العنوان الخلق الحسن مفتاح القلوب وسر نجاح الدعاة
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1619
نشر في الصفحة 52
الجمعة 24-سبتمبر-2004
تحلى به الرسول ﷺ وحث عليه
*من دلائل شجاعة من يقول كلمة الحق الرجوع عن رأي تبين له فساده
*الإسلام أباح للمسلم أن ينقد غيره في حدود الكتاب والسنة مع مراعاة أدب النقد والنصح.
دعا إبراهيم عليه السلام ربه كما جاء في كتاب ربنا ، قال تعالى:﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129). فاستجاب الله سبحانه دعوة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: 164).
إن المتأمل في الآيتين يجد أن دعوة إبراهيم -عليه السلام- سبق العلم فيها التزكية، واستجابة الدعوة سبقت فيها التزكية العلم.
ليتبين أن الله سبحانه - وهو أعلم بمراده- يريد أمة مرباة قبل أن تتعلم، أمة صاحبة خلق قويم منبعه القرآن العظيم، ولما سئلت عائشة رضوان الله عليها عن خلق رسول الله ﷺ قالت:كان خلقه القرآن، وما له لا يكون كذلك وهو القائل ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».[2]
وقد حض ﷺ على التحلي بالأخلاق الحسنة فقال: «أكمل الناس إيمانًا أحسنهم أخلاقًا».[3]
وسئل ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال:«تقوى الله وحسن الخلق».
صلاح الفرد والمجتمع في صلاح الأخلاق
إن إصلاح الفرد والمجتمع يكون في صلاح الأخلاق التي إن فسدت انهارت الأمم في كافة المجالات، لذلك كانت الأخلاق هدفاً من أهم أهداف الإسلام، فقد فتح الله بها قلوباً مغلقة وتأسس من ورائها عن طريق نبينا صرح عال للإسلام الذي لم يترك ناحية من نواحي السلوك البشري إلا وغطاها بما يليق بها من خلق عال وأدب سام.
حياة النبي ﷺ منهج للأخلاق: إن المتأمل في حياة نبينا ﷺ يجد أنَّها تجسيد لكل خلق قويم سام وسلوك طيب راق تجاه الإنسان بل والحيوان.
خلوا شعوب الأرض عنكم وارقبوا | فجر الــــسلام يطل من عدنان |
علمــــــت حتى الرفق بالحيوان في | دنيا تضـــــيع الرفق بالإنسان |
المعـــــجزات لها زمـــــان ينقضي | وأراك مــــــعجزة لكل زمـــان |
نداءات القرآن بحسن الخلق
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).
وفي السنة المطهرة ما لا يمكن حصره، فمنه قول نبينا الكريم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».[4]
مجالات الخلق القويم:
وللخلق مجالات واسعة يتصلح بها حال البشرية جمعاء، إن اتبعت هذا المنهج القويم الذي جاء به سيد الأنبياء ﷺ، قال تعالى: ﴿لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
ونكتفي هنا بذكر مجالين من مجالات الأخلاق الكثيرة، وهما يتعلقان بالأخلاق تعلقًا واضحًا ولا ينجحان إلا بها وهما:
أولًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعد اهتمامًا بأمر الغير رغبة في إشاعة الخير وحرصًا على مطاردة الشر- إن الإسلام أباح للمسلم أن ينقد غيره في حدود الكتاب والسنة، ومع مراعاة أدب النقد والنصح، فهذا عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين يتقبل النقد من عامة المسلمين ويقول: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم تقبلها».
وفي كتاب ربنا المحكم نقرأ أن لعنة الله ق صبت على أولئك الذين كانوا لا يتناهون عن منك فعلوه قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ٧٨- ٧٩).
ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هناك نقطة مهمة لابد أن نعيها وهي: أن الأخلاق النبوية أحاطت هذا الأمر بما ينبغي، حتى لا ينقلب إلى باب شر فيجب على الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتبع ما يلي:
ألا يتجسس على الغير بأي ضرب من ضروب التجسس، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات : ١٢).
أن يتحلى بالحكمة والموعظة الحسنة حتى يقع كلامه موقع القبول، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ ﴾ (النحل: ۱٢٥) وقال ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله».[5]
أن يتحلى بالصبر حتى لو أصابه مكروه قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17).
أن يمتلئ قلبه بالحب لمن يأمره وينهاه حبًا يشعر به المأمور حتى يكون سببًا لانفتاح قلبه لتقبل نصحه، يقول تعالى مخاطبا نبيه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ۚ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128).
أن يتخلق بما يأمر به وبما ينهى عنه، لأن لذلك كبير الأثر في نفس من يأمره وينهاه قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(البقرة: 44).
قال الشاعر:
يا أيها الرجل المــــــعلم غيره | هلا لنفسك كان ذا التــــــــــعليم! |
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى | كيما يصــــــــح به وأنت سقيم |
لا تنه عن خــــلق وتأتي مثله | عار عليك إذا فعلــــــــت عظيم |
ثانيًا: الشجاعة:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: يقول رسول الله ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ».[6]
ومع أن الشجاعة خلق طيب كريم، إلا أنه قد ينقلب إلى تهور واندفاع في غير موضعه، لذا حرص الإسلام ورسوله الكريم على إحاطة الأمر بضوابط وضمانات حتى لا ينقلب إلى ضده فيضر الفرد والمجتمع وتعم الفوضى، ومن وسائل ضمان هذا المنهج القويم:
أن يطبقها الحاكم قبل المحكوم، وأن يكون عنده من الشجاعة الأدبية بأن يواجه قومه قبل أن يواجه خصمه فيقتص منهم، ولنا في معلم البشرية ﷺ المثل الأعلى:
فعن الفضل بن العباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ صعد إلى المنبر في مرض وفاته فقال: «أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت أخذت منه مالًا فهذا مالي فليستفد منه، ومن كنت سببت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ولا يقولن رجل إني أخشــــــى الشحناء من قبل رســول الله، ألا وإن الشحناء ليست من خلقي، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ حقًا كان له عندي أو حللني فلقيت الله طيب النفس» فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، إني لي عندك ثلاثة دراهم، قال: «أما وإنا لا نكذب أحدًا ولا نستحلفه فيم صارت لك عندي؟» قال: أتذكر يوم مر بك مسكين فأمرتني أن أدفعها إليه؟ فقال ﷺ :«ادفعها إليه يا فضل».[7]يعني: ابن عمه العباس.
إذا شاع هذا الخلق في أمة ولبست ثوب الشجاعة عزت وسادت، فها هو رسول الله ﷺ يبين للحكام والمحكومين في شجاعة أدبية أن ظهره كظهورهم، وأن ماله كأموالهم، وأن عرضه كأعراضهم، وأنه معهم على سواء أمام قانون السماء، فليس لأحد بعد ذلك مهما سمت درجته وعلت مكانته أن يزعم أنه فوق القانون يحاكم، أو أن لديه حصانة تحول بينه وبين أن يحاكم كسائر الناس.
2. أن يتلطف من ينطق بكلمة الحق لتجد آذانًا صاغية وأفئدة منفتحة، قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام، وقد أمرهما بمجابهة فرعون في سلطانه وجلاله بكلمة الحق، قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾(طه: 44)، فقد أمرهما سبحانه - مع طغيان فرعون وادعائه الربوبية - بمحاورته باللين.
3. من دلائل شجاعة من يقول كلمة الحق، الرجوع عن رأي تبين له فساده، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وها هو عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وهو أمير المؤمنين يخــــطب على منبر رسول الله ﷺ ويريد أن يضع حدًا للمغالاة في المهور فتقول له امرأة من ناحية المسجد: كيف وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾(النساء: 20])، فيرجع عمر عن رأيه قائلًا: أصابت أمرة وأخطأ عمر.
وهذا مالك بن أنس رضي الله عنهما - إمام دار الهجرة- يضرب الناس إليه أكباد الإبل شهرًا مصعدين وشهرًا منحدرين، ليستفتوه فيفتيهم فيما يعرف- ويقول: «لا أدري» فيما لا يعرف.
والشعبي وهو - إمام البصرة- يسأل فيقول:لا أدري، فيستكثر ذلك رجل فيقول: أما تستحي وأنت إمام البصرة أن تقول: لا أدري؟ فيقول: وهل استحت الملائكة من ربها لما قالت: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 32).
4. الشجاعة تملأ القلب إيمانًا وثقة بالله عز وجل، وممن سبقونا سحرة فرعون كانوا في أول النهار يقولون: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾(الشعراء: 44)، فلما انكشف لهم الحق أعلنوها مدوية آخر النهار: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَالله خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: 7٢- ٧٣).
5. الشجاعة ليست تهورًا واندفاعًا وإنما هي تقدم حيث يجب التقدم، وتأخر حيث يجب التأخر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال: 15- ١٦).
وإذا كان الإسلام ينكر التهور فإنه يبغض الجبن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، قال: «فلا تعطه مالك». قال : أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني، قال: «فأنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته، قال: «هو في النار». [8]
بهذه الأخلاق الحسنة ساد الإسلام وفتح الدنيا، وبها ينجح الدعاة والمربون في تحقيق رسالتهم في توصيل كلمتهم إلى قلوب الناس قبل آذانهم.
(1) رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح والبخاري في الأدب النبوي
(٢) (٣) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.
(٤) رواه الترمذي وأحمد في مسنده.
(5) أخرجه البخاري.
(٦) رواه البخاري.
(٧) رواه أبوداود والترمذي.
(٨) رواه الطبراني وأبو يعلى بإسناد رجاله ثقات.
(9) أخرجه مسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل