العنوان الحياة النيابية السليمة.. الطريق إلى استقرار الجبهة الداخلية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1980
مشاهدات 57
نشر في العدد 503
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 04-نوفمبر-1980
فكرة توزيع السلطة:
لم تعرف النظم البدائية فكرة توزيع السلطة، فقد كانت السلطة حقًا شخصيًا للحاكم اكتسبه بفضل ما يمتاز به من صفات أو مواهب خاصة به، وفكرة توزيع السلطة لم تكن لتثور في تلك المجتمعات البدائية نظرًا إلى أنها كانت مجتمعات غير متمدنة، مشاكلها محدودة، وبالتالي لم تقم ضرورة لمعرفة ما إذا كان الأصلح تركيز السلطة أو توزيعها، ولا شك في أن تركيز السلطة في يد حاكمٍ فردٍ أو في أيدي هيئةٍ حاكمةٍ واحدةٍ يشكل خطرًا كبيرًا على حقوق وحريات المحكومين، وغالبًا ما يغري الحاكم أو الهيئة الحاكمة بالاستبداد والطغيان. وليس معنى ذلك أن تركيز السلطة مرادف للسلطة المستبدة، ليس ذلك إطلاقًا؛ لأنه ليس ثمة مانعٌ منطقيٌّ من أن يكون الحاكم الذي يستجمع بين يديه جميع الامتيازات المرتبطة بالسلطة، حاكمًا صالحًا، يستمع إلى شكايات المحكومين ويستهدي في ممارساته لاختصاصاته بمطالبهم ورغباتهم ويحترم حرياتهم وحقوقهم، هذا من الناحية النظرية المجردة.
ولكن من الناحية العملية أثبت التاريخ أن تركيز السلطة غالبًا ما يعرض حريات وحقوق المحكومين للخطر والضياع، وأن الحاكم الذي يركز السلطة بين يديه كثيرًا ما يستخدمها لتحقيق أغراضه الشخصية، وإشباع نزواته الخاصة، أوعلى الأقل لا يأبه في ممارساته لاختصاصاته برغبات المحكومين ومطالبهم؛ لذلك قام ارتباط فعلي بين نظم تركيز السلطة والنظم الاستبدادية، درءًا لهذا الخطر كان لابد من توزيع السلطة.
فتوزيع السلطة بين هيئات حاکمة مختلفة يجعل من كل هيئة رقيبًا على الهيئات الأخرى، فيمنعها من الخروج على حدود وظيفتها ويحول بينها وبين الاستبداد بما في أيديها اختصاصات.
الدورة الأرسطية.
في هذا المجال - كيفيات توزيع السلطة- انحصرت معظم اجتهادات فقهاء علم السياسية عبر التاريخ؛ ذلك لأنه في هذا المجال تتحدد طبيعة العلاقة بين الحاكم أو الهيئة الحاكمة والمحكومين من أبناء الشعب، ولقد جاء أرسطو باعتباره من أجداد علم السياسة بالدورة الأرسطية التي يفسر بها أرسطو كيفية تعاقب النظم والأدوار التي تمر بها الدولة، فالدول – يقول أرسطو- : تبدأ بنظام ملكي صالح، وهو ما نسميه في الفقه الحديث نظام الملكية الأبوية، ولكن ما يلبث الملك أن يستبد بالرعية ويستغل الحكم لمصلحته الشخصية، فتقوم الثورة التي تطوح بالنظام الملكي، وتحل محله حكم الأقلية من قادة الثورة والأرستقراط.
وهذا النظام يبدأ صالحًا هو الآخر، ولكنه يفسد مع الزمن، إذ سرعان ما تستبد هذه الأقلية بالحكم وتستغله ضد مصالح الأغلبية الشعبية، فتندلع ثورة جديدة تقيم نظامًا شعبيًا يستند إلى إرادة الأغلبية، ولا شك في أن هذه النظرية الأرسطية تنطوي على جانب كبيرٍ من الصحة أكده التاريخ في كثير من البلاد، وجاءت اجتهادات كثيرة من فقهاء السياسة الذين تلوا أرسطو لإيقاف هذه الدورة الأرسطية المرعبة التي تؤكد الرابط الوثيق بين التفسخ في النظام الحاكم وبين سقوطه، جاءت اجتهادات فقهاء السياسة لدرء كل أسباب التفسخ وتحصين النظام السياسي من أعراضه وعوامله، وما الفكرة النيابية إلا وسيلة معقولة ومقبولة تَوصَّل إليها الاجتهاد البشري لصيانة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولدرء وتحصين النظام السياسي من كل أعراض التفسخ والترهل والتفتت، وما من شك في أن نسب نجاحها في كثير من الأقطار يدلل على الفوائد الكثيرة التي من الممكن أن تستفيدها الشعوب في ظلها وفق معطيات الظروف الحالية في العالم الإسلامي.
الحياة النيابية تنظيم عصري لمفهوم الشورى الإسلامي:
لقد أمر الله تعالى بالشورى في قوله سبحانه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159) والأصل في الأمر كما هو مقرر عند جمهور العلماء يكون للوجوب مادام أمرًا مطلقًا غير مقيد، ويؤكد وجوب الشورى أيضًا قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38) بيانًا لأوصاف الجماعة الإسلامية وخصائصها وفيه تقنين الشورى وهي عماد الدنيا بالصلاة عماد الدين، كما تجيء واسطة العقد في نظام الجماعة الإسلامية القائم على الإيمان بالله والتوكل عليه والاستجابة لأحكامه واجتناب الكبائر وإقامة الشعائر الإسلامية والاعتماد الشورى والإنفاق في سبيل الله ومصلحة الجماعة ورد الاعتداء بمثله، ونحن إذا نظرنا في كل ذلك لا نجد في الآية إلا واجبات مفروضة وملزمة للمسلمين، وإذا كان بعض العلماء يذهب في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159) إلى أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه إنما كانت تطييبًا لخواطرهم وتأليفًا لقلوبهم لا للعمل بها ووجوبها؛ ذلك لعدم حاجة الرسول صلى الله عليه وسلم الشورى والوحي يرعاه ويسدد رأيه، فإن هذا ليس معناه تعميم الحكم بالنسبة لغيره من الحكام لوجود الفارق الجوهري بينهم عليه السلام كنبي يوحى إليه وبين غيره من الحكام؛ ولذلك نجد الفقيه الحنفي الجصاص يقول: إنه غير جائز أن يكون الأمر بالمشورة على جهة تطيب نفوس الصحابة وأقدارهم، كما يذكر بعض الفقهاء؛ لأنه لو كان معلومًا عند المستشارين أنهم إذا استنفذوا جهدهم في استنباط حكم ما شوروا فيه وصلهم الرأي فيما سئلوا عنه ثم لم يكن ذلك به ولا يتلقى بالقبول لم يكن في ذلك تطيب نفوسهم بل في ايحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معمول بها.
ثم أننا نجد جمهور الفقهاء والعلماء الحديثين يقولون: بإن الشورى واجبة وليست مندوبة، وفي مقدمتهم السيد محمد رشيد رضا والأستاذ عبد الوهاب خلاف، كما يذهب الشهيد عبد القادر عودة هذا المذهب ويؤكد أن الشورى لن يكون لها معنى إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية [1]. ولكن كيف تتم المشاورة؟ وكيف بالإمكان تنظيم الشورى الواجبة شرعًا نصًا وروحًا في هذا العصر؟ الواقع أننا لا نجد في الشريعة نظامًا محددًا يؤدي إلى ذلك، مما يدل على أن تنظيم هذا الأمر متروك لتقدير الأمة لا لطرف من أطرافها، إذن على الدول في الإسلام أن تضع النظام اللازم الذي يمكن الأمة من ممارسة حق الشورى وضمان سلامة تلك الممارسة الشرعية ومثل هذا الأمر ضروري ولازم.
ولإثبات وكالة النواب عن الأمة بالتوكيل الصريح لابد من إجراء انتخابات عامة؛ لأن التوكيل الضمني - الذي كان يعتمد عليه أيام الخلافة الراشدة نظرًا لصغر الجماعة الإسلامية، يتعذر حصوله في الوقت الحاضر نظرًا لاتساع الأمة الإسلامية في أقطارها المختلفة.
جابر العلي وحكاية النخبة:
(1) بادئ ذي بدء لابد من التقرير مسبقًا بأن جابر العلي لم يكن صاحب نظرية جديدة وهو يتحدث إلى جريدة الأنباء الكويتية الصادرة الثلاثاء 19 ذي الحجة 1400 حول ما أسماه بـ «مجلس النخبة»، وهناك كتابات كثيرة في الفقه السياسي تناولت مفهوم النخبة فتوماس هوبز، وجايتانو موسكا، وفيلفر يدو باريتو، وأرسطو، وغيرهم كتبوا أبحاثًا مسهبة حول فكرة النخبة وجدواها في تسيير ماكينة القرار السياسي.
وفكرة النخبة مربوطة بفكرة حكومة الأقلية أو - كما يسميها أرسطو- حكومة الأوليجادشيه وهنا تكون السلطة في يد عدد محدود من الأفراد، فلا ينفرد بها شخص وحده كما في النظام الملكي المطلق أو في النظام الدكتاتوري، كما أنها ليست ملكًا للشعب في مجموعه كما يكون في الحكم الديمقراطي بل تكون السلطة بيد طبقة من المتميزين من حيث الأصل أو العلم أو المركز الاجتماعي أو الثروة، وهذه بطبيعة الحال من الأشكال السياسية التي يرفضها الإسلام ولا يقرها حيث أنها تقوم ابتداءً على فكرة التمييز الاجتماعي بين المسلمين، وهي فكرة ينبنها القرآن وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام نصًا وروحًا.
وحكم الأقلية -أو حكم النخبة الذي يتحدث عنه جابر العلي- يعد حلقة في الدورة الأرسطية المشار إليها سابقا أي حلقة انتقال من الحكم الفردي إلى الحكم الديمقراطي، فإذن من المهم أن نقرر هنا أن جابر العلي لم يأت بجديد وهو يتحدث عن حكم النخبة محاولًا أن يعضدها بحكاية «الهوري» والأمواج والدراما البحرية هذه واحدة.
(2) ويسأل جابر العلي: هل ذهب الصحابة وأهل الرأي في مكة إلى كل القبائل والشعوب يسألونهم رأيهم في من يكون خليفة رسول الله والخلفاء الراشدين بعدها؟ ونقول إنهم فعلوا أعظم من ذلك، واجتماع سقيفة بني ساعدة التاريخي وما يمكن أن يستنبط منه في الفقه السياسي الإسلامي دليلنا، ونطلب من جابر العلي أن يتمعن في خبر السقيفة لعل ذلك يعينه على وضوح الرؤية لفترة صدر الإسلام.
في اجتماع السقيفة كان هناك المرشحون للإمامة والرئاسة سعد بن عبادة، وأبو بكر، وعلي بن أبي طالب، وكانت الأنصار أول من اجتمع وأول من أزمع تنصيب رئيس الدولة الإسلامية، وأنهم اختاروا زعيمهم سعد بن عبادة لتولي الرئاسة ،وأنهم لم يتجاهلوا أو لم ينسوا في اجتماعهم هذا أن لهم منافسًا قويًا هم المهاجرون، وأن المهاجرين لم يستأثروا بالبت في هذا الأمر الخطير، وإنما اتبعوا أرشد الطرق، فالتقوا مع الأنصار وناقشوهم، وجادلوهم، وأدلى كل فريق بحجته، وكان للأوس موقف، والخزرج موقف، ولطلحة والزبير معارضة، ولعمر بن الخطاب رأي، وللحباب بن المنذر رأي آخر، ولأبي عبيدة بن الجراح موقف.
وإن المناقشات المنطقية لم تكن بعيدة أيضًا عن جو الجلسة التي انعقدت في سقيفة بني ساعدة، وإن بيعة السقيفة على الرغم من مسارعة الناس إليها، وتضايق السكك بهم - فهم ليسوا نخبة قليلة- لم تكن إلا ترشيحًا للإمامة. أما انعقادها النهائي فكان في البيعة العامة في المسجد والتي استمرت لأسابيع بل أشهر، وكان بوسع أي قبيلة لو أرادت الاعتراض على بيعة أبي بكر أن تذهب إلى المسجد وتعلن ذلك إعلانًا.
تُرَى هل يجري في أيامنا هذه لانتخاب رئيس دولة أكثر مما جرى في بيعة أبي بكر؟ وإذا كانت الحرية شرطًا أساسيًا لصحة الانتخاب فهل نرى في قصة اجتماع السقيفة الذي ورد في جميع مصادر التاريخ الإسلامي أي أثر للخروج عنها، وهل نرى في بيعة أبي بكر إكراهًا ماديًا أو معنويًا مارسه أحد الفرقاء على الآخر؟ وإذا كانت قد جرت معارك كلامية، أو خطب انتخابية فيه، فإن ذلك من مستلزمات كل معركة انتخابية تجري في جو حر، كامل الحرية، ثم كيف كان البيان الوزاري الأول الذي ألقاه أبوبكر:
«إن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني، الضعيف فيكم قوي حتى أريح عليه حقه، والقوي فيكم الضعيف حتى أخذ منه الحق، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم...».
أين النخبة في كل هذا؟ أليس في الجملة الأخيرة تحريض على الثورة في حالة الانحراف؟ هل تفعل هذا نخبة؟ أليس في الجملة الأخيرة المقاصد العقائدية لدولة الإسلام: تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ هل تحتكم «نخبة» إلى ذلك أم تحتكم إلى مقاييسها في التمييز الاجتماعي المبني أساسًا على تراكم الثروات في بعض الأيدي؟
ويسأل جابر العلي سؤالًا آخرًا عن الصحابة والخلفاء الراشدين هل كانوا يشاورون كل الناس في قرار الحرب والسلام وتشكيل القيادات؟ ونسأل جابر العلي: هل في العالم اليوم دولة واحدة -وليسمها إن شاء- تشاور كل الناس في قرار الحرب السلام؟ إن قرار الحرب والسلام لا يسأل عنه كل الناس فهذا أمر مستحيل، ولكن يسأل عنه الهيئة الحاكمة التي ينبغي أن تصل إلى حيث وصلت برغبة الناس وقد كانت الهيئة الحاكمة في صدر الإسلام تتمتع بهذه الصفة، هل أعلنت الحكومة الإنجليزية حربها على الرايخ الثالث عندما كان يرأسه هتلر في 1940 بعد أن سألت كل الناس في بريطانيا؟ وهل سأل روزفلت الرئيس الأمريكي كل الناس عندما قرر إعلان الحرب على ألمانيا؟
التاريخ يقرر أن مداولات ومباحثات ومشاورات دارت بين رئيس الدولة ومستشاريه وأعضاء البرلمان والكونجرس في جلسات سرية وبعدها كان قرار الحرب وكذلك جاء قرار السلم، لقد درسنا كل النظريات السياسية ووقفنا على كل المناقشات التي دارت حولها وما وجدنا نظرية أو فكرة أو منهجًا أو فلسفة حكم تحظى بتأييد كل الناس كتلك التي تحدث عنها جابر العلي في مقابلته مع جريدة الأنباء.
مجددًا نؤكد ضرورة حياة نيابية سليمة في الكويت -وخاصة في هذه المرحلة- لتحصين الجبهة الداخلية ضد كل الأوبئة والأخطار، وأنه لما يدعو إلى التفاؤل أن خط الحكومة الرسمي يصب في هذا الاتجاه.
_____________________
[1] )) راجع: الإسلام وأوضاعنا السياسية، القاهرة، 1956 ص 14
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل