المشركون في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف:31) فلما أشرق لهم على غرفة له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله.
نريد داعية عالي الهمة كعلو همة الأسلمي- رضي الله عنه، يقول ابن القيم رحمه الله: «إذا أردت أن تعرف مراتب الهمم فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي- رضي الله عنه وقد قال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: سلني، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، وكان غيره يسأله ما يملأ بطنه ويواري جلده»([2]).
نريد داعية صادق الوعي كما صدق أنس بن النضر- رضي الله عنه: روى أنس بن مالك أن أنس بن النضر عمه غاب عن قتال بدر: «أول مشهد شهده رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم أشهده!! لئن كان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- قتال مع قريش بعد هذا اليوم ليرين الله عز وجل ما أصنع. وهاب أن يقول غير ذلك، فلما كان يوم أحد وانهزم الناس، فقال سعد بن معاذ، فاستقبلته فقال: يا سعد إلى أين؟ واهًا لريح الجنة!! إني لأجد ريحها دون أحد!! فتقدم فقاتل حتى قتل، وأصيب به بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فما عرفته أخته إلا بثيابه، فنزلت: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (الأحزاب:23) فكذلك يكون الوفاء بالعهد والعزم.
نريد داعية مبادرًا إلى الامتثال ... له ميراث من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (الصافات:103) فيمتثل كما امتثل إبراهيم لأمر ربه، فأخذ الشفرة وأهوى إلى حلق ابنه، فلم يبق هناك منازعة لا من الوالد ولا من الولد، بل استسلام صرف وتسليم محض.
نريد داعية شاعرًا بواجباته كقدوة للناس، متحملًا العذاب في سبيل ذلك، كما شعر الإمام أحمد بن حنبل حين عذب بقصر المأمون، فقال له أحد تلاميذه: يا أستاذ، لولا نطقت بما يريدون من خلق القرآن ودرات عنك العذاب، فقال الإمام أحمد: اخرج وانظر من الشرفة، فنظر فرأى أهل بغداد وقد اجتمعوا معهم الدفاتر والأقلام ينتظرون ما يجيب به الإمام ليكتبوه، فقال الإمام: أنجو بنفسي وأضل هؤلاء؟ لا.
إن مثل هؤلاء الدعاة إذا وجدوا في مجتمع فسيكون الفوز والنجاح للدعوة الإسلامية بإذن الله.
([1]) الفوائد لابن القيم ص146.
([2]) مدارج السالكين جـ3 ص147.
*****
كيف نجاهد لننتصر؟
شهد الله والملائكة وأولو العلم، وشهد واقع الحياة، أن الحق وحده بدون قوة تدعمه، ومساندة مادية، تفرض على المعاندين احترامه، وتدفع عنه تأويل المتأولين وعن أصحابه اضطهاد المستعبدين، بدون هذه القوة فهو لدى كثرة كاثرة أشبه بالباطل عنه يعرضون، بل ويصدون، وعلى المتمسكين به يتألبون، ومن أجل هدف محوه من الوجود يتجمعون، تلك سنة الحياة، وواقع الدنيا التي نعيشها، لحكمة يعلمها الله الحكيم، لعل منها أن يعلم الله من يخافه بالغيب، ومن سيصبر على تبعات الجهاد، وويلات الدفاع عن الحق، ويصابر ويرابط من أجل حماية الحرمات قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (محمد:31) وقال سبحانه ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:142) ومعنى هذا بوضوح أنه لا بد من بلاء أهل الحق بتسلط أهل الباطل عليهم ليفتنوهم ويسلبوهم ويطمسوا معالم دينهم ودنياهم، وإن هذا البلاء هو حكمة من الله ليعلم من صدق في إيمانه فجاهد وصبر، ومن كذب ونافق فجبن وأدبر، وأنه من المحال في حكمة الله أن يظفر أحد بالجنة دون أن يقدم لها ثمنها من البذل والجهاد والصبر ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة:111) ...
2- وهذا الجهاد المقترن بالصبر والتضحية، هو عدة النصر، كما يشهد الواقع فإن العاقبة دائمًا في المعارك إنما تكون لأقوى الفريقين قلبًا، وأصبرهم نفسًا، وأثبتهم لدى اللقاء يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن النصر مع الصبر» وسأل عظيم الروم قائده في إحدى الحروب بينهم وبين المسلمين قائلًا: كيف ينتصر المسلمون علينا مع قلتهم، وننهزم أمامهم مع كثرتنا؟، فرد عليه قائده «لأن المسلمين إذا حملوا علينا صدقوا وصبروا، ونحن إذا حملنا عليهم لم نصدق ولم نصبر، فقال له: ولم كانوا كذلك وكنا كذلك؟ قال: لأنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتنافسون فيما بينهم، فلا يأكل قويهم ضعيفهم ولا يظلم غنيهم فقيرهم، أما نحن فنشرب الخمر ونزني ونسرق، ونأمر بالمنكر وننهى عن المعروف، ويأكل قوينا ضعيفنا، ويظلم غنينا فقيرنا، ولا نتناصف فيما بيننا». فلما سمع منه هذا التقرير الصادق، قال: ما داموا كذلك وما دمنا هكذا، فلن نثبت أمامهم، ولن يستقر لنا معهم قرار أبدًا. وقد صدق، وعلى نفسها «حكمت» براقش ...
وثبت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سأل وفد الأزديين عن برهان إيمانهم، فكان فيما أجابوا به، يفصحون عن أخلاقهم، قولهم «نحن الشاكرون عند الرخاء، الصابرون عند البلاء الراضون بمر القضاء، الثابتون عند الحرب واللقاء التاركون للشماتة بالأعداء» فأعجب- صلى الله عليه وسلم- بما هم عليه من جهاد وثبات ومصابرة، وقال: أنتم علماء حكماء، كدتم من فقهكم أن تكونوا أنبياء ...
ولا يمكن لأية أمة تريد أن تحيا حياة الكرامة والاستقلال والرخاء أن تحقق ما تنشده إلا بالإعداد والاستعداد تلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال:60).
ولولا الجهاد والذود عن الحقوق والمقدسات بالنفس والمال وبكل مرتخص وغال لاستعلى المجرمون على الصالحين بل ولأفنوهم من الوجود، ولما قام حق هذه الحياة، ولما انتصر دين الله أبدًا وقال تعالى في بيان حكمة مشروعية الجهاد ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة:251) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (الحج:40).
4- والجهاد الذي هو عدة النصر ليس قاصرًا على لقاء العدو في ساحة القتال، بل يشمل جهاد السلاح وجهاد المال وجهاد اللسان وجهاد القلب وجهاد النفس فجهاد السلاح طعن وطعان وجهاد المال البذل في سبيل الله والإنفاق عن سعة على الجيش في البر والبحر والجو، وعدم الشح بشيء مما يستوجبه الزحف، قال تعالى مبينًا أهمة الإنفاق في الجهاد ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة:195) وفسر أبو أيوب- رضي الله عنه- التهلكة هنا بأنها البخل عن الإنفاق على المجاهدين، فإنه يؤدي إلى إضعاف الجيش ماديًّا ومعنويًّا فتضعف مقاومته للبغي، عند ذلك يسهل على العدو أن يقتحم الوطن ويستولى على مرافقه وحكمه، وهذا هو الهلاك بعينه لدنيا الناس ودينهم ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف:20) وأما جهاد اللسان، فالدعوة إلى الحق والانتصار له وتقوية الروح المعنوية للجيش والشعب، بحسن الدعاية والتبشير بقرب الفتح وهزيمة العدو، ورب كلمة أقوى في دفع الطاقات من مدافع وقنابل، وأما جهاد القلب، فهو أن تكون القلوب في جهادها مخلصة لله تعالى، لا نريد بالحرب إلا إعلاء كلمة الله، ونصر الحق، ودفع الظلم وإنصاف المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، حتى يكون الله لها مؤيدًا ونصيرًا، وكلما صلحت النية كلما أسرع المدد من الله ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40)، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (المدثر:31) ولهذا سأل رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل حمية (أي غضبًا وتعصبًا) والرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، فمن منهم في سبيل الله؟ فقال- صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» ثم تلا قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110)، وهذا الشرط في إخلاص النية لضمان النصر يتفق تمامًا مع قوله تعالى موضحًا الفرق بين هدف الكافر في الحرب، وهدف المؤمن فيه ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ -أي الطغيان والظلم- فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء:76).
وأما جهاد النفس الضامن للنصر، فهو ملازمة الفضيلة، ومجانبة الرذيلة واصطحاب تقوى الله على كل حال، فإن التقوى هي زاد النصر ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:47) ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7) والمعاصي هي أشد فتكًا بالجيوش والشعوب من أعدائها وذلك من ناحيتين:
أولاهما: إن المعاصي شهوات تصرف عن الجد في العمل وعن معالي الأمور ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء:27) ولا وقت عند العاصي لنصر دين أو فداء وطن ...
وثانيتهما: إن المعاصي محل سخط الله ومقته، ومتى سخط الله ومقت فمن أين يأتي النصر؟ ولقد مضى في حديث قائد معركة الكفر والظلم مع الروم خير شاهد لهذا، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- كثيرًا ما يتلقون وهم في ساعة الجهاد من قوادهم نصائح الإيمان والتقوى، والتحرير من الذنوب، أرسل عمر إلى سعد بن أبي وقاص قائده يوصيه ومن معه بتقوى الله وإقام الصلاة والبعد عن المعاصي، قال: فإن ذنوب الجيش أشد عليه من عدوه.