; الخمر بين الطب والفقه | مجلة المجتمع

العنوان الخمر بين الطب والفقه

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1975

مشاهدات 8

نشر في العدد 263

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 26-أغسطس-1975


الكحول والجهاز الهضمي

• كما أننا نلاحظ نفس النتيجة المدهشة التي حصل عليها بيمونت بعد توقف الشخص عن شرب الخمور؛ تعود المعدة إلى حالتها الطبيعية تماماً كما كانت قبل بدء التجربة، ولا نحتاج بعد هذا إلى دليل يحطم تلك الخرافة التي تجمعت على مدار الأزمنة والعصور من أن قليلاً من الخمر يصلح المعدة!

• فقد أبان الطب أن قليلاً من الخمر لا يصلح المعدة، بل يفسدها وخاصة إذا استمر المرء في تناول ذلك القليل، ولا يوجد هناك أي مانع من أن يتحول القليل في أي وقت إلى كثير؛ إذ ليس هناك ما يحول بين المرء وتناول الكثير من الخمور إذا تعود تناول القليل، فإن أي صدمة نفسية أو عاطفية أو فشل في مجالات العمل أو الزواج أو الدراسة أو الحب يؤدي عند من تعود تناول القليل من الخمر إلى تناول الكثير منها، وباختصار يؤدي إلى الإدمان.

التهابات المعدة المزمنة

• إن التجربة التي أجراها الدكتور بيمونت ترينا كيف تسبب الكحول التهابات المعدة.

• إن الاستمرار في شرب الكحول يؤدي إلى حرق خلايا المعدة وموتها، وبموت هذه الخلايا تقل إفرازات المعدة من الببسين، كما تقل إفرازات حمض الهيدروكلوريك، ولهذا الحمض فوائد عديدة؛ فهو يساعد على هضم المواد البروتينية، كما يقتل كثيراً من الميكروبات التي نبلعها مع طعامنا.

• كما يؤدي نقص هذا الحمض إلى خلل في إفراز العامل الداخلي (Intrinsic Factor) المهم لامتصاص فيتامين ب12 من الأمعاء الدقيقة، ويؤدي نقص امتصاص فيتامين ب12 إلى فقر الدم الخبيث (Pernicious Anaemia)، وهي أنيميا (فقر دم) شديدة تنقص فيها كرات الدم الحمراء إلى مليون كل سنتيمتر مكعب بدلاً من 5 ملايين، كما يقل الخضاب (الهيموجلوبين) إلى 3 أو 4 جرامات في كل 100 سنتيمتر مكعب من الدم بدلاً من 15 جراماً أما عند الشخص السوي، وتكون مصحوبة بشحوب شديد، وتسارع في النبض وهبوط بالقلب.

• كما أن هذه الأنيميا الحادة تكون مصحوبة بإصابات بالغة في الجهاز العصبي تشبه تلك التي ذكرناها عن إصابات البلاجرا؛ أي يصاب المخ، كما تصاب المسارات الهرمية (Pyramidal Tract) وتسبب شللاً علوياً حركياً (Neurone Paralysis)، كما تصاب الضفائر الخلفية (Posterior Column) التي تحمل إحساسات الوقوف وإحساسات العضلات (Deep Sensations) وفقد الأحاسيس العميقة، كما تصاب الأعصاب بالتهاب الأعصاب المتعدد.

• وباستمرار هذه الالتهابات في المعدة تضمر الخلايا وتموت، ويسمى ذلك "التهاب المعدة الضموري"، وتكون الأعراض: فقدان الشهية، والقيء المتكرر مع الغثيان، والإحساس بالحموضة مع آلام في أعلى البطن، كما يصاب المرء بسوء الهضم، ويشعر المريض بالانتفاخ بعد أي وجبة مهما كانت بسيطة، كما تنتابه حالات إسهال شديد تتناوب مع حالات إمساك، وتكون هذه مصحوبة بالتهاب اللسان وبخر الفم، كما تكون مصحوبة عادة بالتهاب المريء.

• وينتاب المريض حالة من الكآبة والضيق ناتجة عن شرب الخمور وتأثيرها على الجهازين العصبي والهضمي، ورغم تقدم المرض إلا أن المريض يشفى في الغالب تماماً بعد أن يقلع عن شرب الخمور، ولكن إذا استمر المريض في تناول الخمور فإن الالتهابات المزمنة بالمعدة قد تؤدي إلى الإصابة بسرطان المعدة.

سرطان المعدة

• إن هذا المرض الخبيث هو أكثر ما يكون انتشاراً في اليابان ثم في أوروبا، وقد وجد أن قرحة المعدة المزمنة تؤدي مع إزمانها في بعض الحالات إلى التحول السرطاني، كما أن التهاب المعدة الضموري المزمن قد يؤدي كذلك إلى ظهور هذا المرض الخبيث، وقد رأينا أن أهم أسباب التهاب المعدة الضموري هو تناول الكحول بصورة مزمنة.

• ونحن نعرف أن قرحة المعدة تكثر عند متناولي الكحول.

• وهكذا نجد الكحول سبباً غير مباشر لهذا المرض الوبيل الخطير؛ إذ إن المصاب به لا يعيش أكثر من عام منذ بدء الأعراض مهما كان العلاج إلا فيما ندر. وليس معنى هذا أن غير المدمنين لا يصابون بهذا السرطان.

• واستئصال المعدة هو الإجراء الوحيد الممكن، ولكن ربع الحالات فقط يمكن أن يتم فيها هذا الإجراء عند عرضها على الطبيب. ومع هذا فإن 15% فقط من الحالات التي يتم فيها الاستئصال بنجاح هم الذين يعيشون لمدة 5 سنوات.

• أما إذا كان المصاب في سن 30 أو أقل، فإن العلاج يكون ميؤوساً منه ولا يكاد يوجد أي أمل في شفائه، لا بعملية الاستئصال ولا بغيرها.

قرحة المعدة والإثني عشر

• إن هناك أسباباً عديدة تساهم في تكون قرحة بالمعدة أو الإثني عشر.

• ولا شك أن هناك استعداداً وراثياً مع وجود عوامل القلق والضيق يضاف إليها الأغذية الحريفة.

• ومن المعروف أن الكحول كمادة حريفة، مصحوبة مع الإكثار من التدخين والانفعالات النفسية الشديدة التي تصاحب الإدمان، تؤدي إلى قرحة أو الإثني عشر.

• فالكحول تزيد من إفراز مادة الجاسترين (Gastrin) التي تزيد من إفراز حمض الهيدروكلوريك -كلور الماء- المؤدي إلى القرحة.

• ومما يزيد الطين بلة أن شارب الخمور يضطر لتعاطي كميات كبيرة من الأسبرين ومشتقاته ليخفف من أثر الصداع الذي يصيبه في كل صباح إثر ليالٍ حمراء يقضيها في صحبة الكأس والطاس.

• والأسبرين والبيتوازولدين والكورتيزون ومشتقاتها هي من العقاقير التي تسبب القرحة عند من لديه الاستعداد وتجعلها مزمنة عند من أصيب بها، كما أنها تؤدي إلى مضاعفاتها من نزيف وانثقاب مؤدٍ إلى الحتف والهلاك.

• ولذا فإن علاج مرض قرحة المعدة والإثني عشر يتلخص في الامتناع ألبتة عن شرب الخمور، والإقلال من التدخين أو الامتناع عنه، والإقلال من شرب القهوة والشاي، وتجنب المواد الحريفة مع الأكل، مع الامتناع عن السهر والإرهاق الشديد، وتجنب الانفعالات النفسية الشديدة قدر الإمكان.

• ولا بد من الإكثار من شرب اللبن؛ فهو علاج وغذاء.

• وهكذا نرى أن الخمر أحد أهم أسباب أمراض الجهاز الهضمي، ويعتبر الإقلاع عن شربها ألبتة أحد الأركان الهامة في البناء العلاجي لهؤلاء المرضى.

• فإذا كنت من أولئك الذين يشربون الخمر فبادر إلى تركها قبل أن تصبح إدماناً وتعتورك الأمراض والعلل من كل جهة، وتخسر بذلك صحتك ومالك وعقلك، وباختصار: قبل أن تخسر آخرتك ودنياك.

الكحول والتهابات الأمعاء الدقيقة والغليظة

• تسبب الخمر تهيجاً في الأغشية المخاطية للجهاز الهضمي ابتداء بالفم وانتهاء بالأمعاء الدقيقة والغليظة.

• ويؤدي ذلك إلى احتقان الأمعاء، كما قد يؤدي مع الإزمان إلى تقرحها. ولذا تسبب الخمر نوبات إسهال وإمساك، كما أنها تسبب سوء هضم وسوء امتصاص للغذاء.

• فيقل امتصاص المواد البروتينية كما يقل امتصاص الفيتامينات، وقد ذكرنا آنفاً أن امتصاص فيتامين ب12 من الأمعاء الدقيقة "الصائم (Ileum)" يقل جداً نتيجة نقص العامل الداخلي (Intrinsic Factor)، كما يقل امتصاص الفيتامينات الأخرى.

• أما أولئك المرضى المصابون بالتهابات الأمعاء الدقيقة والغليظة نتيجة الطفيليات مثل الأميبا أو البلهارسيا أو نتيجة أي مرض آخر مثل تقرحات الأمعاء (Ulcerative Colitis)، فإن شرب الخمور يؤدي إلى زيادة الالتهاب والاحتقان ويزيد الطين بلة.

• ولذلك فإن الأطباء في جميع أصقاع الأرض متفقون على نصح هؤلاء المرضى بالابتعاد عن الخمور.

الكحول والبنكرياس

• إن البنكرياس غدة هامة متصلة بالجهاز الهضمي وتقع في أعلى البطن خلف المعدة، وهو مكون من شقين:

1.   غدة متصلة بالجهاز الهضمي:

• بقناة البنكرياس التي تصب في الإثني عشر قريباً من فتحة القناة المرارية التي تحمل إفرازات الكبد إلى الإثني عشر.

• وهذه الغدة تفرز مجموعة من الإنزيمات الهاضمة مثل: التربسين لهضم المواد البروتينية، والأميليز لهضم المواد النشوية، والليبيز لهضم المواد الدهنية عند وصول الطعام إلى الإثني عشر، وذلك بطريقتين:

o       أ- بطريق العصب الحائر.

o       ب- يتكون هرمون في الإثني عشر عند ملامسة الطعام له، وكلا هذين يؤثران في غدة البنكرياس لتفرز هذه الإنزيمات الهاضمة التي تصب في قناة البنكرياس ومنها إلى الإثني عشر.

2.   غدة صماء مكونة من جزائر لانجرهان:

• وفيها مجموعتان من الخلايا:

o       أ- خلايا أ: وهي تفرز مادة الجلوكاجون (Glucagon)، وهذه مسؤولة عن تحويل السكر المختزن بالكبد إلى سكر عنب "جلوكوز": جلايكوجين  جلوكاجون جلوكوز.

o       ب- خلايا ب: وهذه تفرز مادة الأنسولين الهامة، والتي بدونها لا يدخل السكر من الدم إلى الخلايا ولا يحترق، ونقص مادة الأنسولين يؤدي إلى مرض البول السكري المعروف.

فكيف تؤثر الكحول على البنكرياس؟

التهاب البنكرياس الحاد الدموي:

• وهذا المرض جد خطير، ويؤدي إلى نخر وموت خلايا البنكرياس مع نزيف شديد فيه.

• ولست أزعم أن شرب الخمور هو السبب الرئيسي لهذا المرض؛ فقد وجد أن 50% من هذه الحالات تقريباً تحدث بعد نوبات التهاب المرارة أو وجود حصى فيها، ولكنه قد لوحظ أن كثيراً من هذه الحالات تحدث بعد نوبات انغماس في شرب الخمور.

• والكحول تسبب الاحتقان والأوديما "انتفاخ"، ثم تنكرز "نخر وموت" الخلايا.

• والنخر يؤدي إلى إفراز إنزيمات البنكرياس المختزنة في الخلايا؛ وكما أن هذه الإنزيمات هاضمة، فتقوم بهضم خلايا البنكرياس كما تهضم الأوعية الدموية فتنفجر.

• كما يؤدي إنزيم الليبيز إلى هضم المواد الدهنية الموجودة في البريتون.

• ويحتوي الغشاء البريتوني في هذه الحالة على سائل دموي وخاصة في الجيب الأصفر.

• كما تتكاثر الميكروبات وخاصة من مجموعة العصويات المعوية.

الأعراض:

• يشكو المريض ألماً حاداً مفاجئاً مفزعاً في أعلى البطن، ويستمر الألم دون هوادة ويزداد مع كل دقيقة تمضي، وينتشر الألم إلى الظهر في الجهة المقابلة لأعلى البطن.

• ويبدأ القيء المتكرر حتى يفرغ المريض كل ما في جوفه حتى الصفراء، وتكون البطن منتفخة وحساسة جداً لأي لمس، وتتوقف حركة الأمعاء فلا تسمع لها وقعاً، كما ترتفع درجة الحرارة عند المريض ويسرع نبضه أمام ضغط الدم فينخفض، ويكون بالجلد آثار زرقة خفيفة مع يرقان بسيط.

• ويصبح التنفس عسيراً لعدم قدرة الحجاب الحاجز على الحركة، كما تكثر الالتهابات الرئوية ويصاب القلب بالوهط "هبوط القلب"، وتصبح الوفاة قاب قوسين أو أدنى.

• وللأسف فإن معظم المرضى قد يلاقون حتفهم حتى قبل نقلهم إلى المستشفى، كما أن كثيراً منهم يلاقون نهايتهم في المستشفى نفسه رغم العلاج، ولكن عدداً ليس بالقليل يشفى بالعلاج السريع الدقيق.

• ويُعطى المريض محلول الملح مع الجلوكوز، كما يُعطى محلول التراسيلول، وتعالج الصدمة والآلام بالمسكنات وقد نضطر لإعطاء المريض حقنة مورفين. كما يُعطى المريض مضادات حيوية وأكسجين لمساعدته على التنفس.

• وبعد إنقاذ المريض يُمنع من شرب الكحول ألبتة، ويشرح الطبيب للمريض الأخطار المحدقة به إذا هو هم بشرب الكحول.

التهاب البنكرياس تحت الحاد:

• وتشبه الأعراض هنا الأعراض السابقة التي تحدث في الالتهاب الحاد إلا أن حدتها أخف، كما تكون نوبات الألم كل ساعتين أو ثلاث وليست مستمرة كما هي في الالتهاب الحاد، وعادة ما تحدث بعد تناول وجبة من الطعام بساعتين.

• ويكون العلاج كسابقه، ويُمنع المريض من شرب الخمور، كما يُنصح بالإقلال من الدهنيات، وتعالج أمراض المرارة إذا كانت موجودة وخاصة الحصوات المرارية التي كثيراً ما تصاحب هذا المرض.

التهاب البنكرياس المزمن:

• إن التهاب البنكرياس المزمن يحدث عادة بعد الالتهاب الحاد، ومن أهم أسبابه شرب الخمور، كما أن هناك أسباباً أخرى هامة منها التهاب المرارة المزمن.

• ويصاب المريض بسوء الهضم الدائم مع آلام متكررة في أعلى البطن، وعادة ما تكون بعد الأكل بساعتين، كما قد يصاب المريض باليرقان "الصفراء"، وتكون نوبات الألم حادة في الجزء الأعلى الأيسر من البطن وتحت الضلوع اليسرى ملتفة إلى الخلف باتجاه العمود الفقري.

• ولا يسكن الألم إلا بحقن المريض بالمورفين أو مشتقاته. وبالفحص المعملي للبراز نجد أن الدهون كثيرة، وأن المواد الغذائية من بروتين ونشا لم تهضم.

• ويكون أهم جزء في العلاج الوقائي هو الامتناع عن شرب أي نوع من الخمور ألبتة، كما تعالج أمراض المرارة إن وجدت، ويُعطى المريض الإنزيمات الهاضمة أثناء الطعام على شكل أقراص.

الخمر والكبد

• الكبد هو أكبر غدة بالجسم، وتزن حوالي أربعة أرطال "كيلو ونصف"، وهو موجود في الجزء العلوي الأيمن لتجويف البطن، ويشغل المراق الأيمن والقسم الشراسيفي وجزءاً صغيراً من الخاصرة اليمنى والمراق الأيسر.

• ويغطي البريتون الكبد من كل سطوحها تقريباً عدا فرجتها وجزءاً من سطحها الخلفي ويعرف بالجزء العلوي العاري للكبد.

• ويغذي الكبد الشريان الكبدي وهو متفرع من الشريان الأبهر "الأورطي" البطني والوريد البابي، ويحمل الدم مع الغذاء المهضوم من المعدة والأمعاء الدقيقة ومن الطحال.

• ويخرج الدم من الوريد الكبدي في أعلى الكبد إلى الوريد الأجوف السفلي ومنه إلى الأذين الأيمن للقلب.

• ويغذي الكبد من الأعصاب الضفائر الذاتية (Autonomic Plexisse) عن طريق الضفيرة السمبتاوية "التعاطفية" (Sympathatic) والعصب الحائر "نظير التعاطفي".

• ويتكون كبد الإنسان من مجموعة من الخلايا على شكل صفوف متراصة من الخلايا الكبدية تشع من الوريد الوسطى وتتخللها ملايين البحيرات الدموية الصغيرة في أقبية ودهاليز بين كل مجموعة من الخلايا.

• وتتكون الخلية الكبدية كأي خلية حيوانية من نواة بها مادة الكروماتين "الصبغة"، وبالتحليل الكيميائي نجدها مكونة من مادة الـ D.N.A وهي المسؤولة عن جميع الصفات الوراثية وعن الانقسام؛ فهي تحمل الجينات المسؤولة عن الصفات الوراثية.

• أما السيتوبلازم فهو مادة بروتينية هلامية تحيط بالنواة وتشغل فراغ الخلية ويوجد به...

 

الرابط المختصر :