; الحياة في فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان الحياة في فلسطين

الكاتب ستيفن لندمان

تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006

مشاهدات 82

نشر في العدد 1698

نشر في الصفحة 16

السبت 22-أبريل-2006

لقد تحركت الأرض عندما فاجأ الفلسطينيون أمريكا وإسرائيل بانتخاب حماس وهزيمة فتح.

الفكرة التي يريدنا الصهاينة أن نصدقها هي أن دولتهم أقيمت على أرض خربة.. والحقيقة المدعومة بالتاريخ أن هذه الأرض عامرة منذ آلاف السنين بالكنعانيين ثم العرب

حماس حركة ديمقراطية تضم زعماء مهرة ونجحت في إنشاء مقاومة فعالة وحركة اجتماعية مؤثرة... 

أمريكا وإسرائيل هما اللذان يتجهان للتطرف لا حماس.

«أوسلو» كانت خيانة للقضية وللشعب الفلسطيني.. فقد أعطت إسرائيل غطاء تخفي به استعمارها للأرض المحتلة

حكومات إسرائيل المتعاقبة لا تمل من ادعاء أنها راغبة في السلام والتفاوض تحت الواجهة الكاذبة المسماة بـ «عملية السلام».. والحق أنها ترغب في استمرار الصراع لإنهاك الفلسطينيين حتى يتقبلوا الهزيمة.

«لن تتحقق العدالة إلا إذا عرف العالم حقيقة إسرائيل الاستعمارية العنصرية «الدينية لا العرقية».. ولن تتحقق العدالة إلا إذا فضح الإجرام الإسرائيلي، ولن تتحقق العدالة إلا إذا توقف التخريف والخداع وأنصاف الحلول»

حاول أن تتخيل الحياة في هذه الظروف، تخيل أنك تعيش في سجن مفتوح, في بلاد محتلة بجيش أجنبي قمعي ونظام عنصري, ليست لك دولة معترف بها، ولا حق في المواطنة، ولا سيطرة على حياتك اليومية الخاصة, تعيش في حالة خوف دائمة، ويفرض عليك المحتل حصارًا اقتصاديًّا خانقًا، وعقابًا جماعيًّا يحد من الحركة، ويعزل المناطق السكنية، ويغلق الحدود, ويمنع أغلب الناس من العمل في داخل بلادهم، ويفرض حظر التجوال بشكل منتظم، هذا بالإضافة إلى حواجز الطرق، ونقاط التفتيش، و الأسيجة الكهربائية، وجدران الفصل العنصري، ويواصل المحتل بناء المستوطنات في أرضك المحتلة وفي بلادك، منتهكًا اتفاقات جنيف التي تمنع المحتل من إحلاله سكانه محل أصحاب البلد المحتل.

وينكر المحتل حقوق أهل البلاد الإنسانية الأساسية التي تتضمنها اتفاقية جنيف الرابعة بخصوص معاملة المدنيين في حالة الحرب وتحت الاحتلال, وينتهك الاحتلال بنود تلك الاتفاقية الــ١٤٩ كلها تقريبًا، وهو بذلك يرتكب جرائم حرب طبقًا للقانون الدولي، وهذا أيضًا ما قررته لجان حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وميثاق نورمبرج الذي صاغته الولايات المتحدة ذاتها لمحاكمة النازيين.

والمحتل أيضًا يرسل قواته ودباباته ودروعه الثقيلة كلما رغب في ذلك لنشر الدمار والخراب, بل يرسل مروحياته ويطلق صواريخه على المدنيين كلما أراد دون رادع.

وترى طائرات إف ١٦ تقاتل المدنيين وتقصف وتنشر الدمار والرعب والفزع, ويعطي جيشه وقوات أمنه كل الحق والحصانة في انتهاك الحقوق واعتقال وقتل الرجال والنساء والأطفال، وهدم المنازل على ساكنيها، إذا رفضوا الخروج دون أن يقعوا تحت طائلة القانون. 

ومن أجل حماية وتأمين مستوطناته غير الشرعية في أرضك المحتلة، فإنه يمنع الوصول إلى الرعاية الصحية الضرورية والطارئة, ويمنع التعليم والتوظيف وحركة السلع.. تخيل أن المحتل يخلق حالة من الحصار الاقتصادي جعلت ثلثي شعبك- طبقًا للأمم المتحدة- تحت خط الفقر «2,2دولار أمريكي يوميًّا», تخيل أن القوة العاملة التي يتكون منها شعبك عاطلة بفعل الاحتلال الذي يدمر المحاصيل والبساتين «أكثر من مليون شجرة زيتون اقتلعت أو  دمرت», ويفرض ضرائب تأديبية ويحجب الخدمات, كلما شاء، كعقاب كجماعي, وليست لديك قوة أو حيلة لدفع أو وقف هذه الانتهاكات، ولا تستطيع اللجوء للقضاء، كيف يمكن أن تعيش كمسلم في دولة يهودية عنصرية؟

تشويه سمعة الإسلام والمسلمين

أصبح تشويه الإسلام والمسلمين عملًا روتينيًّا تمارسه إسرائيل والغرب على مدار العام مستخدمة ألفاظًا مثل «متطرفين, أصوليين», «عرب مجافين»، و«جهاديين», و«إرهابيين»، وقد بدأ بذلك منذ فترة طويلة, كما يقرر العالم والكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق حيث يقول: إن تشويه الإسلام والمسلمين في الغرب بدأ في القرن الرابع عشر الميلادي بالنقد اللاذع الذي وجهه الكاتب الإيطالي الشهير «دانتي» في كتابه «الكوميديا الإلهية»، وشاع ذلك فيما بعد في الأدب الأوروبي بصفة عامة والإنجليزي بصفة خاصة.

ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ لتعطي ولتوفر حافزًا إضافيًّا لتبشيع المسلمين في إسرائيل والغرب اللذين روجا لمناخ الرعب, وأعادوا استخدام وإنتاج أساليب قديمة من أجل إعادة إنتاج الإمبريالية والاستغلال تحت غطاء المصلحة الوطنية والقومية، وعادوا يوصمون المسلمين بالدونية وعدم التسامح ومعاداة الغرب.

والواقع أن تلك الصفات تنطبق أكثر على زعماء إسرائيل وخصوصًا صفات العنصرية وعدم التسامح، فمناحم بيجين وصف الفلسطينيين أنهم «صراصير»، «وحوش تمشي على ساقين», وجولدا ماثير قالت: إنه «لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني».. ومؤسس إسرائيل بن جوريون «جورج واشنطن إسرائيل»، قال بعد طرد الفلسطينيين من أراضيهم بعد حرب بربرية في عام ١٩٤٨م: «يجب أن نتأكد أنهم لن يعودوا أبدًا لأرضهم»!! وهو القائل: «إن الكبار سوف يموتون والصغار سوف ينسون» ,صدق في الأولى، وخاب أمله في الثانية.
 

مطاردة المسلمين في إسرائيل والغرب 

تشتعل الآن حرب لا هوادة فيها بين المسلمين والغرب, لاحظ ما حدث لرجل الدين المسلم أبو حمزة المصري في لندن, حكم عليه بالسجن سبع سنوات؛ لأنه جرأ على نقد الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون فأدين بتهمة التحريض على الإرهاب! لاحظ أيضًا إدانة منير المتصدق في ألمانيا, الدولة التي تصف مستشارتها الإسلام بالفاشية، وتهمته أنه يعرف بعضًا من الذين خططوا للحادي عشر من سبتمبر، رغم إصراره على عدم التورط, وانظر إلى القوانين، في كثير من الدول الغربية التي تسن من أجل الحد من الهجرة، وهي قوانين قاسية موجهة خصيصًا للمسلمين والملونين, وانظر إلى الضجة المثارة بسبب الكاريكاتير المسيء للنبي محمد ﷺ, الذي نشر في الدانمارك ثم في دول أوروبية أخرى, وتخيل رد فعل الغرب لو نشر المسلمون  كاريكاتيرًا مماثلًا للسيد المسيح. 

تلك الصورة المسيئة للنبي محمد ﷺ تشكل جزءًا من الحرب الإعلامية على الإسلام، وتستخدم لتبرير ما يقع في العراق وأفغانستان وما يمكن أن يقع في إيران وسورية، دعنا نسميها حرب الكاريكاتير، وهي دليل ساطع على ما يقوم به الإعلام الغربي المحط من قدر المسلمين ووصمهم بالدونية والإرهاب، آملين في أن يؤدي ذلك لرد فعل عنيف من قبل المسلمين يكون غطاء لمزيد من الظلم والاضطهاد الإسرائيلي. 

ولإسرائيل باع طويل في تشويه صورة المسلمين لتبرر إبعاد وقتل أي شخص تعتبره تهديدًا لهيمنتها وسلطتها، انظر إلى القتل أو الاغتيال المستهدف، «وإسرائيل ترغب في نقله لدول أخرى مثل أمريكا», لاحظ الأحكام الملفقة والتهم الباطلة التي لصقت بمروان البرغوثي الذي يقضي حكمًا مدى الحياة لكونه مناضلًا من أجل الحرية، إلا أنه مازال حيًّا على أي حال، في حين تفضل إسرائيل سياسة التصفية الجسدية والاغتيال المستهدف التي تمارسها بصورة دائمة متمتعة بحصانة المجتمع الدولي في قتل الأبرياء الفلسطينيين بدم بارد. 

وقد استغل الغرب الحادي عشر من سبتمبر في التخلص من الشخصيات الإسلامية ذات الأثر والخطورة «على مخططات إسرائيل» فالدكتور رافيل ظافر, أمريكي من أصل عراقي يعاقب بالحبس ٢٢ عامًا لأنه حاول مساعدة العراقيين أثناء الحصار, والدكتور سامي العريان لفقت له ۱۷ تهمة لإسكاته؛ لأنه حاول كسر الحصار المضروب على الحقيقة، وإنصاف الشعب الفلسطيني المكلوم، وحتى الدكتور عمر عبد الرحمن حوكم باتهامات مغشوشة وملفقة.

والدرس المستفاد من تلك الحالات الثلاث واضح.. إن تحدي سلطة الدولة, في محاولة إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين أو الكلام علانية عن المظلومين يوقع في براثن دول بوليسية تضطهدك وتضعك في السجن لفترات طويلة، وإذا فشلت في ذلك تحطمك ماليًّا وتدمر حياتك.. هذه هي طريقتهم, فالحذر الحذر.

كيف تسيطر إسرائيل على الفلسطينيين؟

حتى فوز حماس في يناير ٢٠٠٦م، كانت إسرائيل على شكل من التوافق مع فتح، وكانت إسرائيل قد استطاعت السيطرة على العملية الانتخابية بتأمين فوز من تريد فوزهم الذين يقومون بدور العميل أو الخادم الذي يخدم سیده ويقمع شعبه ويتجاهل حاجاتهم، وقد نجحت في إخفاء ذلك لفترة طويلة ومنعت أية شخصية غير مرغوب فيها إسرائيليًّا من الوصول إلى أي موقع قيادي يستطيع من خلاله خدمة شعبه، وساهم عملاؤها في جعل حياة الفلسطينيين لا تطاق, وأخفت إسرائيل كل ذلك بمساعدة وتواطؤ المجتمع الدولي، «وخصوصًا الرباعية أمريكا, الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وروسيا».

وبدلًا من إعطاء أي حقوق أو معاملة إنسانية للفلسطينيين، فإنه يتم تصويرهم بالإرهابيين المسلحين الذين يفترسون شعبًا مسالمًا «إسرائيل».. والواقع أنهم مقاتلون من أجل الحرية، وأن الأساطير الإسرائيلية الملفقة والخداع الإسرائيلي لن يغيرا الحقيقة أو يبررا الجرائم التي ترتكب في حق مدنيين عزل يواجهون جيشًا إسرائيليًّا مدججًا بأحدث الأسلحة المتطورة والأسلحة النووية... وقد لاحظ بعض ناشطي حقوق الإنسان أن الشعب الفلسطيني هو أكثر الشعوب وأطولهم معاناة على وجه الأرض, وهم كذلك بلا أدنى شك.

أسطورة «نحن كنا هنا أولًا»

و «الإله وعدنا بهذه الأرض» 

يقول الأديب الإنجليزي جورج أورول «الذين يملكون الحاضر يملكون الماضي، والذين يملكون الماضي يملكون المستقبل».. يقصد أن الذين يمتلكون الحاضر يمكن أن يجعلوا الناس يعتقدون في الماضي ما يريدون «أي المسيطرون على الحاضر».. والفكرة التي يريدنا الصهاينة أن نصدقها هي أن دولتهم أقيمت على أرض خربة لم تعمر إلا عندما جاءوا هراء، والحقيقة المدعومة بالتاريخ وعلم الآثار أن هذه الأرض عامرة منذ آلاف السنين بالكنعانيين ثم بالعرب, أما كلمة فلسطين وفلسطينيين فقد استعملت قبل الإمبراطورية الرومانية. 

أما الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحديث فيرجع إلى أواخر القرن التاسع عشر بسبب معاداة روسيا القيصرية الشديدة للسامية، واعتقاد اليهود أنهم لن يكونوا آمنين إلا إذا كانت لهم دولة في أي مكان.. ثم وقع الاختيار على فلسطين، واخترعت أسطورة «أرض بلا شعب وشعب بلا أرض»، في حين كانت فلسطين تغص بأهلها العرب, ومن ثم قامت خطتهم على طرد أهل البلاد وإحلال اليهود وحدهم محلهم, نفس فكرة الجنس الآري المتفوق.. وساعدهم الإنجليز على تحقيق حلمهم بإعطائهم وعد بلفور ۱۹۱۷م بعد الحرب العالمية الأولى, في حين خدعوا العرب بوعود كاذبة بالاستقلال... وعندما أدرك العرب التهديد الذي يتعرضون له اشتعل الصراع.

إقامة دولة «إسرائيل»

ولدت في الرابع عشر من مايو ١٩٤٨ على أنقاض وخراب فلسطين في اليوم الذي انتهى فيه الانتداب البريطاني، وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت قرارًا في ٢٩ من نوفمبر ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية «٥٥%» من أرض فلسطين، وعربية، كان اليهود في ذلك الوقت يملكون فقط ٦% من مساحة فلسطين التاريخية حتى قامت الحرب ١٩٤٨م. 

بدأت الحرب في مايو ١٩٤٨م عندما دخلت فلسطين ٧ جيوش عربية «من بينها مصر وسورية والأردن ولبنان»... وأشاعت إسرائيل أن الجيوش العربية كانت تفوقها عدة وعتادًا, ولكن الواقع كان خلاف ذلك فقد كانت العصابات الصهيونية الأكثر تفوقًا عدة وعتادًا بكثير.

وانتهت الحرب باتفاقية للهدنة ١٩٤٩ «اتفاقات هدنة منفصلة مع الدول الأربع الرئيسية»، أوصلت إسرائيل إلى حدودها الحالية التي تضمنت ۷۸% من فلسطين التاريخية... أما المحاربون الإسرائيليون فقد ارتكبوا جرائم ومجازر موثقة من أبشعها مذبحة دير ياسين التي ارتكبها مناحم بيجين وعصابة الأرجون.

 إسرائيل تلتهم فلسطين كلها: في عام١٩٦٧م بدأت إسرائيل حربًا عدوانية احتلت فيها ما تبقى من فلسطين «الضفة وغزة», بالإضافة إلى شبه جزيرة سيناء من مصر, ومرتفعات الجولان من سورية.. ادعت إسرائيل أنها حرب دفاعية مستغلة بعض التوترات التي كان يمكن أن تحل دبلوماسيًّا لتحقيق أهدافها. 

كان لنصر إسرائيل في ١٩٦٧ أثر كبير على جونسون الرئيس الأمريكي الفارق آنداك في مستنقع فيتنام.. واتضحت أهمية إسرائيل كحليف إستراتيجي لأمريكا في الشرق الأوسط، أصبحت إسرائيل وتركيا وإيران الشاه «قبل ۱۹۷۹م»، شرطة أمريكا الحراسة ثروات المنطقة, ومن يومها انهالت المساعدات الأمريكية على إسرائيل, وأصبحت إسرائيل أبرز متلق للمساعدات الأمريكية «3 مليارات دولار منح و٣ مليارات قروض ومساعدات ومنح من أحدث المعدات العسكرية، حتى وصل مجموع المنح والمساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل منذ عام ١٩٤٩م حوالي ١٥٠ مليار دولار أمريكي، وهذا هو الذي مكن إسرائيل من بناء أكبر قوة عسكرية في المنطقة، وتمويل الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري، وخلق سجون مفتوحة للفلسطينيين في أراضيهم».

فجدار الفصل العنصري حول القدس وحدها يوفر السيطرة على كامل المدينة «الشرقية والغربية»، ويخنق اقتصاد الضفة الغربية ويسرق آلاف الدونمات الزراعية, ويسرق ٥٠% من المياه الجوفية الفلسطينية في الصفة.. ولقد كان انسحاب إسرائيل من غزة خدمة كبرى، رغم أن قليلًا من المستوطنين سُحبوا، أما الجيش الإسرائيلي فلم ينسحب وإنما أعاد الانتشار.

في عام ١٩٦٧ اتخذ مجلس الأمن- بالإجماع- القرار ٢٤٢ الذي يطالب بانسحاب إسرائيل من الأرض المحتلة، ويرفض مبدأ ضم الأرض بالقوة، ويؤكد على حق الجميع في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها, إلا أن إسرائيل فسرت القرار على هواها.. أما الفلسطينيون فقد رفضوه؛ لأنه لا يذكر حق العودة ولا حق تقرير المصير.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تبنت القرار ١٤٨ عام ١٩٤٨م الذي يؤكد حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم طبقًا للبند رقم ١٣ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يقرر حق كل مواطن في ترك أو العودة إلى بلاده، وينص أيضًا على حق كل شخص في أن تكون له جنسية.

أما القرار ١٩٤ فينص صراحة على «حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم, والعيش في سلام مع جيرانهم.. ويعوضون عن ممتلكاتهم إذا اختاروا عدم العودة أو كانت ممتلكاتهم قد دمرت», وإسرائيل ملزمة بهذا القرار لأنها قُبلت عضوًا في الأمم المتحدة بالقرار ۲۷3 الذي شرط قبولها بقبول القرار ١٩٤ الخاص بعودة اللاجئين.

القيادة الفلسطينية من المنظمة

أُسست منظمة التحرير عام ١٩٦٤م, وأصبح عرفات زعيمًا لها في عام ١٩٦٩م, وبدأت بمعارضة مسلحة وأنكرت حق إسرائيل في الوجود، إلا أنها لانت مع منتصف السبعينيات، وقبلت الإجماع الدولي بوجود دولتين، وخصوصًا بعد معاهدة السلام مع مصر واتفاقية كامب ديفيد.. وصلت إسرائيل إلى نوع من السلام والتعايش مع جيرانها وخصوصًا مصر التي أعادت لها  «إسرائيل» سيناء، أما الفلسطينيون فتم تجاهلهم تمامًا، وهذا أدى إلى تفاقم الغضب الفلسطيني الذي انفجر في الانتفاضة الأولى ۱۹۸۷م مطالبًا بدولة فلسطينية حرة ومستقلة.. وواجه الفلسطينيون الشباب جيش الدفاع المدجج بصدورهم وبالحجارة.. وقتل المئات حتى انحسرت الانتفاضة في عام ١٩٩٢م، وعادت القضية إلى المربع الأول.

إنشاء السلطة الفلسطينية 

بعد حرب الخليج الأولى ۱۹۹۱ تبنت أمريكا والاتحاد السوفيتي السابق مؤتمر مدريد لتتفاوض إسرائيل وجهًا لوجه لأول مرة مع سورية والأردن والفلسطينيين، وكان مؤتمر مدريد هو الحافز الذي أدى إلى ما سمي فيما بعد باتفاق أوسلو.. والواقع أن أوسلو أعطت إسرائيل ما أرادت, غطاء تخفي به استعمارها للأرض المحتلة، وكانت أوسلو خيانة للقضية وخيانة للشعب الفلسطيني.. فقادة الفلسطينيين, قادة فتح, اعترفوا بإسرائيل واستبعدوا خيار المقاومة وسكتوا عن حق العودة.. ثم قاموا- نيابة عن الاحتلال- بالمهام القذرة المتمثلة في حفظ الأمن.. أي أن إسرائيل أعادت رجال المنظمة من تونس ليكونوا ظهيرًا عنيدًا ضد أهلهم، وتم تأجيل القضايا المصيرية: الدولة المستقلة, حق العودة، وضع القدس, والحدود إلى أجل غير مسمى. 

في عام ١٩٩٥ جاءت أوسلو الثانية التي حولت الوضع الفلسطيني من سيئ إلى أسوأ بتقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق «أ، ب، ج» بالإضافة إلى منطقة القدس الشرقية, نظام معقد، وظلت المنطقة «ج» تحت السيطرة الكاملة لإسرائيل تستغلها في بناء المستوطنات واستنزاف المياه وتربطها بالأرض الفلسطينية المسروقة في ١٩٤٨م، وتشكل المنطقة «ج» حوالي ٩٥% من مساحة الضفة. 

وفي يوليو ٢٠٠٠م استضاف كلينتون عرفات وإيهود باراك كرئيس وزراء إسرائيل آنذاك فيما سمي مفاوضات الوضع النهائي, وأشيع في أجهزة الإعلام الغربية والإسرائيلية أن باراك قدم عرضًا كريمًا رفضه عرفات مفضلًا العنف والصراع.. وهذا خلاف الواقع فقد أصر باراك على أن يتنازل عرفات عن كل شيء, ويعلن إنهاء الصراع مقابل دولة فلسطينية مزعومة عبارة عن «كانتونات» غير متصلة بدون القدس عاصمة فلسطين. 

باراك لم يعرض شيئًا، فلا وثائق ولا خرائط تثبت ذلك، كل ما عرضه باراك في مايو ٢٠٠٠م كان تقسيم الضفة إلى أربع مناطق «كانتونات» بلا صلات بينها ولا مع الأردن، ومحاطة بالمستوطنات من كل جانب, بالإضافة إلى ٤٠ مستوطنة داخل المناطق الفلسطينية بمرافقها وطرقها الالتفافية, والموافقة على ذلك كانت تعني انقطاع الأمل في دولة فلسطينية تكون القدس عاصمة لها, وانقطاع الأمل في عودة اللاجئين.. كان يريد أخذ كل شيء في مقابل لا شيء. 

عالم بلا عدل 

ولو كنا في عالم فيه عدل لما برز رجل مثل شارون، فضلًا عن أن يكون رئيسًا للوزراء... فهو الذي انضم – منذ كان مراهقًا – مقاتلًا «إرهابيًّا»، في الحركة الصهيونية, الحركة التي أتاحت له ممارسة وحشيته وتطرفه ضد الفلسطينيين والعرب منذ ذلك الحين.. كان قائدًا عديم الرأفة، وهو الذي غزا لبنان عندما كان وزيرًا للدفاع ۱۹۸۲م وقتل ١٨ ألف لبناني وفلسطيني «ثمانية عشر ألفًا»، وارتكب أبشع الجرائم وهو المسؤول عن مذبحة صابرا وشاتيلا التي راح ضحيتها حوالي ٣٠٠٠ «ثلاثة آلاف» من المدنيين رجالًا ونساء وأطفالًا.

انتخاب شارون.. ونهاية عرفات

استؤنف الصراع واشتعلت الانتفاضة الثانية بسبب شارون قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء بعد زيارة استفزازية قام بها للمسجد الأقصى مصحوبًا بعشرات الجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح.. رد الإسرائيليون على انتفاضة الفلسطينيين بعنف واستهدفوا الزعماء الفلسطينيين، وفي عام ٢٠٠٢ فقط قتل أكثر من ألف فلسطيني، حسب منظمة العفو الدولية.. ثم بدأت العمليات الاستشهادية, وردت إسرائيل باجتياح كل المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، وفي جنين ارتكبت أبشع الجرائم.

مات عرفات بعد ثلاث سنوات من الحصار، وبدأت مرحلة جديدة، وانتخب عباس- مرشح إسرائيل المفضل- رئيسًا للسلطة الفلسطينية، ثم جاءت الانتخابات التشريعية التي أرادتها إسرائيل غطاء لاحتلالها وإلهاء للشعب الفلسطيني عن معاناته.

الانتفاضة الثالثة.. من خلال صناديق 

تحركت الأرض عندما أقيمت الانتخابات التشريعية الفلسطينية في ٢٥ يناير ٢٠٠٦م, خرجت فتح بقيادتها العتيقة ودخلت حماس بقوة, مل الفلسطينيون الفساد المستشري في المؤسسات الفلسطينية والخضوع لإسرائيل في أوسلو الأولى والثانية وكامب ديفيد، وفاجأ الفلسطينيون أمريكا وإسرائيل بانتخاب حماس وهزيمة فتح وقائدها المتواطئ عباس, الذي مازال رئيسًا للسلطة.

بخلاف فتح التي قدمت قائمة بمرشحين فاسدين، قدمت حماس مرشحين غير ملوثين بالفساد, أو بالخضوع لإسرائيل.. وقد كانت حماس دائمًا ومنذ تأسيسها في جانب المقاومين للظلم والعدوان الإسرائيلي، ونجحت في إنشاء مقاومة فعالة وحركة اجتماعية مؤثرة.. وهي التي تقدم الخدمات الضرورية من تعليم وصحة, ورياض أطفال, ووجبات مجانية للأطفال, ومراكز لتعليم النساء, ونوادٍ للشباب, وعيادات صحية ومدعومة، ومساعدات مالية وتقنية لأصحاب البيوت التي تهدمها إسرائيل ولمعسكرات اللاجئين, وهذا هو ما تسميه إسرائيل «إرهابًا». 

وحماس حركة ديمقراطية تعددية تضم زعماء مهرة ومخلصين بزعامة إسماعيل هنية، تضم مسلمين ومسيحيين اتحدوا ضد محتليهم المستبدين، وليست لهم علاقة بالإرهاب أو الأصولية كما تتهمها الدعاية الإسرائيلية، وهم معتدلون جدًا في وجهات نظرهم الدينية, بعكس متطرفي الليكود والمسيحية الأصولية ذات الأثر الكبير على بوش, فأمريكا وإسرائيل هما اللذان يتجهان للتطرف لا حماس. 

حماس تدعو إلى السلام باستمرار على مبدأ الهدنة.. هكذا قال مؤسسها الشيخ أحمد ياسين «الذي اغتالته إسرائيل».. يقول الشيخ أحمد ياسين: «إذا أخلى الكيان الصهيوني كل قطاع غزة بالكامل من المستوطنات والقواعد العسكرية، يمكن أن نبدأ مرحلة جديدة من الهدوء لكي نناقش قضايا القدس والضفة الغربية والمعتقلين واللاجئين.. حماس كانت مستعدة لإيقاف عملياتها إذا أنهى الصهاينة احتلالهم للأرض وتوقفوا عن قتل النساء والأطفال, إلا أن إسرائيل تجاهلت ذلك وفضلت استمرار العنف والتحريض». 

والقائم برئاسة الوزارة الآن إيهود أولمرت يظهر تغيرًا طفيفًا في سياسته، بل إنه يمكن أن يعيد إشعال النار بالحصار الاقتصادي على الفقراء المنهكين بمعونة ومباركة أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة.

نوايا إسرائيل الحقيقية

لا تمل حكومات إسرائيل المختلفة من ادعاء أنها راغبة في السلام والتفاوض مع الفلسطينيين تحت الواجهة الكاذبة المسماة «عملية السلام»، التي تتخذ أسماء مختلفة آخرها «خريطة الطريق», والحق أن إسرائيل ترغب في استمرار الصراع بهدف إنهاك الفلسطينيين حتى يقبلوا الهزيمة, ويستسلموا ثم يرحلوا إلى الدول العربية.. وتحتاج إسرائيل إلى غطاء لتبرئة نفسها من جرائم العدوان وسرقة الأراضي والظلم غير المحدود, الواقع على الشعب الفلسطيني.. وهم يفعلون ذلك بتصوير الفلسطينيين المقهورين بالمعتدين وتصوير أنفسهم بالضحايا! 

إلى متى؟

لكن إلى متى يستمر هذا الكذب، وهناك من المتطرفين اليهود من يريد كل فلسطين التوراتية التي تشمل كل فلسطين الحالية, ولبنان, وأغلب سورية وأجزاء من مصر؟! وتحقيق هذا يحتاج إلى المزيد من الدماء والحروب والظلم.

إسرائيل على خلاف كل دول العالم, ليست لها حدود ثابتة، عمدًا، من أجل أن تعطي نفسها مرونة لإقامة الحدود التي تختارها, وهم ينوون ضم الضفة الغربية «يهودا والسامرة كما تسميها التوراة»، ورغم هذا تظاهرت بالموافقة على إقامة دولة فلسطينية.. أين؟

المستوطنات وحائط الفصل العنصري 

حائط الفصل العنصري هو مفتاح المخطط الإسرائيلي, فلقد بُني بزعم حماية إسرائيل من هجمات «الإرهابيين»، وهذه خدعة إسرائيلية أخرى.. الحق أن الجدار ما هو إلا وسيلة لانتزاع الأرض وتسهيل توسيع المستوطنات بمنع إقامة دولة فلسطين, وبحل المشكلة الديموجرافية الإسرائيلية «لأن الفلسطينيين أسرع نموًا في السكان وهذا يهدد دولة إسرائيل», والجدار يدمر أيضًا المجتمع الفلسطيني اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.. وهذا لا يمكن أن يكون أقل من «إبادة جماعية»، أو إرهاب دولة وهي أفدح أثرًا من إرهاب الأفراد.

الجدار بني على أرض فلسطين ويدمر قرى فلسطينية، ومساكن ومزارع وبساتين فلسطينيين, ومع ذلك أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية ما تقوم به إسرائيل.. إلا أن محكمة العدل الدولية قالت إنه جدار عنصري يخالف القانون الدولي، وأيدتها في ذلك الأمم المتحدة، الجمعية العامة، أما الرباعية فقد صمت آذانها.

لا يوجد موضوع أكثر حساسية في الغرب وفي أمريكا على وجه الخصوص من نقد إسرائيل.. إسرائيل لا تمس، وإن حدث ومُسست إسرائيل، فأنت معاد للسامية وكاره لليهود، واللوبي الصهيوني والإيباك جزء من حلف غير مقدس مع الأصوليين المسيحيين والمحافظين الجدد المهيمنين على الحزب الجمهوري الأمريكي وعلى الدولة، وهؤلاء الثلاثة لهم حليف رابع وهو أجهزة الإعلام التي تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية وتعطي دعمها اللامحدود لإسرائيل. ولا يتجاسر أحد- أيًّا كان- على توجيه أي نقد.. وإن فعل فالويل له.
 

تحقيق العدالة لن يكون سهلًا

لن تتحقق العدالة إلا إذا عرف العالم حقيقة إسرائيل الاستعمارية العنصرية «الدينية لا العرقية».. لن تتحقق العدالة إلا إذا فضح الإجرام الإسرائيلي, لن تتحقق العدالة إلا إذا توقف التخريف والخداع وأنصاف الحلول والغش وتصوير اليهود أنهم أخيار والعرب أنهم أشرار..

يجب أن يتوقف تشويه المسلمين ويتوقف الحديث عن التفوق اليهودي المسيحي والدونية الإسلامية والعربية.. لا مزيد من العنصرية وأسطورة شعب الله المختار, وتصوير العرب على أنهم الأقل إنسانية, الطريق الوحيد للأمام هو تدمير أسطورة النوايا الحسنة الإسرائيلية والعناد الفلسطيني. 

لقد قُدر للعدالة أن تتحقق ينبغي للعالم أن يتعرف على ما حدث للفلسطينيين على مدى ستة عقود، ويجب أن تدان الجرائم التي وقعت ولاتزال تقع-  جرائم تزيد على ما فعله النازيون- عدا معسكرات الموت، وإن كان للصهاينة معسكرات موت خاصة بهم موت بطيء، إبادة جماعية بطيئة تحت لافتة المصالحة, الخدعة التي مازالت تنتج ويعاد إنتاجها حتى الآن، يجب أن تنتهي الأساطير التي يُطلق عليها عملية السلام وأن تستبدل بعمل قوي, مقاطعة, حصار، عزل, مقاضاة المجرمين اليهود على ما ارتكبوا من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

يجب أن تعود كامل الحقوق الفلسطينية ابتداء بعودة أرضهم المسروقة وحق اللاجئين في العودة إلى وطنهم أو تعويضهم إن اختاروا عدم العودة.. وعلى القادة الفلسطينيين عدم القبول بأقل من ذلك، والمجتمع الدولي وعلى رأسهم «الرباعية»، يجب أن يقفوا مع الفلسطينيين المظلومين ليصلوا إلى حقوقهم.

الرابط المختصر :