; الخلايا العلمانية «النائمة» بين ضلوع الأمة.. أصل الداء | مجلة المجتمع

العنوان الخلايا العلمانية «النائمة» بين ضلوع الأمة.. أصل الداء

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002

مشاهدات 53

نشر في العدد 1532

نشر في الصفحة 36

السبت 28-ديسمبر-2002

 ليست المشكلة في تصريحات صدرت منسوبة إلى مفيد فوزي ضد عمرو خالد ثم نفاها

 ألم يحن الوقت للحكومات التي تخاصم الإسلام أن تراجع أجندتها وتفض هذا التحالف النكد مع التيار العلماني الاستئصالي؟

 لسنا بصدد شخص وإنما نحن أمام «حالة» علمانية مزروعة في بلادنا منذ عهد المعلم يعقوب عميل الحملة الفرنسية تسعى لحظر الإسلام على أبنائه حتى يظل المشروع الغربي قائمًا.

«لا أعرف عمرو خالد أصلًا ولم أره مطلقًا. ولا أعرف هل هو أفندي أم شيخ. ولا أعرف الممثلة ميرنا المهندس. وذلك النوع من الموضوعات ليس من اهتمامي».

هكذا بدأ الإعلامي المصري مفيد فوزي في برنامج صباح الخير يا مصر الذي بثه التلفاز المصري صباح الاثنين ۱٦/۱۲ الجاري، وذلك لكي ينفي صلته بموضوع الهجوم الذي نسب إليه على الداعية عمرو خالد وعلى الحجاب» من خلال ترحيبه بخلع الممثلة ميرنا المهندس حجابها وعودتها للتمثيل.

 خرج علينا مفيد بسبب عجيب عن سر صمته طوال هذه الفترة التي تزيد على الشهر دون رد على ما نُسب إليه خاصة أن العديد من الكتاب والصحفيين تساءلوا خلال هذه الفترة عن سبب صمته!

. قال: إن السبب هو أنه «كمن ألقيت عليه طوبة، وهو يمشي في الصحراء، فكان مذهولًا من صدمة الحجر»!! وأضاف: «إنني أحترم الحجاب. ولا بد أن نهتم بالقضايا الكبيرة ولا نضيع وقت الشعب في القضايا التافهة مثل هذه القضية، وإن علينا جميعًا أن نعمل من أجل مصر».

ويبدو أن التوضيح الذي نشره مفيد في مقال له بأخبار اليوم السبت ١٤/١٢ لم يكن واضحًا أو كافيًا إذ قال: «ما قيل على لساني عن واحد من الدعاة لم يصدر عني، لا في صحيفة ولا في أي وسيلة إعلامية أخرى ولن أكون طرفًا في هذه الفرية السوداء الحاقدة».

مرة أخرى نراجع توضيحات مفيد فوزي ونركب بعضها إلى جوار بعض لتبدو وحدة واحدة، فنكتشف ما يلي:

أولًا: إصراره على التقليل من قدر عمرو خالد مقابل الاستعلاء بذاته وكأنه أكبر من مثل هذه الأمور فهو في أخبار اليوم يشير إلى «أحد الدعاة» دون ذكر الاسم، ثم يغالي في الأمر عند حديثه بالتلفاز المصري قائلًا: «لا أعرف عمرو خالد أصلًا ولا أعرف هل هو أفندي أم شيخ؟!.

هل يعقل أن مفيد فوزي الإعلامي الكبير الذي يفتش عن النملة لا يعرف أن في مصر داعية اسمه عمرو خالد الذي يعرفه غالبية الناس في العالم العربي. ألم يسمع عنه مرة؟! ثم ألا يعد جهله بعمرو خالد عذرًا أقبح من ذنب كما يقال؟

وهل نفي ما نسب إليه من تصريحات -أحدثت ضجة- يحتاج إلى كل هذا الإيغال المبالغ فيه من نفي معرفته -مجرد معرفة- بعمرو خالد.

 ثانيًا: أن تبريره الصمت طوال هذه الفترة دون توضيح موقفه لا يعدو أن يكون «نكتة».

ونسأل من بالضبط الذي ألقى الطوبة على رأسه وهو يمشي فأصيب بالذهول من صدمة الحجر؟

إن مفيد نفسه بما نسب إليه من سب غير لائق وغير مبرر لعمرو خالد والحجاب والإيمان بالغيب هو الذي «خبط» نفسه بلحجر وهو لا يدري. فجنى على نفسه وعكر صفو الوحدة الوطنية في القطر المصري.

 أو ربما لم يدر في خلد مفيد أن يحدث ما نسب إليه من تصريحات ردود فعل واسعة حركت نوابًا في البرلمان المصري تقديم طلبات إحاطة عاجلة وحركت أحد المحامين فرفع قضية صده تتهمه «بازدراء الأديان». وأهاجت عليه الصحافة المستقلة ومواقع الإنترنت. ربما يكون كل ذلك هو «الحجر» الذي أصاب «مفيد»، ولم يكن يعمل له أي حساب فأصابه بالصدمة لأكثر من شهر حتى استفاق وقرر الرد.

 ثالثًا: أن وسائل قياس الرأي العام أصبحت منضبطة وأن تفاعل الجهات الرسمية المعنية معها أصبح سريعًا ويبدو أن تجاوبًا وتفاعلًا حدثا من جانب هذه الجهات مع ما أحدثته هذه التصريحات، وكان قرارها ضرورة تهدئة الرأي العام الغاضب خاصة أن الإهانات منسوبة إلى مسيحي يحسب على الكنيسة المصرية، وفي نفس الوقت إعلامي محسوب على الحكومة، فكان لا بد من الضغط عليه لتوليد بعض كلمات الاعتذار أو النفي من بين شفتيه. وذلك موقف يحسب لهذه الجهات، فقد حاصرت الشرر قبل أن يتحول إلى حريق كبير.

 وعلى كل الأحوال. فقد أغلق ملف هذه القضية بخروج مفيد سالمًا من الحفرة التي اتهم الموساد بصناعتها «الحياة 23/12 الجاري». وانتهى الموقف بتأكيدات مفيد فوزي المتكررة نفي صلته بالموضوع. لكن أصل الداء ما زال مدفونًا بيننا، مغروسًا في مجتمعاتنا وأعني به هذه الحالة، من خاصمه التدين في مجتمعاتنا العربية والحيلولة دون عودتها إلى إسلامها، ومحاولة العيش بهدي تعاليمه قولًا وسلوكًا والتدثر بردائه والحياة تحت مظلته.

وليس بخاف أن الذي صنع هذه «الحالة»، ويعمل على تفعيلها هو التيار العلماني المدعوم من كثير من الأنظمة الحاكمة في البلدان التي وقعت في فخ معادلة غير صحيحة وهي أن المزيد من التدين في المجتمعات يعني المزيد من تناقص عمرها الافتراضي على كراسي الحكم، فكان لا بد من محاصرة ذلك بشتى السبل والوسائل، وبدهاء ودون إظهار الخصومة للدين أو للتدين. ومن هنا انعقدت شراكة بين الطرفين صاحبي المصلحة. التيار العلماني بمشروعه التغريبي وبعض الأنظمة بمشروعها الجاثم على كراسي الحكم.

ومن هنا، فليست المشكلة فقط في كلمات صدرت منسوبة إلى مفيد فوزي تهاجم عمرو خالد أو الحجاب أو الغيب، ولكن المشكلة أننا أمام مشروع متكامل يقوم على رعايته التيار العلماني بتصنيفاته الفكرية السياسية وتحميه بعض الأنظمة من خلال تمليكها إياه معظم وسائل الإعلام وأدوات الثقافة ليتلاعب بالأمة كيف يشاء.

وأصبحنا نفاجأ بين الحين والآخر بواحدة من ضربات هذا التيار العلماني لعقيدة الأمة أو ثوابتها الدينية أو شعائرها أو دعاتها. إنها خلايا علمانية نائمة بين ضلوع مجتمعاتنا. وفجأة تصدمنا تلك الخلايا بهجوم ضار على الحضارة الإسلامية والعقيدة، أو تعريض بالرسول ﷺ أو بحملات ضارية ضد الحجاب. أو بترويج قصص، وكتب بأبخس الأسعار، تعلن الإلحاد وتسب الذات الإلهية وتروج للرذيلة والإباحية.

 وأمامنا هنا نموذج على ذلك من مصر أيضًا. فقد ظلت وزارة الثقافة المصرية -كما نعلم- تنشر بتخطيط وتنفيذ فريق من العلمانيين الاستئصاليين سلاسل من الكتب التي تعبث بهوية الأمة ودينها وتبيعها في الأسواق بأسعار مدعومة حتى حدثت واقعة نشر رواية «وليمة لأعشاب البحر» التي تسبب نشرها في ردود فعل عنيفة بين الشعب المصري أسفرت عن سحب الرواية من الأسواق، وإغلاق الجريدة التي كشفت المصيبة -الشعب- حتى الآن.

  ولم تراجع وزارة الثقافة إنتاجها ولا إصداراتها توقيًا الحدوث أزمة أخرى، ولكن كل شيء تم نسيانه وظلت الخلايا النائمة تعمل على طريقتها في إصدار الإنتاج الرديء نفسه إصرارًا منها على إكمال رسالتها في تخريب المجتمع حتى فاجأ النائب الإسلامي جمال حشمت -الذي أسقط مجلس الشعب عضويته منذ أسبوعين- وزير الثقافة بكمية من الإصدارات التي تضرب ثوابت الأمة، وتدور موضوعاتها من قريب أو بعيد حول نفس موضوع رواية «وليمة لأعشاب البحر»، ويسأله عن مدى علمه بإصدار هذه الإصدارات، فما كان أمام الوزير إلا إقالة المسؤولين عن ذلك في وزارة الثقافة خروجًا من المأزق، ثم جرى إعادة بعضهم بعد مرور العاصفة. وهكذا أصبحنا أمام لعبة القط والفأر بين الحين والآخر نفاجأ بغارات شبه منتظمة على الدين وثوابته وشعائره ودعاته، وكلما انقضت غارة تلتها أخرى.

 ولذلك فإننا نذكر بأنه قبل مفيد فوزي صدرت عن آخرين كتابات وكلمات لا تقل في عدوانيتها عما قاله، وبعد أن اعتذر مفيد أو نفى ما قاله لن يكون ذلك آخر المطاف. فسوف يخرج علينا مفيد ثان وثالث، لأننا لسنا بصدد شخص أو أشخاص، وإنما نحن أمام «حالة» مزروعة في بلادنا منذ عهد المعلم يعقوب عميل الحملة الفرنسية وسمسارها الأول ما زالت تصر على أن رسالتها هي حظر الإسلام في بلاده وعلى أبنائه حتى يظل المشروع الغربي قائمًا.

 والسؤال الذي يلح اليوم وسط التطورات الدراماتيكية المتلاحقة: ألم يحن الوقت للأنظمة والحكومات التي «تخاصم» الإسلام -بطريق مباشر وغير مباشر- أن تراجع أجندتها وتحالفاتها واستراتيجياتها وتعيد ترتيب أوراقها؟ فالحملة الغربية الدائرة لن تبقي ولن تذر إلا من ينبطح أرضًا ويسلم بكل شيء. الحملة الدائرة تستهدف تغييرًا دمويًا وجذريًا لبلادنا سياسيًا وثقافيًا وحضاريًا. وسيغيب الكثير من اللاعبين عن الساحة وأولهم أولئك الذين خدموا المشاريع الغربية.

 ليس المطلوب قصف أقلام التيار العلماني ولا قصل رقابهم. ولكن المطلوب حوار يغمد فيه الجميع حرابهم ويفكرون بعقولهم وصولًا إلى أرضية مشتركة وصلبة تشكلها الهوية والحضارة والوطنية والحرص على مستقبل الأجيال في مواجهة الطوفان القادم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

472

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الأسرة - العدد 6

نشر في العدد 8

500

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال