; الخرطوم تعترف باستقلال أرتيريا | مجلة المجتمع

العنوان الخرطوم تعترف باستقلال أرتيريا

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1988

مشاهدات 77

نشر في العدد 877

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 09-أغسطس-1988

في تطور جديد لأحداث القرن الإفريقي أعلنت الخرطوم في مطلع شهر يوليو المنصرم بأن القضية الأريترية هي مشكلة احتلال أثيوبي لأراضي أريتريا، وبذلك يكون السودان الدولة العربية الإفريقية الأولى التي أعلنت صراحة عن موقفها تجاه تقرير المصير الذي تسعى إليه قيادات منظمات التحرير الأريترية. ويأتي هذا في وقت تشهد فيه العلاقات المتأزمة بين الخرطوم وأديس أبابا انفراجًا واضحًا بعد خطوات تطبيع العلاقات التي شاركت فعاليات متعددة لتواصل أسباب الوفاق بينها.

وقد جاء إعلان الخرطوم بعد زيارة قام بها وفد الجبهة الشعبية لتحرير أريتريا برئاسة أسياس أفورقي، الأمين العام للجبهة، تلبية لدعوة رسمية بزيارة الخرطوم، وقد أجرى الأمين العام للجبهة الشعبية عدة لقاءات مع قيادات الأحزاب السياسية، وبصورة خاصة مع الأحزاب الرئيسية الثلاث: الأمة، الاتحاد الديمقراطي، والجبهة الإسلامية، إضافة إلى لقاء مطول مع رئيس الحكومة السودانية السيد الصادق المهدي، وقد اتسمت أجواء اللقاء بالتفهم العميق من قبل قيادات العمل السياسي في السودان لأوضاع الثورة الأريترية ما تجابه من حروب متعددة الجوانب أقلها خطرًا المواجهة العسكرية غير المتكافئة مع أثيوبيا. وقد صرح الناطق الرسمي باسم الحكومة وزير الإعلام عبد الله محمد أحمد أثناء زيارة أسياس أفورقي «بأن السودان يؤيد حق الشعب الأريتري في الحصول على الاستقلال، وأن نضال شعب أريتريا عادل وشرعي، ولذا فالسودان يؤيد قيام دولة أريترية مستقلة» وأضاف قائلًا: «إن حق الشعب الأريتري في الاستقلال لم يحدده السودان بقدر ما أقرته الأمم المتحدة في عام ١٩٥٢، ووجد دعمًا من قبل عدة دول». وبالرغم من أن مواقف السودان تجاه القضية الأريترية كانت باستمرار إلى جانب الشعب الأريتري إلا أن الجديد في موقف حكومة المهدي يتمثل في درجة الوضوح المبدئي تجاه قضية بلغت درجة التعقيد الدولي فيها مبلغًا كادت تنسى معه تمامًا لولا ضخامة الإصرار الجهادي لشعب أريتريا وفرض إرادته العتيدة على الاستعمار الأثيوبي.

اتفاق:

وفي أعقاب زيارة الوفد الأريتري أعلن رسميًّا في الخرطوم بأن الحكومة السودانية والجبهة الشعبية لتحرير أريتريا قد توصلتا إلى اتفاق مشترك بشأن القضية الأريترية ومشكلة الاستقرار السياسي والأمني في القرن الإفريقي، وقد اشتمل البيان على أربع نقاط رئيسية هي:

١- إحلال السلام في القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر بالسبل السلمية.

٢- إن السلام في هذه المنطقة يجب ألا يخضع وتحت أي ظروف كانت لسياسة المقايضات.

٣- هناك فوارق جوهرية بين قضية أريتريا ومشكلة جنوب السودان.

٤- ضرورة التعاون المشترك بين الحكومة السودانية والجبهة الشعبية لتحرير أريتريا في سبيل حل المسألة الأريترية بالوسائل السلمية.

والملاحظ على بنود البيان المشترك التي ركزت بصفة أساسية على استبعاد الحرب كعنصر حاسم لمشكلة إعادة الأمن والسلام في القرن الإفريقي، كما أكدت أيضًا على رفض مبدأ المقايضة بين مشكلة الجنوب السوداني ومشكلة أريتريا؛ حيث تتباين أساسيات المشكلتين باعتبار أن مشكلة جنوب السودان مشكلة تمرد وخروج على القانون والسيادة السودانية... بذلك يشكل البيان المشترك رسالة واضحة للرئيس الأثيوبي منغستو وما يخفي من أطماع في ربط القضية الأريترية بمشكلة التمرد في جنوب السودان.

ومن جانب آخر فقد شكلت الحكومة السودانية لجنة خاصة أنيطت بها مهمة دراسة وبحث الجوانب المختلفة المتعلقة بالقضية الأريترية ومتابعة تطوراتها، وصولًا لتكامل عناصر المبادرة السلمية التي كانت الحكومة السودانية قد طرحتها في فترة سابقة على أطراف النزاع -أثيوبيا ومنظمة التحرير الأريتري- وقد لاقت المبادرة صدى طيبًا لدى الأطراف الأريترية؛ غير أن أثيوبيا لم تبد أي ردود فعل رسمية واكتفت بالدعوة للمفاوضات المباشرة دون التزامات مسبقة، وهو ما لا يتناسب وتطلعات الشعب الأريتري في حقه لتقرير المصير.

المبدأ والمنطلق:

بالرغم من إعلان الخرطوم الخاص بالاعتراف باستقلال أرتيريا لم يكن الأول من نوعه فقد سبق أن أعلن الرئيس المخلوع نميري عام ١٩٧٧ موقفًا مشابهًا حين كانت انتصارات الثورة الأريترية يومها على أبواب أسمرا، إلا أن إعلان الخرطوم الأخير يتفوق على إعلان النميري في مبدأيته وعدم ربطه بالظروف السياسية؛ حيث سحب النميري اعترافه باستقلال أرتيريا بعد التدخل الأثيوبي الواسع بمساعدة الاتحاد السوفيتي في الأراضي الأريترية المحررة... وعلى الرغم من أن هناك عدة دول إفريقية وعربية تؤمن بنفس المبدأ الداعي إلى استقلال أريتريا؛ إلا أن مراعاتها بعض الظروف حالت دون الإعلان الواضح لموقفها، وقد أبدت كل من الصومال والجزائر وتونس وأنغولا والسنغال وساحل العاج في فترات سابقة ضرورة منح الشعب الأريتري حق تقرير المصير إلا أنها لم تدعم ذلك الموقف بتبني القضية الأريترية في المحافل الدولية، كما لم تتصدى لتأييدها في منظمة الوحدة الإفريقية، وهذا ما يجعل موقف السودان يعتبر متفردًا في تبنيه للقضية الأريترية. ومن جهة أخرى ذكرت مجلة «اليوم السابع» بأن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية لا يعترضان على أن تلعب دولة مثل السودان دورًا إيجابيًّا في إطفاء الحريق بين أثيوبيا وأرتيريا لا سيما وأن كل من موسكو وواشنطن قد عبرا أكثر من مرة عن قناعتهما بعقم الحملات العسكرية الأثيوبية. وقد أشار الاتحاد السوفيتي مؤخرًا أثناء الزيارة التي قام بها منغستو لموسكو في يوليو الماضي بأنه ينظر بقلق شديد تجاه تصعيدات المعارك مع الشعب الأريتري، ويرى ضرورة إيجاد حل سلمي؛ وبمعنى آخر فإن التأييد العسكري والمعنوي الذي كانت تلقاه أديس أبابا من قبل موسكو قد توقف، وأن الحل السلمي لقضية أريتريا هو صاحب القدح المعلى، وبذلك تكون المبادرة السودانية قد توفرت لها -وفقًا للمعلومات المعلنة- أسباب النجاح الدولي والتأييد من أكثر الأطراف الدولية اهتمامًا بمشكلة القرن الإفريقي، ويبقى موقف الطرف المشارك وهو الأهم في تحديد نوعية الحل، فهل تستجيب أثيوبيا ويشهد القرن الإفريقي السلام المنشود؟

الرابط المختصر :