العنوان الخليج.. وحدة الشعوب قائمة والدور الآن على الأنظمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1975
مشاهدات 70
نشر في العدد 249
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 13-مايو-1975
في الأيام العشرة الماضية احتفل الأوربيون بمرور ٢٥ عامًا على تأسيس السوق الأوربية المشتركة.
واحتفل الاتحاد السوفيتي بمرور 30 عامًا على هزيمة النازية الألمانية.
واحتفل الشيوعيون والبوذيون في فيتنام وكمبوديا بيوم التحرير والغلبة.
وعقدت دول الكومنولث البريطاني مؤتمرها الدوري.
لماذا نقدم هذه اللائحة التي تنظم نشاطات سياسية واقتصادية وتاريخية في العالم؟ وما هي المناسبة؟
• إن هناك خيطًا يربط بين هذه النشاطات:
- فالسوق الأوربية المشتركة تعني التكتل أو الوحدة الاقتصادية.
- واحتفال الروس بهزيمة النازية يعني تحالف الخصوم -الشيوعيين والرأسماليين- في وجه الخطر المشترك.
- واحتفال الشيوعيين والبوذيين في كمبوديا يعبر عن تعـاون المختلفين عقائديًّا من أجل هدف اتفقوا عليه.
- ومؤتمر الكومنولث يعبر عن تكتل دولي.. فرقت بينه العقائد والنظم.. وجمع بينه التنسيـق السياسي والمصلحي.
أما المناسبة.. فهي التحرك الخليجي الملحوظ في الأسابيع الأخيرة.
ومن ضمن هذه التحركات الخليجية اعتزام ولي العهد رئيس مجلس الوزراء القيام بجولة في عدد من دول الخليج في الأيام القليلة القادمة. وهنا يتضح أكثر معنى المقارنة بين التحرك الخليجي.. وتلك الأحداث العالمية.
فإذا كان الأوربيون الذين فرقتهم القوميات قد أقبلوا على الوحدة مجددًا، واتخذوا لذلك قاعدة اقتصادية وشكلًا تجاريًّا.
وإذا كان الشيوعيون والرأسماليون -والخلاف العميق بين المذهبـين واضح- قد نسوا هذا الخلاف في ساعة الخطر واتحدوا وشكلوا جبهة واحدة ضد النازي.
وإذا كان الشيوعيون والبوذيون قد أجلوا الخلاف المزمن بينهم.. خلاف في الفلسفة.. وخلاف في الوسائل.. وخلاف في الهدف.. أجلوا كل ذلك وعاشوا في فندق واحد وتدربوا في معسكرات موحدة.
وإذا كان الهنود والأفارقة والإنجليز وغيرهم قد صنعوا لأنفسهم شكلًا اتحاديًّا للتشاور والتنسيق.. فعلوا ذلك رغم التفاوت الحضاري والعرقي واللغوي والعقائدي والقاري بينهم.
ألا ينبغي أن يبدأ أهل الخليج باتخاذ خطوات عملية جادة تنزع إلى توحید أقاليمهم، وجعلها كتلة قوية متماسكة عصية على التكسير.. مندفعة إلى العمل والإنتاج بعزم جماعي وثاب؟
إن أهل الخليج أولى بذلك؛ نظرًا لوجود جميع مقومات الوحدة أو الاتحاد.. أو بأدنى درجات الطموح إیجاد تنسيق حقيقي..
وحدة الشعوب قائمة، والدور على الأنظمة
ولا نبرح نلح على الوضـــــــــــوح والصراحة.
إن الوحدة بين شعوب منطقة الخليج العربي موجودة وقائمة؛ فأهل هذه المنطقة أبناء عم نسبًا، ويتفاهمون جميعًا بالعربية.. وحتى اللهجات الفرعية متماثلة، ويسكنون رقعة أرض ذات تخوم مشتركة.
وقبل ذلك فإن الدين السائد هو الإسلام.
وهذا المقوم وحده يكفي لتكوين وحدة راسخة بين شعوب المنطقة.
فهم يؤمنون برب واحد لا شريك، وبقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبنبي هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ويتجهون في صلاتهم نحو قبلة واحدة.
يصومون نفس الصيام.. في شهر واحد.. ويحجون نفس الحج في نفس الزمن المعلوم.. ويتوضؤون نفس الوضوء.. ويصلون نفس الصلاة.
وإن قومًا يفعلون هذا لهم أسرة واحدة.. أقارب.. أشقاء.. إخوة.
والمطلوب اليوم من الأنظمة والحكام ليس موقفًا يفرضون به الوحدة على الشعوب.. فالوحدة موجودة فعلًا.
الدور المطلوب من الأنظمة الآن أن تتجاوب هي مع إرادة الشعوب، وتعبر عن رغباتها واتجاهاتها.
وهذا التجاوب لا قيمة له إذا ظل في دائرة الأماني، فإن الأماني المجردة لا تنجز عملًا.. ولا تحقق هدفًا.
التجاوب المطلوب: هو إيجاد صيغ عملية في شتى المجالات تدفع الجهود المشتركة في مجرى واحد لكي تصب عند غاية محددة.
وبطبيعة الحال يلزم هذا العمل الضخم بذل جهود متنوعة تتوزعها لجان أو مجالس إقليمية مشتركة.. تعكف هذه المجالس على دراسة الإمكانات الموجودة، وآفاق التعاون والتنسيق والتكامل..
وبجهد المقل نطرح هذه التصورات المبدئية التي قد تكون نافعة.
الإسلام أساس الوحدة
كل وحدة لا بد أن تقوم أو ترتكز على مبدأ ما. وبقدر سلامة هذا المبدأ ورسوخه تكون سلامة الوحدة ورسوخها.
والإسلام -وهذه عقيدة كل مسلم- هو الحق المطلق، وهو المبدأ الثابت الجامع.
والالتزام العقائدي بالإسـلام يوجب الوحدة بين المسلمين على أساسه.
وتمكين الإسلام من أن يكون أساسًا للوحدة ينهي مشكلة أساس التفرقة والتمزيق في كل وحدة.. نعني مشكلة التعصب الإقليمي.
الإسلام يميت هذا التعصب في نفوس الناس ويبدل معاييرهم تبدیلًا.. فبدلًا من النظر إلى الناس بمقياس قطعة جغرافية من الأرض، يصبح المقياس هو القيم والمبادئ والأخلاق، والإخاء في الله سبحانه.
توحيد التشريعات
وانطلاق الوحدة من مبدأ الإسلام يتفرع عنه مجال آخر يبارك الوحدة ويزكيها.. وهو توحيد التشريعات.
إن اختلاف التشريعات.. مزق الأمة وزاد مشكلاتها تعقيدًا وبلبلة.
ويتبع ذلك توحيد مناهج التربية والتعليم والسياسة الإعلامية والتثقيفية والتوجيهية.
وهذه الخطوات تعبر عن القاعدة الأساسية للوحدة، وفي نفس الوقت هي خطوة عملية تدخل البيوت من أبوابها، وتتدرج من أول السلم حتى تصل القمة دون اضطراب أو تعثر أو قفز مفاجئ غير مأمون العواقب.
الرجال المخلصون الأوسع أفقًا
وكل أمر في هذه الحياة يتم.. بالتخطيط السليم أو القاعدة المتينة أولًا.. ثم بالرجال المنفذين ثانيًا.
إن الصيغة الوحدوية السليمة نظريًّا.. تفشل وتخيب إذا تولاها رجال غير مخلصين.. أو تولاها إداريون ينقصهم التوقد والإبداع، أو تولاها إقليميون متعصبون.
ولقد حدث كثيرًا في أشكال الوحدة العربية السابقة وفي أطر التنسيق داخل الجامعة العربية.. أن كل بلد يدفع بأشد أبنائه تعصبًا لإقليمهم حتى لا يظلم ذلك البلد في مفاوضات أو اقتسام خیرات.. ويحضر في اللجنة هذا النوع من الناس، فإذا بالمشروع كله يجمد ويفشل!
ونحن نطالب بأن ينتخب رجال مخلصون وأوسع أفقًا للإشراف على التطبيق العملي للصيغ الوحدوية.
وهي قاعدة راسخة نثبتها هنا: «إذا أردت نجاحا لمشروع وحدوي أو تنسيقي، فاختر له المخلصــين للوحدة المتجردين من الإقليمية، فإن لم تجد فلا تتساهل في مبدأ الإخلاص، واختر أقل الناس إقليمية وألطفهم عصبية».
اعتبار الخليج منطقة حضارية واحدة
لا معنى للتنسيق أو الوحدة إذا نظرنا إلى كل قطر على أنه كيان منفصل..
إن من مقومات التنسيق والاتحاد اعتبار الخليج العربي كله منطقة حضارية واحدة.
وهذه الرؤية الواحدة للخريطة الموحدة تؤدي إلى وضع كل شيء في موضعه:
• الجامعة البحرية هنا.
• والصناعات العسكرية هناك.
• وجامعات البترول في تلك المنطقة.
• ومدن الصناعة السلمية في هذه الرقعة.
• والتركيز الزراعي في هذه التربة المناسبة.
إن توزيع المنطقة على هذا الأساس يعمرها كلها.. ويعفي الأموال العامة من الضياع في تكرار نفس المشروعات، ويحمي جهود أبناء الخليج من التبدد سدى.
إن التكامل الحضاري يقتضي ذلك. وفي نفس الوقت هذا عمل يرفع الغبن عن الجميع؛ ففي كل بلد نجد ازدهارًا ونهضة وعمرانًا شامخًا.
هذه بعض التصورات طرحناها لعلها تجدي وتضيء في طريق الأمة شمعة.
وكل ذلك كان في إطار البناء الذاتي، فإذا نظرنا إلى الخــطر الخارجي نهض مقوم جديد من مقومات الوحدة.
فواجب دفع الخطر يستنفر أبناء الخليج جميعًا ويناديهم: أن اتحدوا وجابهوا عدوكم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل