العنوان الحياة السياسية والحزبية والاقتصادية والفكرية في الاتحاد السوفيتي
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1984
مشاهدات 65
نشر في العدد 691
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 13-نوفمبر-1984
تحتفل جمهوريات الاتحاد السوفيتي هذه الأيام بمرور ٦٧ عامًا على الثورة البلشفية الشيوعية التي اندلعت في أكتوبر عام ۱۹۱۷ بالتقويم الروسي القديم والذي يصادف 6 نوفمبر بالتقويم الميلادي.
ونحب أن نقدم هنا بعض الخلفيات للفكر الشيوعي وتقييمًا موجزًا للتجربة الشيوعية في روسيا والذي يدعونا لذلك سببان وجيهان:
الأول: أن روسيا تحتل باسم الشيوعية جمهوريات إسلامية عددها سبعة، وعملت بكل ما أوتيت من قوة وبطش وأساليب همجية لمحو كل أثر للإسلام في هذه الجمهوريات ونشر الفكر الإلحادي بين مسلمي تلك البلاد فضلًا عن المحاولات المستمرة لابتلاع بلاد إسلامية أخرى مجاورة والاحتلال السوفيتي لأفغانستان دليل قاطع على ما نقول، فأطماع روسيا الشيوعية هي نفس أطماع القيصرية.
الثاني: أن الشيوعية تؤمن بالأممية وتعمل روسيا على نشر الفكر الشيوعي في جميع أنحاء العالم ومنطقتنا العربية والإسلامية كانت من أكثر المناطق التي تعرضت للغزو الفكري الشيوعي مما نتج عنه وقوع عدد كبير من أبناء الأمة فريسة هذه المحاولات وما انتشار الأفكار اللا دينية وتأسيس الأحزاب المعادية للإسلام بأسماء ومسميات شتى إلا نتيجة طبيعية لجهود الشيوعية العالمية.
منبت الفكر الشيوعي:
مؤسس الفكر الشيوعي وناشره هو كارل ماركس اليهودي المعروف وقد نشر «المنفستو» البيان الشيوعي في منتصف القرن الماضي مع زميله أنجلز مستغلين الأجواء العلمية والسياسية في أوروبا التي دخلت في ظلمات اللادينية بعد أن اعتقدت أنها خرجت من ظلمات التعسف الديني لرجال الكنيسة.
والشيوعية فكرة يهودية صرفة تولى نشرها وإشاعتها بين الشعوب دهاقنة اليهود وعلى رأسهم كارل ماركس الذي كان صهيونيًّا متحمسًا اتخذ الشيوعية وسيلة وحيلة لتحقيق مآرب بني قومه عونًا منه في حمل بعض العبء في هدم وتخريب الأوطان والأديان ليخلو الجو لليهود للسيطرة على «الجوييم» لتحقيق سيادة بني إسرائيل على العالم وفقًا لنبوءة «يهوا» في العهد القديم.
وعندما قامت الثورة الشيوعية واستولت على بلاد الروس كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي مؤلفة من ۱۲ عضوًا تسعة منهم من اليهود على رأسهم برونشتاين الملقب بتروتسكي واثنان من أعضاء اللجنة كانا متزوجين من يهوديات هما لينين الذي أمه يهودية وستالين الحاكم من بعده بالحديد والنار.
وفي عهد ستالين تألفت اللجنة من ٥٩ عضوًا منهم ٥٦ عضوًا يهود والثلاثة الآخرون متزوجون من يهوديات.
إن الذين تولوا رعاية لينين وقاموا بتحويله منذ أواخر القرن الماضي بعد إعدام شقيقه هم رجال المال اليهود المعروفين وفي مقدمتهم يعقوب شيف الذي كان الممول الرئيسي لحركات الإرهابيين في روسيا منذ عام ۱۸۹۷ ودفع الأموال الطائلة للمساعدة في إنجاح الثورة التي نشبت عام ۱۹۰۵ بقيادة مارنتوف واسمه اليهودي الحقيقي «يوري تسدير بلوم» زهر المنشفيك وزميل لينين منذ الصبا حيث ألف جمعية ماركسية على نطاق عالمي في سويسرا أسموها «جماعة تحرير العمال» وساعد يعقوب شيف هذا في تمويل الثورة ۱۹۱۷ ونظم حملة عالمية لهذا الغرض كما أن أصحاب المصارف العالميين م. م وار بورغ وأولاده بذلوا المساعي لتسهيل اتصال لينين بالقادة العسكريين الألمان إبان الحرب العالمية الأولى لتيسير دخوله لروسيا.
إن الرجلين اللذين كانا يكونان مع لينين «الترويكا» التي قادت الثورة والحزب الشيوعي هما كامينيف واسمه اليهودي «روز بنفيلت» وزينوفيف واسمه اليهودي «أبفليوم». وهكذا نرى الأصل اليهودي للحركة الشيوعية منذ نشأتها وإرسائهم لدعائم الحزب الشيوعي الروسي تعتبر حقائق تاريخية ثابتة لا يجادل فيها إلا الذين تعاطوا أفيون الثورية من العرب. وما زالوا يعيشون تحت تأثير هذا السم الزعاف.
نعم لقد لاحظ الكثيرون تنديد بعض الشيوعيين اليهود بستالين لما قام به الأخير من تصفية للمنشفيك، ولكن التنديد اقتصر على ستالين ولم تمس العقيدة الشيوعية بسوء، ولم نسمع مطلقًا نقدًا للشيوعية من اليهود لا في الماضي ولا في الحاضر، والخلاف الشكلي القائم بين السوفيت وإسرائيل خلاف مظهري لجلب مزيد من يهود روسيا إلى أرض فلسطين حيث كانت روسيا ثاني دولة تعترف بإسرائيل ودافع عنها جروميكو عام ١٩٤٧ في الأمم المتحدة أكثر من أمريكا، كما أن نشأة الأحزاب الشيوعية واللا دينية في بلاد العرب كانت على يد اليهود. وهكذا نعلم أن الشيوعية يهودية المنبت والمنشأ والهدف من نشرها هدم الأوطان والأديان.
الفلسفة الشيوعية:
الأسس الفكرية للشيوعية تقوم أساسًا على الإلحاد وإنكار وجود خالق مدبر لهذا الكون وتعتبر الشيوعية الأديان أفيون الشعوب وتعتمد في نظريتها هذه على آراء ومقولات دارون وتدعي أن العلم والدين نقيضان لا يجتمعان وما الدين إلا اختراع خيال الذين يريدون استغلال الشعوب بتخديرهم بالملذات والنعيم الأخروي لمآرب دنيوية لهؤلاء الاستغلاليين!!
وتدعو الشيوعية إلى سحق كل طبقات المجتمع ما عدا طبقة العمال «البروليتاريا» باعتبارها الطبقة المسحوقة المستغلة وهي تؤمن بحرب الطبقات إلى أن تتسلم الطبقة العاملة مقاليد الحكم على أنقاض الطبقات الأخرى. وللوصول إلى هذه الغاية يبررون كل الوسائل اللاأخلاقية واللاإنسانية.
وتنكر الشيوعية الملكية الفردية وتدعو إلى ملكية الدولة لكل وسائل الإنتاج صغيرها وكبيرها ويعمل المواطنون أجراء لدى الدولة.
هذه هي أهم الأسس الفكرية التي تقوم عليها الشيوعية وتؤسس عليها دولتها في واقع الحياة وهي:
- الإلحاد.
- ضرب الطبقات وتسليم السلطة لطبقة البروليتاريا.
- إلغاء فكرة الملكية الفردية.
فما نتائج التطبيق العملي لهذه الأفكار في مدى ٦٧ عامًا.
الدولة من الناحية الفكرية:
منذ أن تسلمت الشيوعية في روسيا الحكم عام ۱۹۱۷ ألغت أي دور للدين فقامت بقتل وتعذيب وتشريد رجال الدين وأغلقت دور العبادة وحولتها إلى متاحف أو إسطبلات للخيول وفي أحسن الأحوال مراكز للحزب الشيوعي. كما أحرقت وأتلفت كل الكتب الدينية وأغلقت المدارس والمعاهد المتخصصة لتدريس الدين.
وفي المقابل غيرت مناهج التعليم في جميع المراحل وصارت مواد الإلحاد واللينينية الماركسية والاقتصاد السياسي موادًّا أساسية من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية إلى يومنا هذا، حتى الطلبة الأجانب تفرض عليهم دراسة هذه المواد ولم تنفع احتجاجاتهم وتدخل سفاراتهم فتيلًا.
ودستورهم الذي وضعه ستالين يبيح حرية الدعوة ضد الدين ويحظر أي نشاط ديني ويعده جريمة ونشاطًا هدامًا!
وحدثني كثير من أبناء من كانوا مسلمين أنهم كانوا يتعرضون للعقاب البدني والمعنوي إن أدوا الشعائر التعبدية مما أدى بهم إلى اعتناق الفكر الإلحادي قسرًا وقهرًا. وواقع الأمر أن الدين الإسلامي والدين المسيحي تعرضا للمحو الكامل وتحولت الغالبية العظمى من أصحاب الديانتين إلى الشيوعية ومن بقي منهم على دينه يكتم إيمانه ولا يظهره لأحد، في حين أنه من الملاحظ أن اليهود بقوا بعدديتهم على دينهم ولم يطلهم الأذى والبطش مما يدل على صدق قولنا بأن الشيوعية نبتة يهودية أبًا وأمًّا.
الحكم استبدادي:
النظام الشيوعي نظام ديكتاتوري استبدادي بشع لم تعرف البشرية له نظيرًا، ولا يؤمن هذا النظام بالديمقراطية ولا بالرأي الآخر أيًّا كان هذا الرأي حتى ولو داخل الحزب الشيوعي نفسه.
الحزب الشيوعي السوفيتي هو الحزب الوحيد الحاكم ولا يسمح بنظام تعدد الأحزاب في الشيوعية ولو في إطارها والحاكم الفعلي رجل فرد هو السكرتير العام للحزب وبهذه الصفة.
فإن النظام الشيوعي نظام فردي كما هو واقع الأمر. فقد كان لينين حاكمًا فردًا وكذلك من جاءوا بعده ستالين وخرتشوف وبريجينيف وأندر وبوف وتشيرنينكو. ولا يجرؤ أحد أن يرفع أصبعه معترضًا على رأي الحاكم الفرد أو مقترحًا شيئًا لا يوافق عليه، فإن مصيره العذاب الأليم. فأي نظام هذا الذي لا يبيح الحرية حتى لأتباعه المخلصين!!
من أقوال خرتشوف المأثورة أنه قال: إن أحدنا كان يخرج من اجتماعات الحزب أيام ستالين وكان لا يدري أيصل إلى بيته آمنًا أم يتسلمه رجال البوليس السري إلى حيث لا يدري أحد.
ويقبض الحزب على جميع أجهزة الإعلام بيد من حديد حتى لا يتسرب رأي معارض ولو تلميحًا، فالصحف حكومية باهتة كتلك التي تصدرها الأجهزة الحكومية الديكتاتورية في عالمنا العربي والإسلامي إذ إن هذه الحكومات والأنظمة تقليد لذلك النظام.
والسؤال: هل الحكم في يد الطبقة العاملة «البروليتاريا» والجواب القاطع: لا.
الذين يحكمون الاتحاد السوفيتي من خريجي معهد متخصص في الدراسات الشيوعية. فلم يكن لينين عاملًا ولا ستالين ولا خرتشوف ولا بريجينيف ولا يتوقع أحد أن يأتي عامل مصنع أو مزارع إلى الحكم، إنما هو مجرد استغلال لهذه الطبقة ودغدغة لأحلام هؤلاء ولا نصيب للعمال والزراع في الحكم، وهكذا صارت الشيوعية بحق هي أفيون الشعوب.
تجري انتخابات صورية لانتخاب مجلس السوفيت الأعلى وهو البرلمان حيث هنالك مرشح واحد فقط في كل دائرة من الحزب الشيوعي.
ويأتي الفرد ليدلي بصوته لهذا المرشح وهكذا توجد صناديق اقتراع ومرشح وناخبون ولا توجد ديمقراطية إلا ديمقراطية ٩٩,٩٩٩٪ ويتساءل كثيرون في الوطن العربي والإسلامي من أين جاءت بدعة الفوز بنسبة سلسلة التسعات؟
ونحن نقول لهم من عند المراكسة. ما زالت بلاد السوفيت وبعد مضي سبعة عقود من الزمان ترزح تحت نير الأحكام العرفية والطوارئ التي تحظر حق الإضراب والاحتجاج وحق المظاهرة وحق تكوين الأحزاب، وما إلى ذلك من الحقوق الإنسانية المعروفة. فلا القضاء مستقل ولا الجامعة ولا سائر الأجهزة، فالفرد لا قيمة له إطلاقًا وليست له أبسط الحقوق التي يتمتع بها أي فرد في العالم.
وأجزم بصدق لو أن الحريات أطلقت في روسيا فلن تعيش الشيوعية أكثر من يوم أو بعض يوم، ثم تصار إلى خبر كان كما يقولون فهي بحق نظرية لا تعيش إلا بالحديد والنار والكبت والإرهاب.
الاقتصاد خراب:
ضحى الشعب السوفيتي المسكين بأهم مقومات الحياة المعنوية والروحية التي تميز الإنسان عن الحيوان، وهي الدين والحرية الشخصية والملكية الفردية مقابل وعود معسولة بجنة أرضية تزيل النصب والتعب، ولا يصاب فيها الإنسان بمخمصة ولا عرى!! فهل يا ترى حققت الشيوعية تلك الجنة لشعوبها أم ما زالت تطالب بالتضحيات من أجل الأجيال القادمة إذ إن تضحيات سبعين عامًا لا تكفي؟
الواقع الذي شاهدناه وعايشناه والذي لا يستطيع مكابر أن يحاول فيه هو أن الشيوعية بعد كل هذه التضحيات لم تحقق شيئًا يذكر ويستحق تلك التضحيات.
المستوى المعيشي للفرد في روسيا لا يقارن أبدًا بمستوى الفرد في أي دولة أوروبية. فهو هناك محروم من أي حق للملكية فلا حق له في ملكية المسكن أو الحانوت صغيرًا كان أو كبيرًا ولا شيئًا مما يكبر أو يصغر في صدورهم، فكل شيء ملك للدولة وهو يعيش على مرتبه فقط وهو ضئيل لا يفي حتى للحاجات الضرورية بالكاد.
وقد يظن بعض الناس أن هناك مساواة مطلقة بين الجميع وأن الفوارق الطبقية قد انتفت وزالت من المجتمع السوفيتي، وهذا ظن كاذب إذ إن الطبقات موجودة بين الناس وبين المدينة والريف، نتيجة حتمية للنظام الشيوعي فقد نشأت طبقة قيصرية ظالمة بل هي أشد ظلمًا من القيصر نفسه، وتمتلك هذه الطبقة مالا تملكه أي طبقة حاكمة في العالم الحديث والقديم.
وتتكون هذه الطبقة من الأعضاء الكبار في الحزب الشيوعي الحاكم الذي تحول إلى جهاز حكومي أكثر منه حزبًا سياسيًّا، وقد استأثرت هذه الطبقة بامتيازات خيالية خاصة لا يمتاز بها حتى الملوك والأباطرة الذين حكموا أوروبا في القرون الوسطى باسم «الحق الإلهي».
هذه الطبقة لها الحق في أن تستورد حاجياتها الاستهلاكية من الخارج، وذلك لسوء الصناعة الداخلية في المأكل والملبس. كما لها الحق في امتلاك السكن المريح الخاص والمصايف والمنتجعات الخاصة، ولهم أن يمتلكوا دون غيرهم السيارات الفاخرة الفارهة فمن الطبيعي أن نشاهد بندرة سيارات «شايكا» السوداء الفخمة الخاصة بكبار أعضاء الحزب في حين أن السيارات الخاصة حتى الصغيرة من «الفولجا» و«موسكوفتش» لا يستطيع أن يمتلكها حتى أساتذة الجامعات.
باختصار هذه الطبقة تعيش في رغد من العيش بينما تعيش طبقات المثقفين والعمال في ضنك ونكد.
وهنالك تفاوت في مرتبات العاملين يكرس الفوارق الطبقية فمرتب المهندس ليس كمرتب الطبيب، ومرتب الطبيب يفرق عن مرتب الصيدلي ومرتب العامل الحرفي أكثر من مرتب العامل العادي، وهكذا ترى سقوط الشعار المعسول الذي رفعته الشيوعية «كل يعمل حسب طاقته وكل يأخذ حسب حاجته». كما سقطت شعارات كثيرة عندهم وعند مقلديهم هنا في الوطن العربي مثل «مجتمع الكفاية والعدل» «تحالف قوى الشعب العاملة» الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب إلى آخر تلك الشعارات الفارغة المحتوى.
وإننا نجد أن الشعب السوفيتي مازال يقف في الصفوف ليبتاع أي شيء حتى البصل وذلك لسببين: الأول: أن التجارة غير حرة فلذلك تجد أن عدد الحوانيت التي تبيع ما يحتاجه الإنسان لقوت يومه قليل، والسبب الثاني: قلة إنتاج المزارع والمصانع لانعدام الحافز، فالشيوعية تعامل الإنسان كحالة منتجة ناسية الفطرة البشرية التي لا تقهر ولو بجميع وسائل القهر.
خلاصة القول إن الشيوعية لم تحقق الرفاهية للشعوب التي تعيش تحت حكمها ومازال الفقر المدقع هو سمة الشيوعية البارزة. وما ذهبت الشيوعية إلى بلد إلا وقال لها الفقر: خذيني معك. انظروا إلى أي بلد ذهبت إليه الشيوعية أو بعض مفاهيم الشيوعية سواء في أوطاننا أو أي بلد آخر، هل نالوا خيرًا؟! أم نالوا الخراب والدمار واكتسبوا الفقر مع الذل والهوان؟
ورب سائل يسأل: كيف توفق بين ما نقول من تردي الأوضاع الاقتصادية في روسيا وبين ما نسمع من تقدم الاتحاد السوفيتي ومنافستها للولايات المتحدة كأكبر دولة في العالم؟
وجواب ذلك أن روسيا قد وجهت فعلًا رؤوس أموالها إلى فروع من الاقتصاد دون غيرها ووظفت طاقات البلاد إلى إنتاج آلات الدمار والموت وإهمال فروع أخرى وأهملت ضروب الإنتاج التي تنهض بحاجات السكان.
ومرد ذلك كله أن البلاشفة ساروا في التخطيط الاقتصادي وفق مصالح السياسة الحزبية وليس وفق احتياجات البلاد الاقتصادية وهذه السياسة هي التي تضطر معها روسيا إلى شراء القمح وكثير من المواد التموينية من دول الأنظمة الرأسمالية وعلى رأسها أمريكا، مع أن الأراضي الزراعية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي أوسع بكثير من تلك التي في أمريكا ولكن كيف ينتج المزارعون لمن ينهبهم ثمرات أتعابهم وذلك بتطبيق نظام الشراء القسري للمحاصيل وإعطائهم أجورًا لا تفي بأدنى ضروريات الحياة.
وقد لا يعرف كثير من الناس أن الاتحاد السوفيتي تعرض لمجاعات حقيقية منذ عام ۱۹۱۷ ولاسيما تلك الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية؛ حيث مات ما يقرب من سبعة ملايين جوعًا وتفشت الأمراض الوبائية والأوجاع التي لم تكن معروفة من قبل، وأن روسيا كانت تعتمد كليًّا على شحنات المواد الغذائية من دول الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية.
والروس مغرمون بالصناعات الثقيلة لأن لينين وهو في الأصل محام لا يفقه شيئًا في الاقتصاد قال مقولة أصبحت من المحفوظات التي لو تخلوا عنها صاروا مرتدين!! فقد وجههم إلى التصنيع والإنتاج الحربي لأنه الوسيلة لتحقيق الثورة العالمية وبسط نفوذ الشيوعية على العالم.
وقد جاء الروس بهذه العقلية إلى مصر في عصر التحالف العضوي الذهبي بين الشيوعيين وعبد الناصر ونفذوا أهم مشروع في مصر وفق هذا التصور ألا وهو السد العالي. فهذا السد كان مخططًا له من قبل أصلًا لإصلاح وري الأراضي الصالحة للزراعة في مصر للتوسع في الرقعة الزراعية ولكنهم عندما جاؤوا رفعوا شعار التصنيع من الإبرة إلى الصاروخ وأهملوا الجانب الزراعي المهم وأخضعوا هذا العمل الفني الضخم إلى السياسة لتحقيق مكاسب وأمجاد شخصية ضيقة مما نتج معها آثار سلبية مدمرة تعاني منها مصر الآن.
كما أن التوجيه الشيوعي جعلت مصر الناصرية تبني مصانع عديدة دون أن يكون لديها القدر الكافي من المواد الأولية لتشغيلها وكثيرًا ما تقوم هذه المصانع بإنتاج مواد رديئة النوعية غالية الثمن مما كان سببًا في تدمير الاقتصاد المصري مع مرور الزمن، وليس هذا حال مصر وحدها وإنما هي حال كل تلك الدول التي سارت على درب الشيوعية.
الرشوة والاختلاسات والسرقات وسوء استخدام الاعتمادات المالية تعتبر من الأمور العادية في النظام الشيوعي على أساس أن مال «الميري سايب» فالكل ينهش في جسم الدولة لأن هذه هي الفرصة ولا يظنن أحد من أولئك الذين يتحدثون عن أعوام الرمادة أن الدافع الوحيد للسرقة هو الفقر والجوع. فالفقر قد يغري بالسرقة لسد باب الجوع ولكنه ليس دافعًا إلى ارتكاب الاختلاسات ونهب أملاك الدولة بل إن الدوافع الأساسية لهذه الأعمال تعود إلى طبيعة النظام الذي يجعل الممتلكات غير عائدة لأحد مما يخلق الأجواء المناسبة لوقوع أعمال السرقة والنهب والاختلاس وما هو واقع في كثير من بلادنا خير شاهد على ما نقول، فممتلكات الدولة هي المعرضة للخسارة والضياع.
ورغم الأحكام القاسية التي تصل إلى درجة الإعدام فإن الدولة الشيوعية معرضة باستمرار للنهب والسلب ولن تتوقف هذه العملية أبدًا ما دام نظام ملكية الدولة لكل الأشياء هو السائد.
غني عن البيان أن روسيا لم تبلغ مرحلة الشيوعية ولن تبلغها أبدًا لأن لله سننًا لا تبديل عنها ولا تحويل بل إن المرء يلاحظ تراجع الفكر الشيوعي المستمر بدلًا من التقدم لتحقيق الحلم الضغث.
وقد كان خرتشوف كاذبًا عندما أطلق التصريحات والوعود عام ١٩٦١ بأن روسيا ستصل مرحلة الشيوعية بعد عشرين عامًا أي عام ۱۹۸۱ وها قد مرت الأعوام وكرت السنون ولم يتحقق شيء. من النكات التي أطلقت في ذلك الزمان؛ أن رجلًا روسيًّا سأل آخر: لماذا يصرح خرتشوف دائمًا بأننا سنلحق بأمريكا بعد كذا سنة ولا يقول بأننا سنتخطاهم ونسبقهم، فرد الآخر: إذا فتنا الأمريكان فإنهم سيرون أن بنطلون كل واحد فينا مرقع من الخلف!!
الحياة الاجتماعية:
واقع الحياة الاجتماعية في روسيا بشع للغاية لأن الشيوعية تجعل من الإنسان مخلوقًا مسخًا لا يهتم إلا بمطالب الحيوان من طعام وشراب وجنس ومنام وشعارهم:
إنما الدنيا طعام وشراب ومنام *** فإذا ما شك هذا فعلى الدنيا السلام
وقد نتج عن تطبيق النظام الشيوعي تفكك للأسرة خطير فمن المعروف أن الأسرة لا تكون بمفهومها الراقي النظيف في مجتمع ملحد يلغي أي دور للدين ولا يحسب لتعاليم الأديان أي حساب. لقد وعدت الشيوعية بنيها بمشاعية الجنس والحريات الوحيدة المسموح بها هناك هي الحريات الجنسية، فمن لا يستحي يفعل ما يشاء فاختلطت الأنساب وتهدمت الأسر، وقل الزواج وكثر الطلاق بل إن الدولة نفسها لا تشجع الزواج وتضع الرسوم والقيود المالية لذلك، مع أنها أباحت الطلاق وسنت عام ١٩٦٦ قانون مجانية الطلاق ومما يبعث في النفس التقزز أن صحيفة «موسكو المساء» «فيدنياموسكوفا» تنشر كل يوم في صفحتها الأخيرة إعلانات من المحكمة للراغبين في الطلاق والأسباب الداعية لذلك، مما يعد هتكًا مفضوحًا للأسرار العائلية لا يرضى بها حتى بعض فصائل الحيوانات ناهيك عن بني الإنسان.
أما الأولاد فهم ملك للدولة لأنهم أدوات الإنتاج في المستقبل يربونهم من الصغر على أن أمهم هي الحزب الشيوعي السوفيتي وأبوهم هو زعيم الحزب ويغرسون في نفوسهم منذ الطفولة مفاهيم الإلحاد ومبادئ الشيوعية ومنها الولاء للدولة فقط. وأن الولاء للأسرة خرافة يؤدي إلى حب الملكية الفردية والملكية الفردية تؤدي بدورها إلى المنازعات والمشاحنات والحروب مما يسبب شقاء الإنسان واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
يقال أن نيكيتا خرتشوف ذهب مرة إلى روضة الأطفال وسأل طفلًا: من أبوك فرد الطفل: أبي نيكيتا خرتشوف فسر الرجل وسأله ومن أمك فقال الطفل: أمي هي الحزب الشيوعي السوفيتي فسر خرتشوف جِدًّا. وسأله ماذا تتمنى وتطلب يا بني؟ فقال الطفل: أتمنى أن أكون يتيمًا!!
ولا أثر للأخلاق في المجتمع الشيوعي؛ لأن الأخلاق عندهم ترف برجوازي ابتدعه الدين لإلهاء الناس عن متع ومباهج الحياة مقابل وعد بنعيم الآخرة.
فتصور أخي مجتمعًا متحررًا من كل القيود الأخلاقية والمفاهيم الإنسانية؛ كيف يكون الحال فيه، وكيف تكون علاقات الناس بعضهم ببعض.
إن أقل وصف يطلق على المجتمع السوفيتي أنه مجتمع جاهلي وثني بهيمي فكرًا وخلقًا وسلوكًا ومشاعر ولا يرجى أي خير للبشرية من تطبيق الشيوعية وخير لنا جميعًا أن نكون خارج حدود خيرات الماركسية لأنها خيرات ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله العذاب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل