العنوان الخريطة السياسية تتعقد في موريتانيا
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993
مشاهدات 58
نشر في العدد 1064
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 31-أغسطس-1993
الخريطة السياسية تتعقد في موريتانيا
ما انفكت الأوضاع السياسية في موريتانيا تتعقد
بسبب اشتداد التنافس بين فسيفساء القوى والأحزاب المعارضة من جهة، وظهور مؤشرات
هرم داخل نظام معاوية ولد الطايع من جهة أخرى. بالإضافة إلى محاولات الاستقطاب
الخارجي للتحولات السياسية داخل هذا البلد الإسلامي العربي والأفريقي.
وشهدت الحياة السياسية في الفترة الأخيرة
حدثين بارزين: تكوين حزب سياسي جديد «حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية» برئاسة حمدي
ولد مكناس، بعد انسحاب هذا الأخير وجماعته من حزب المعارضة الرئيسي «اتحاد القوى
الديمقراطية» برئاسة أحمد ولد داده، وقرار أحزاب المعارضة الموريتانية المشاركة في
الانتخابات البلدية في أوائل السنة المقبلة من ناحية، وتغيب الرئيس الموريتاني
معاوية ولد الطايع ثلاثة أسابيع عن الساحة السياسية للعلاج في باريس من ناحية
أخرى.
وتفاعلت هذه المستجدات إلى حد تساؤل بعض
المراقبين عن مصير التجربة الديمقراطية الهشة في هذا البلد الذي يعيش أوضاعًا
اقتصادية واجتماعية صعبة. فقد ثار حول غياب الرئيس لأسباب صحية جدل كبير في
الأوساط السياسية الموريتانية حول قدرة رأس السلطة على تسيير دفة الحكم، وترددت
الإشاعات المختلفة من المشاكل الصحية للرئيس إلى إمكانية عزله خاصة أن
الموريتانيين مروا بتجارب سابقة في الإطاحة بالنظام عن طريق انقلاب عسكري أو
بإزاحته.
فقد قام العقيد ولد مالك بانقلاب على أول نظام
مدني بعد الاستقلال برئاسة مختار ولد داده شقيق رئيس المعارضة الحالي، وذلك في
١٠/٧/١٩٧٨، وبعد أن أمسك ولد الولي بزمام السلطة في ٢١/٥/١٩٧٩ تم عزله يوم
٤/١/١٩٨٠ وتعويضه بالعقيد خونا ولد عبدالله. وفي يوم ١٦/٣/١٩٨١ حصلت محاولة انقلاب
فاشلة من أجل الحد من تأثير البوليساريو وليبيا، قطعت على إثرها العلاقات
الدبلوماسية مع المغرب، وفشلت الوحدة مع ليبيا. وفي ١٣/١٢/١٩٨٤ وصل الرئيس الحالي
معاوية ولد الطايع إلى رأس السلطة عن طريق انقلاب عسكري، فلا غرابة أن يثير غياب
الرئيس الطويل تساؤلات حول مستقبله السياسي، في ظل مخاض داخلي وتحولات هامة في
الخريطة السياسية لقوى المعارضة.
فمنذ إقرار التعددية السياسية والديمقراطية في
بداية التسعينيات دخل نظام ولد الطايع مرحلة جديدة أطلق عليها «الجمهورية الثانية»
وشهدت هذه المرحلة ثلاث محطات رئيسية:
1. الاستفتاء على الدستور الجديد.. الضامن للحريات
الأساسية في ١٢/٧/١٩٩١ بموافقة شعبية بنسبة ٩٧.٩%.
2. الانتخابات الرئاسية في ١٨/٤/١٩٩٢ التي فاز فيها
ولد معاوية على منافسه أحمد ولد داده بنسبة ٦٢.٦٥% مقابل ٣٢.٧٥%.
وكانت المعارضة قد تحدثت عن تجاوزات كبيرة
خلال هذه الانتخابات، لذلك قدمت ٢٣ شرطًا لمشاركتها في انتخابات تشريعية قائمة على
الشفافية، وأمام رفض السلطات هذه الشروط قاطعت المعارضة هذه الانتخابات في
٦/٢/١٩٩٢.
الرقم الصعب
واليوم تراجعت أحزاب المعارضة عن قرار مقاطعة
الانتخابات البلدية، بعد خروج ولد مكناس من أقوى حزب معارض وتأسيس حزب الاتحاد من
أجل الديمقراطية والتقدم، المنادي بالمشاركة في الانتخابات بدون شروط مسبقة، ويدور
حديث عن دوافع هذا الانسحاب بإيعاز من فرنسا التي أقنعت ولد الطايع بضرورة التعامل
مع جماعة ولد مكناس كبديل للمعارضة الأخرى، وعن إمكانية حصوله على حقيبة وزارية
وعن لقائه مع ملك المغرب صحبة الرئيس الموريتاني السابق المختار ولد داده، وحضوره
للاستفتاء حول الصحراء.
وهكذا تعقدت الخريطة السياسية الموريتانية
وتداخلت خطوطها، ووصلت إلى ثمانية عشر حزبًا في أربع تيارات كبرى: الشيوعيون
بجناحيهما، والقوميون بجناحيهما الناصري والبعثي، والقوميون الأفارقة الذين يركزون
على الهوية الإفريقية الزنجية لموريتانيا. علمًا بأن الخلافات العرقية أدت إلى
صدامات بين موريتانيين وسنغاليين في أبريل ١٩٨٩.
لكن يبقى الرقم الصعب متمثلًا في الإسلاميين
الذين يشكلون تيارًا يضم جناحين: الإخوان المسلمين.. والاتجاه الإسلامي الممثل في «حزب
الأمة» الذي لم يتم الاعتراف به بعد، والموجود ضمن اتحاد القوى الديمقراطية.
ويطالب الإسلاميون بأسلمة المجتمع على كل الأصعدة وبتطبيق الشريعة الإسلامية،
ومعلوم أن ولد الطايع تراجع عن جوهر القرار بتطبيق الشريعة الذي كان معمولًا به
منذ يوليو ١٩٨٠، لذلك تبنى الإمام سيدي يحيى زعيم المعارضة الإسلامية خطابًا شديد
اللهجة خاصة بعد رفض السلطات الاعتراف بالحزب الذي قدمت تأشيرته في يوليو ١٩٩١ إثر
صدور قوانين تسمح بتكوين أحزاب سياسية غير دينية. وينادي حزب الأمة بالمصالحة بين
العرب والزنوج، وبالقضاء نهائيًا على العبودية، وتحرير المرأة على الطريقة
الإسلامية والدفاع عن المستضعفين.
وتسعى السلطات جاهدة من أجل تضييق الخناق على
الإسلاميين، الذين بدأوا باكتساح الساحة الطلابية والطبقة المثقفة.
ويبدو أن الصراع مازال مفتوحًا بين النظام
والصحوة الإسلامية، خاصة وأن الخطاب الرسمي يتبنى شعار الإسلام دين الدولة، ويحاول
سحب البساط من تحت الحركة الإسلامية، التي تثير قلق القوى الخارجية المتابعة
والمتدخلة في الشؤون الموريتانية.
اقرأ أيضًا:
تطورات الأوضاع في موريتانيا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل