العنوان الخطة الأمنية: حرب لبنان وسلام إسرائيل
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
مشاهدات 50
نشر في العدد 682
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
عقد مؤخرًا في العاصمة السورية دمشق اجتماع بين الجانبين السوري واللبناني للتباحث حول الخطة الأمنية المقترحة في جبل لبنان، وبسط سلطة الحكم على مختلف المناطق اللبنانية وإجراء إصلاحات سياسية. كما تطرق الاجتماع إلى الترتيبات الأمنية التي يطالب بها الإسرائيليون مقابل انسحابهم من الجنوب اللبناني.
وقد جاء هذا الاجتماع الذي لم يعلن عنه مسبقًا بعد يوم واحد من اجتماع في دمشق بين وليد جنبلاط وعبد الحليم خدام تركزت على مسائل سياسية وأمنية.
ومن المقرر أن تعقد الحكومة اللبنانية في وقت لاحق اجتماعًا لإجراء بعض التعيينات في بعض المراكز الحساسة، كرئاسة أركان الجيش بعد مقتل رئيس الأركان الدرزي اللواء نديم الحكيم في حادث الطائرة المروحية الغامض، وكذلك تعيين رئيس لكل من مجلس الإنماء والإعمار ومصرف لبنان، وإشغال المنصب الوزاري الذي خلا بوفاة بيير الجميل مؤسس حزب الكتائب الماروني. وذلك لن يتم قبل انتخاب رئيس جديد للحزب الذي فجر الشرارة الأولى في حرب لبنان التي مضى عليها حتى الآن حوالي عشر سنوات.
وهنالك مشكلة نيابية ناشئة عن خلو مقاعد عشرة من النواب تسعة منهم بسبب الوفاة ومقعد واحد خلا بسبب انتخاب صاحبه رئيسًا للجمهورية. هذه المشاكل الصغيرة لا يمكن حلها بمعزل عن المشاكل الأمنية والسياسية ومشاكل الاحتلال، بل ومستقبل لبنان كله بمعزل عن التشاور مع السلطات السورية التيكان لها منذ بداية الأزمة اللبنانية وحتى الآن دور بارز في ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع الداخلي في لبنان، بل وفي المواجهة أو التنسيق مع أطراف عربية أو إقليمية أو دولية لها دور إيجابي أو سلبي في أحداث لبنان.
والزيارتان اللتان قام بهما كل من عبد الحليم خدام ومحمد الخولي إلى لبنان مؤخرًا تدخلان ضمن الجهود المكثفة التي يقوم بها النظام السوري هذه الأيام لوضع الخطة الأمنية اللبنانية موضع التنفيذ، وإقناع الفرقاء المتصارعين في لبنان بضرورة الاتفاق على تنفيذ هذه الخطة قبل نهاية العام الحالي على أبعد التقديرات «لأن هناك عملية تحول أساسية ستحدث في لبنان وفي المنطقة» وأن التحرك السوري في بعض البلدان العربية منطلقًا من بعض المعلومات التي وصلته من «مصادر شرقية وغربية حول هذا الموضوع» في انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية وما ينتظر من «تطورات في منطقة الشرق الأوسط» مرتبطة باجتماع مرتقب بين الرئيسين السوفيتي والأمريكي في الربيع المقبل للبحث في أمور المنطقة وبالتالي أمور العالم بكاملها.
ولعل المحاولات المستميتة من قبل قيادة المنظمة للاتفاق مع سوريا والمحاولات المستميتة من قبل سوريا لإقصاء القيادة الفلسطينية، إنما يدخل ضمن هذه الحلول المرتجاة والتي يريد كل طرف أن يكون صاحب النصيب الأوفى من «غنيمة الصلح مع اليهود!»
ولكن اليهود الذين لا يريدون لهذا الصلح أن يعود بفائدة إلا عليهم وحدهم، والذين وجدوا في البوابة اللبنانية معبرًا لتحقيق المرحلة الثانية من أهدافهم التي انتهت بتوقيع الصلح مع مصر، هؤلاء اليهود الذين أسهموا إسهامًا مباشرًا في صناعة الأزمة اللبنانية لا يريدون لهذه الأزمة أن تنتهي إلا حسب تصورهم هم، وبالطريقة المناسبة لهم والوقت الذي يلائمهم. ولذلك اعترضوا على الخطة الأمنية وأوعزوا لوليد جنبلاط أن يعترض عليها، وأصبح وليد جنبلاط في نظر الكتائبيين الموارنة منفذًا للمخطط الإسرائيلي! وأصبح الكتائبيون الذين فجروا الأزمة اللبنانية واستدعوا القوات الإسرائيلية وأقاموا لهم في القدس المحتلة «مكتب اتصال»، أصبح هؤلاء أكثر وطنية من وليد جنبلاط الذي يرفض دخول قوات السلطة إلى منطقة الجبل ويرفض عودة المهجرين المسيحيين إلى بيوتهم. وهكذا تعثرت الخطة الأمنية في بيروت الكبرى التي يريدها الإسرائيليون مرتبطة بالترتيبات الأمنية المتعلقة بالجنوب والتي تتضمن من ضمن ما تتضمن أن يكون هناك کیان درزي شبه مستقل «كانتون» يكون حاجزًا أمنيًا لهم، بالإضافة إلى الحاجز الأمني لجيش «لحد» وأما الكانتون الماروني حول جونية فهو بعيد نسبيًا وهو لازم في مرحلة لاحقة.
وكان اليهود قد أرسلوا وفدًا من دروز فلسطين المحتلة يحذرون وليد جنبلاط من دخول قوات السلطة إلى الجبل الذي يجب أن يكون منطقة نقية للدروز، وإلا غير اليهود سياستهم معه، وهم الذين لم يجردوا قواته من سلاحهم وسمحوا للأسلحة الثقيلة أن تصل إليه، وهيأوا له إقامة «الكانتون» شبه المستقل.
موقف الدروز:
وقد برر الدروز عدم قبولهم بدخول قوات السلطة وبعدم السماح للمهجرين المسيحيين بالعودة إلى بيوتهم، بأن ذلك مرتبط بهيمنة جيش السلطة على المناطق المارونية في المقابل وبإجراء تعديلات في بنية الجيش بحيث لا تكون السيطرة للمارون على حساب الطوائف الأخرى، حيث إن الألوية ذات الصبغة المارونية هي الألوية الأقوى تسليحًا، وإن من المفروض أن تزود الألوية ذات الأقلية المارونية بأسلحة مماثلة. ثم إن عودة المهجرين في هذا الوقت كما يقول الشيخ محمد أبو شقرا - شيخ عقل الطائفة الدرزية- لا يحقق الأمن ، بل بالعكس فإن ردود الفعل الثأرية من ذوي الذين قتلوا في «الحرب ستكون عنيفة، فعندما كان يقتل قتيل في بلدة ما لا سيما في هذه المناطق كانوا يضطرون إلى إجلاء القاتل عن بلدته ويعقدون ما بين المتخاصمين، ورغم ذلك يبقى القاتل خارج منطقته حتى لا تحصل عملية ثار أو مشاكل جديدة فالجرح عميق في الوقت الحاضر بل وهناك مئات القتلى بين الطرفين» ويعتبر أبو شقرا أن محاولات السلطة بسط سيطرتها على المناطق الدرزية ذات نيات سيئة لعودة السيطرة المارونية وعودة الظلم إلى الدروز وهو يقول: «أنا أعتبر المارونية السياسية اليوم أخطر علينا من إسرائيل التي لم تدمر قرانا وتقتل أهلنا».
ويجعل قادة الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يضم غالبية درزية موقفهم من تسوية الأزمة اللبنانية وتنفيذ الخطة الأمنية فيما يلي:
1 – إلغاء خطوط التماس في الجبل من كفر شيما - الشويفات وصولًا إلى عاليه مرورًا بسوق الغرب وعيتات».
2- إعطاء دور للواء الحادي عشر وغالبيته من الدروز بعد تطعيمه بعناصر من اللواء الأول الموجود في البقاع والذي يقوده العميد إبراهيم شاهين على أن يجهز اللواء الحادي عشر بعتاد عسكري مناسب للعمل الذي سيقوم به أسوة بغيره من ألوية الجيش.
3- فتح الطرقات الدولية كخطوة أولى من بيروت إلى الكحالة فعاليه، ومن عاليه إلى سوق الغرب فقبر شمون حتى خلدة.
4- أما الوصول من عاليه إلى صوفر فيجب أن يتزامن مع فتح طرقات الشمال وإلغاء حاجز البربارة الكتائبي، وحاجز المدفون التابع للجيش وجنوبًا من خلدة إلى الأولى بعد إلغاء حاجز الرميلة الكتائبي.
5 - يواكب هذه الخطوات البدء بدرس الإصلاح السياسي وفق ما نصت عليه بيانات جنيف ولوزان ودمشق وبكفيا.
موقف الموارنة:
هذه البنود التي يطرحها الدروز إنما هي رد على البنود التي يطرحها الكتائبيون والتي تتضمن:
۱ - تأمين عودة المهجرين المسيحيين إلى البلدان والقرى التي هجروا منها قبل فصل الشتاء المقبل.
2- إعادة الوضع طبيعيًا في الجبل بمعنى أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه قبل الأحداث بما في ذلك النشاط الحزبي والسياسي.
3- قطع الطريق على الشائعات التي تقول إن هناك قرارًا بعدم السماح للمسيحيين بالعودة إلى الدامور وبحمدون المحطة وسواهما من البلدان والقرى التي تتحكم بالطرق أو التي يمكن اعتبارها عقدًا عسكرية استراتيجية.
4 - توسيع المساحة التي تسيطر عليها الشرعية وفك الطوق عن بيروت والقصر الجمهوري في بعبدا، وفتح مجالات جديدة للنشاط التجاري والصناعي الذي يعاني من أزمة حادة هذه الأيام.
موقف الشيعة:
وأما رئيس منظمة «أمل» الشيعية وزير الدولة لشؤون الجنوب، المحامي نبيه بري فهو يرى أنه لا خطة أمنية نهائية ولا إصلاح سياسي إذا لم يرتبط ذلك، بل يعتمد أساسًا على حل مشكلة الجنوب المحتل من قبل القوات الإسرائيلية، والذي يضم غالبية شيعية. ومن المعروف أن اليهود قاموا بتحويل مياه نهر الحاصباني والوزاني إلى داخل فلسطين المحتلة والدور قادم على نهر الليطاني.
والمياه شريان الحياة في فلسطين المحتلة وفي كل مكان، ولذلك كانت مخططات اليهود القديمة للاستيلاء على المياه وتحويلها إلى فلسطين لجلب مزيد من المستوطنين، وكان وصولها إلى مياه نهر الأردن والاستيلاء على الجزء الأكبر من مياهه هدفًا تم الوصول إليه.
وأما نهر الليطاني فهو هدف قديم أصبح قيد التنفيذ، ولعل سبب إصرارهم على البقاء في منطقة طابا المصرية هو وجود المياه العذبة بها، كما أن محاولاتهم مع السادات لتحويل مياه نهر النيل إلى منطقة النقب بفلسطين معروفة وقد أعلن السادات أكثر من مرة استعداده لتنفيذها.
والشيعة في لبنان فئات ثلاث: فئة تقاتل اليهود بشراسة من منطلق عقدي وتعتبرهم أعداء، وفئة تمالؤهم وتتعاون معهم، وفئة تبحث عن مصلحة الطائفة حيثما وجدت.
ونحن حينما نتحدث عن الفئات نقصد القيادات السياسية المحسوبة على هذه الطائفة أو تلك، وأما جماهير الشعب اللبناني التي تقاتل اليهود قتالًا مشرفًا ورائعًا وبطوليًا في جنوب لبنان فهي تدرك بحسها الفطري الصادق أن اليهود أعداء يجب مقاتلتهم، ولذلك فقد تصدت للغزو اليهودي منذ البداية ولا زالت تتصدى لهم بما لديها من إمكانيات ضئيلة إلا من الإيمان والعزيمة. وأما أولئك المتزعمون الذين أسهموا في تخريب لبنان سواء بالتحالف مع اليهود أو بالحرص على مصالحهم الضيقة فهم لم يصلوا إلى مستوى النقاء الثوري الجهادي الذي تتميز به جماهير الشعب المقاومة للغزو اليهودي، بل للكيان اليهودي ابتداء.
والذين يتصدون للروح الجهادية في جنوب لبنان وفي شماله في البقاع وفي الجبل في بيروت وفي كافة أرجاء لبنان إنما هم متآمرون وضالعون في مخطط التخريب لصالح الكيان اليهودي وأعوانه سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوا.
ومشكلة لبنان لن تحلها الخطة الأمنية في الجبل ولا الترتيبات الأمنية في الجنوب، ولن تحلها عرقلة هذه الخطة ولا إعاقة تلك الترتيبات انتظارًا لفوز ريغان مرة أخرى أو لفوز حزب العمل إن كان في إمكانه الفوز.
إن مشكلة لبنان لا يمكن فصلها عن المشكلة الفلسطينية وإن المشكلة الفلسطينية لا يحلها الوفاق الدولي ولا الخلاف الدولي ولا المؤتمر الدولي إنما يحلها الجهاد ولا شيء غير الجهاد. وتحرر لبنان لا يتحقق من خلال الهيمنة المارونية وعزته لا تتحقق من خلال التحالف مع اليهود، ونفض اليد من القضية الفلسطينية والعدالة فيه لا تتحقق بقيام الكانتونات أو الدويلات الطائفية، ومن ساوم على القضايا المصيرية لمصالح ذاتية أو فئوية فلن يجني غير الدمار والبوار والعاقبة للمتقين.
وإن تصفية الإسلاميين في الشمال وقتل الفلسطينيين داخل السجون لن يحقق للمتآمرين مآربهم ما دام في هذه الأمة من عرف طريق الجهاد الذي يقود إلى العزة في الدنيا والفلاح في الآخرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل