; البيت الذهبي :الخلافات الزوجية | مجلة المجتمع

العنوان البيت الذهبي :الخلافات الزوجية

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006

مشاهدات 71

نشر في العدد 1689

نشر في الصفحة 60

السبت 18-فبراير-2006

الإسلام أولى الخلافات الزوجية عناية عظيمة وبين سبل علاجها وجعل الصلح أول خطوة في طريق الحل

الخطأ ألا نحاول إزالة المشكلة بتفهم أسبابها وكيفية التعامل معها وعلاجها

 التحاكم إلى شرع الله وعدم نشر المشكلة والحوار الهادئ والتفاهم شراع الأمان للأسرة

أخذ الهم منها كل مأخذ وهي تنظر حولها فترى حلمًا يتبدد، وكبدًا يتفطر وعينًا تدمع، وبيتًا أعمدته تتهدم ها هي ترى صديقة عمرها ورفيقة طفولتها وشبابها تبدو كعجوز مسنة وهي تتجرع مرارة الوحدة والفراق، وآلام العزلة والبعاد، تشيعها النظرات المشفقة أو المعاتبة كلما جاءت أو ذهبت، في العشي والإبكار في أي طريق مشت وفي أي فج سلكت لذا فقد آثرت العزلة والانقطاع عن الناس. 

تساءلت في نفسها ذلك السؤال الذي يجلجل في أعماقها وأعماق الكثيرات مثلها:

 أما كان بالإمكان أن يكون الحال أفضل مما هو عليه الآن؟ «قدر الله وما شاء فعل».

 أما كان لنا أن ندفع قدر الله بقدر الله أيضًا؟ إن الوقوف والاستسلام للأقدار دون الأخذ بالأسباب لهو العجز بعينه، فالله خالق الأسباب، وهو مقدر الأقدار، وإنما نفر من قدر الله إلى قدر الله.

 أما كان الأجدر بتلك الصديقة وذلك الزوج أن يبذلا كل جهد ويتخطيا أي عقبة للحفاظ على أعمدة البيت العامر أن تنكسر وتنهار؟ أليس من الأفضل التروي والاحتفاظ بالهدوء والاتزان بدلًا من الطيش وانفلات اللسان بكلمة يتبعها الحسرة والندامة «طلقني أنت طالق». كلمة من بضعة حروف، خفيفة اللفظ، سريعة التزلج على طرف اللسان، ولكنها مريعة النتائج وخيمة العواقب، ثقيلة التبعات، يبدو أثرها على البيت وكل من فيه من زوج وزوجة وبنين وبنات، هم من بناة المجتمع، وحاضر الأمة ومستقبلها، ومن ثم فقد أفلح الشيطان حين نجح في فك تلك الروابط الغليظة التي يهدم معها مجتمعًا بأسره، وأمة بأجمعها ويوقع الجميع في شباك الأذى والشر المستطير.

 هدم العش: إن من المؤسف أن تجد بعض الأزواج والزوجات يشارك ولو عن غير قصد أو بحسن نية - كما يقول- في تقويض جدران بيته الذهبي الجميل، وهدم عشه العامر الذي طالما حلم ببنائه وتعب من أجل تأثيثه وتمني سكناه، ولكنه لا يلبث أن ينطفئ بريقه ويطمس، ويخبو نوره ويطفأ وقد تنكسر أعمدته ويتهدم سقفه، ويفاجأ كل الزوجين أنه صار في العراء. نعم في العراء ألم يقل سبحانه وتعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسࣱ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاس لَّهُنَّۗ (البقرة:187) فإذا ما صارا في العراء تشرد الأبناء، وتمزقت أواصر الألفة والمحبة بين الجميع.

 الزواج شركة بين الرجل والمرأة 

ألست معي أن الزواج شركة بين الرجل والمرأة رأس مالها المودة والرحمة، وأرباحها التفاهم والمحبة؟ وليس معنى حدوث أي خلاف أو شقاق بين أي شريكين أن يخاصم كل منها الآخر ويناصبه العداء أو ينفصل عنه فيكشف ستره ويظهر عيبه ويهتك ما خفي من أمره، فتفلس الشركة وتعلن إفلاسها.

 بل إن الواجب أن يحاولا حل خلافهما بكل طريق ممكن وبأقل خسارة تقع، فما بالك إن كانت تلك الشركة هي أعظم الشركات وأولاها بالصيانة والإصلاح، وهي أكبر المؤسسات بكل ما تحمله هذه الأسرة من المعاني الجميلة من أمن وسكينة، ودفء وطمأنينة، وتضحية وإيثار، ونسل وإعمار.

 بعد أن تأسست بأمر الله وتعاهدت على القيام بمتطلبات ذلك الميثاق الغليظ لذا فإن شريعتنا الغراء ما تركت جانبًا فيه الإصلاح لحياة الإنسان إلا تعرضت له تفصيلًا أو إجمالًا، وليس أدل على ذلك من تلك الآيات القرآنية التي تعالج عن قرب الخلافات الزوجية، وتوضح أدب التعامل معها وكيفية علاجها، وتلك السنة المحمدية الزاخرة بالوصايا التي اهتمت بذلك أيما اهتمام.

 إن لكل مرض تشخيصًا، ولكل داء دواء يبدأ بمعرفة المرض وأسبابه وكيفية التعامل معه، ووصف العلاج المناسب له، على ألا نعطي الأمر أكثر من حجمه، ولنا في رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة، فلقد زار ابنته فاطمة -رضي الله عنها- ذات يوم ووجدها غير هاشة كعادتها، وعلم أن خلافًا قد وقع بينها وبين زوجها على -رضي الله عنه-.

 وكان علي خارج البيت، فذهب الرسول  إليه حيث وجده نائمًا بالمسجد على التراب فداعبه بقوله «قم أبا التراب» ( الطبراني ). ومازحه ولم يعكر صفو حياته الزوجية بتعميق المشكلة، بل أخذه إلى بيته وأعطاه الفرصة ليعالج بنفسه المشكلة مع زوجته. 

فما من بيت إلا وله من الخلاف نصيب قل أم كثر، وليس ذلك خطأ، بل إن الخطأ ألا نحاول إزالة المشكلة بتفهم أسبابها وكيفية التعامل معها وعلاجها في أسرع وقت لأنها كالسوس ينخر في الساق المتين فيضعفها ويفتتها، وهي مرض يسري في جسد الحياة الزوجية فيوهنه ويفت في عضده ولعل من أسباب تلك الخلافات غياب المنهج الإسلامي في العلاقة بين الزوجين، مما يؤدي إلى تفاقم الخلافات ما لم تدرك.

 وإذا أردنا أن نتعرض لبعض أسباب تلك الخلافات الزوجية نجد منها:

 -تفريط الزوج أو الزوجة في بعض الحقوق التي عليه، أو إهمال أحدهما للآخر.

 -الثورة والغضب وعدم التريث في فهم الأمور على حقيقتها فيترتب على ذلك سوء الفهم والظن الخاطئ فينشأ الخلاف. 

-التربية الخاطئة للزوجة أو للزوج -قبل الزواج- وعدم معرفة الحقوق والواجبات.

- السماح بتدخل الأهل والأقارب وخروج الخلاف خارج أسوار البيت.

 -سوء الأحوال المادية والاقتصادية للزوج، وسوء التدبير في الإنفاق من قبل

 الزوج أو الزوجة.

-سوء علاقة أحد الزوجين بأهل وأقارب الزوج الآخر.

 -الاختلاف في طريقة تربية الأولاد و اختلاف شخصية الزوجين.

 شراع الأمان للأسرة المسلمة:

 إن السفينة إذا تركت في مهب الريح تعصف بها دون رفع الشراع لحمايتها قد تنقلب ويهلك من فيها، وسفينة الأسرة هي أولى بالرعاية، لذا فعلى الزوجين أن يشرعا في وضع دستور الحماية الدائم لتلك المؤسسة ويتفقا عليه ليسهل التعامل مع الخلافات التي لا يخلو منها بيت، ولا حرج في ذلك، إنما الحرج أن يترك الحبل على الغارب لمشكلة ما فلا تعالج، وقد تبدأ صغيرة فإذا بها تكبر حتى تهدم صرح الأسرة الشامخ. ومن هذه المبادئ: 

-لا يجوز الاختلاف على أمر ديني ثابت أو حق من حقوق الزوجين. 

-التحاكم إلى شرع الله واللجوء إليه عند وقوع المشكلة.

- عدم نشر المشكلة بداية بل يعالجها الزوجان معًا بسرية تامة حتى عن الأبناء. 

-الحوار الهادئ والتفاهم أعمدة مهمة وضرورية لعلاج أي خلاف، مع النصح والتواصي بالحق، والموعظة الحسنة.

 - لا هجر بين الزوجين إلا في البيت، مع ترك الغضب والتحلي بالصبر واللين. 

- تحديد مدة زمنية لحل الخلاف ينتهي عندها مهما كان، على أن يعتذر المخطئ ويتصالح الزوجان.

 إن تذكر المواقف والصفات الطيبة لكل من الزوجين، والانتباه إلى أن المستفيد الأول والوحيد من تلك الخلافات هو «الشيطان الرجيم» كل ذلك يساعد ويساهم في حل المشكلة، وتخطي الأزمة بسلام.

 موقف الإسلام من الخلافات الزوجية:

 وخلاصة القول: إن الإسلام قد أولى «الخلافات الزوجية» عناية عظيمة وبين سبل علاجها، وجعل الصلح أمرًا واجبًا لا مفر منه كخطوة أولى في طريق أي حل آخر. 

قال تعالى: ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضࣰا فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَاۤ أَن یُصۡلِحَا بَیۡنَهُمَا صُلۡحاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَیۡر (النساء: ۱۲۸)

 وقال ﴿وَلَن تَسۡتَطِیعُوۤا۟ أَن تَعۡدِلُوا۟ بَیۡنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِیلُوا۟ كُلَّ ٱلۡمَیۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورا رَّحِیما (النساء:129).

 فيكون الصلح بين الزوجين على مرحلتين: 

-صلح يقوم به الزوجان بعيدًا عن كل تدخل خارجي وذلك حفاظًا على قدسية حياتهما الزوجية وسريتها، كما ذكر في الآيتين السابقتين، والحكمة من وراء الدعوة لذلك الصلح إعطاء الفرصة للزوجين ليراجع كل منهما نفسه ويعود إلى ربه وضميره فيصحح خطأه، فيصطلحا.

 -صلح علني يخرج الحكم فيه من يد الزوجين وتكون الكلمة فيه للحاكم الشرعي وأهل الصلح من العقلاء، وهذا الصلح يعني أن الأمور قد تعدّت واستحكمت أسباب الخلاف إلى درجة لم يعد فيها الزوجان بقادرين على حلها حلًا مرضيًا.. قال تعالى:

 ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَیۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُوا۟ حَكَما مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَما مِّنۡ أَهۡلِهَاۤ إِن یُرِیدَاۤ إِصۡلَـٰحا یُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَیۡنَهُمَاۤ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِیمًا خَبِیرا (النساء:35).

- وهذه المرحلة يطلق عليها مرحلة التحكيم أو صلح التحكيم وهي لإصلاح ذات البين، وهو هنا لجوء الزوجين لطرف ثالث محايد للحكم بينهما في موضوع الخلاف، والغرض منه الإصلاح والمصالحة، على أن يتصف الحكمان بالعدل الذي يبعدهما عن الهوى أو الميل لأحد الطرفين، والعلم الذي يؤهلهما للحكم بأحكام الدين في هذا الخلاف والمعرفة بالعادات والتقاليد الإسلامية الصحيحة، وأن يكونا من الأقارب ذوي العقل والرأي في العائلة أو العشيرة -إن كان ممكنًا - كي يحافظا على أسرار الزوجين ويشجعاهما على البوح بتفاصيل الخلاف دون خجل.

 -فإذا ما بذلت الجهود وفشلت كل طرق العلاج والوفاق، وأصبح الإبقاء على رباط الزوجية شاقًا وعسيرًا، بحيث لا تتحقق معه الأهداف والحكم الجليلة التي أرادها الله تعالى لذلك الرباط المقدس، فقد جعل التشريع الإسلامي مخرجًا للزوجين من هذه الضائقة وإن كان أبغض الحلال إلى الله وآخر العلاج الكي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 36

116

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

حول الفن الإسلامي

نشر في العدد 1896

84

السبت 03-أبريل-2010

ما الذي حدث؟