; الخيط الرفيع بين البحث العلمي.. والتجسس | مجلة المجتمع

العنوان الخيط الرفيع بين البحث العلمي.. والتجسس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000

مشاهدات 70

نشر في العدد 1409

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 18-يوليو-2000

اقتحم مركز ابن خلدون كل القضايا الشائكة فأثار عليه الإسلاميين وعموم الوطنيين.. وأخيرًا الحكومة

6 مؤتمرات عن الأقليات.. ودراسة متكاملة لعلمنة التعليم وإلغاء التعليم الأزهري.. على حساب من؟

لم يخف د. سعد الدين إبراهيم حصوله على التمويل من حكومات وهيئات أجنبية.. وكان يرى أن ما يحصل عليه شيء زهيد مقابل ما تحصل عليه الحكومة المصرية! 

في عام 1988م، استأجر سعد الدين إبراهيم أستاذ الجامعة الأمريكية فيلا في منطقة هضبة المقطم بالقاهرة من السفارة الأمريكية وحولها إلى ما أصبح يعرف باسم مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية والاجتماعية، ومنذ ذلك الوقت ورغم تاريخ المركز القصير، تورط المركز في وضع أكثر من 100 دراسة تدور حول سبع قضايا مثيرة للجدل وكلها تقريبًا: تعادي الحركات الإسلامية، بل الشريعة الإسلامية ذاتها، مثل التعليم حيث ركز على إلغاء التعليم الأزهري والديني، وحقوق الأقليات، أو الملل والنحل، حيث دافع بوضوح عن حقوق ما أسماه الجماعات الدينية أو العرقية والإثنية المضطهدة في العالم العربي وتحديدًا أقباط مصر وأكراد العراق، والجنوبيين في السودان، والبربر في المغرب والجزائر... إلخ، ثم قضايا المرأة والحركات الدينية.

ووفقًا لما قاله د. سعد الدين إبراهيم في أحد أعداد المجلة التي يصدرها المركز باسم «المجتمع المدني» يحصل المركز على 200 ألف دولار كل عام في صورة معونات أجنبية من دول ومنظمات في أمريكا وهولندا وألمانيا وكندا منها هيئة المعونة الأمريكية ومؤسسة نوفيب الهولندية ومؤسسة دانيدا الدانمركية وسيدا الكندية، وفريدور الألمانية حتى إن سعد الدين إبراهيم يقارن بين ما يتلقاه مركزه وبين ما تتلقاه الحكومة المصرية من معونات خارجية من المصادر الأجنبية ذاتها قائلًا: مركز ابن خلدون يتلقى منحًا تافهة وضئيلة بالمقارنة بالمنح التي تحصل عليها الحكومة، وما نتلقاه سنويًّا لا يزيد على 200 ألف دولار، بينما تحصل الحكومة المصرية على ملياري دولار سنويًّا، مع أننا أكثر شفافية من الدولة المصرية، وليس لدينا مصروفات خاصة، أو مصروفات تمويل وخلافه.

المجتمع حصلت على كتيب من إصدارات المركز يتضمن تفاصيل ميزانيته وأسماء المنظمات الأجنبية التي تقوم بتمويله، منشورة دون أي تخوف في إطار «شفافية» المركز وعدم إنكاره الاعتماد على التمويل الأجنبي رغم أن القوانين المصرية التي يبيح بعضها مثل المادة 505 من القانون المدني تلقي دعم خارجي، تمنع تلقي أموال من جهات أجنبية خصوصًا إذا كانت الجهة المتلقية تقوم بأعمال ضارة بالمصلحة القومية، فوفقًا للمادة 78 من قرار نائب الحاكم العسكري، تفرض عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة وغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على ما أعطى أو وعد به كل من طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ ولو بالواسطة من دولة أجنبية أو من أحد ممن يعملون لمصلحتها نقودًا أو أي منفعة أخرى أو وعد بشيء من ذلك بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية، ووفقًا للمادة 80 من الأمر العسكري نفسه، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على 5 سنوات وبالغرامة لكل مصري إذا نشر عمدًا في الخارج أخبارًا أو بيانات أو شائعات كاذبة أو مغرضة حول الأوضاع الداخلية للبلاد.

وكان من شأن ذلك إضعاف الثقة المالية بالدولة وهيبتها واعتبارها.

ورغم مخالفة المركز بوضوح للقوانين فيما يتعلق بمسألة جمع أموال من جهات أجنبية، خصوصًا أنه يوظفها في أعمال لصالح هذه الجهات تضر بمصلحة مصر وكذا مخالفته للمصلحة القومية، فقد ظل يعمل منذ إنشائه، ونظم ندوات في موضوعات شائكة ومعادية للدولة دعا لها وزراء من الحكومة ليصبغ الشرعية على أعمال المركز منهم وزير التعليم الذي استضافه عام 1988م، في ندوة ناقشت وضع منهج موحد للتعليم الديني والعام في مصر، ووزير الإعلام الذي استضافه في نوفمبر 1999م في ندوة حول الطفولة ليضمن بذلك تهافت وسائل الإعلام عليه، ولكنها جاءت وبالًا عليه عندما قام ليهاجم سياسة القنوات التلفازية المصرية أمام الوزير، فتم استبعاده من كل برامج التلفاز.

ورغم دعوات المركز الصاخبة لدعم الأقليات الدينية والإثنية والعرقية في عدد كبير من الدول العربية، ومن ثم تأجيجه نيران الفتنة الطائفية في مصر بدعواته المتكررة لإنقاذ الأقلية النصرانية من اضطهاد المسلمين حتى إنه أصدر بيانًا مع من أسماهم لجنة الحكماء التي تضم متطرفين من نصارى وعلمانيين في أوائل فبراير الماضي لام فيه الأغلبية المسلمة على ما حدث في قرية الكشح جنوب مصر من عراك بين المسلمين والأقباط بسبب نزاع تجاري، ورغم خطورة الدعوة لانفصال النصارى وجنوبي السودان وكذلك بربر الجزائر والمغرب وحتى نويبي مصر بلاد النوبة القديمة ولم يتصدَّ للمركز أحد وإنما ظل يمارس نشاطه بدون معوقات وكأنه مدعوم من قوة خارقة غير معروفة.

سعد الدين إبراهيم عارض أيضًا الدستور المصري الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وزعم أنها سبب كل ما يحدث لأقباط مصر من الاضطهاد، داعيًا إلى تغيير هذا البند خلال ندواته لمناقشة أحداث الكشح، وإبداله نص آخر به يقول: إن مبادئ الشريعة الإسلامية هي أحد مصادر التشريع.

ولم يقتصر تاريخ سعد الدين إبراهيم ومركز ابن خلدون على ذلك، بل إنه أقام علاقة غير عادية بإسرائيل، وتبنى طروحات تصل إلى حد اعتبار الفلسطينيين مجرد أقلية داخل الكيان الصهيوني، وعقد ندوات أثيرت فيها التساؤلات حول أسباب عدم زواج المصريين والعرب من إسرائيليات.

كما سافر إبراهيم إلى فلسطين المحتلة، وألقى عددًا من المحاضرات هناك، وشارك فيما سمي بحوارات الأديان مع الإسرائيليين.

عناصر الاتهام

كان أول قرار اتهام في حق سعد الدين إبراهيم، أنه تلقى 440 ألف دولار من الاتحاد الأوروبي بدون إذن وبالمخالفة للأمر العسكري، والاتهام الثاني إساءته لسمعة مصر من خلال بعض التقارير والمعلومات التي يصدرها المركز، «بعض المعلومات التي نشرها المركز خصوصًا عن الأقباط كانت ضمن الأسباب التي استند عليها الكونجرس الأمريكي لإصدار القانون الشهير الخاص بحماية حقوق الأقليات الدينية»، أما ثالث اتهام وهو ما ركزت عليه أجهزة التحقيق، لأن هناك أدلة مؤكدة عليه فهو إنتاج فيلم دعائي عن الانتخابات المصرية، وتزوير بطاقات انتخابية بهدف النصب على الدول التي تمول المركز، وهي 9 دول أجنبية، و9 هيئات دولية ومحلية، و4 شركات قطاع خاص مصرية!!

ادخل شريك... وشارك

كان المركز قد قام في إطار مشروع التربية السياسية الذي يستهدف تشجيع المصريين على المشاركة في الانتخابات بتلقي منحة من الاتحاد الأوروبي تبلغ 200 ألف دولار لصالح برنامج تشجيع المرأة المصرية على المشاركة السياسية، أطلق عليه اسم هدى، كما تلقى 120 ألف دولار لإنتاج فيلم دعائي يشجع المصريين على الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات تحت عنوان: «ادخل شريك... وشارك»، وقد خالف د. سعد القانون فيما يتعلق بهذه القضية ثلاث مرات، حيث قام بطبع قرابة 15 ألف بطاقة انتخابية مزورة بحجة استخدامها في حث المصريين على المشاركة السياسية، ودفع 5 جنيهات «1.5 دولار تقريبًا»، لكل مصري يرغب في عمل بطاقة انتخابية، ثم تبين أن الكشوف المعدة لهذا الغرض مزورة، وأنها مجرد كشوف بأسماء المتعاملين في البورصة المصرية وبعض الأسماء الوهمية، أما المخالفة الثالثة، فكانت عبر فيلم «نصري ونصرة» الذي أنتجته لحسابه شركة مصرية للفيديو مقابل 30 ألف جنية مصري، واعتبرت النيابة الفيلم الذي لا تزيد مدة عرضه على ست دقائق يسيء لمصر، وعبارة عن دعاية كاذبة وشائعات خصوصًا أنه ورد على لسان أبطال الفيلم عبارات من نوع: «التعليم زفت.. مافيش -أي لا يوجد- تعليم والعلاج قطران.. مفيش علاج.. مافيش حرية ولا ديموقرايطة.. مفيش صحافة.. إلخ».

إدمان الحديث عن الأقليات

كانت قضية الأقليات في الوطن العربي «أو الملل والنحل كما كان يحلو له تسميتها» من أبرز القضايا المثيرة للجدل، التي خاض فيها مركز ابن خلدون وتبني طروحات شاذه بشأنها، وقد أنشأ لها وحدة خاصة باسمها في المركز تحت اسم وحدة الأقليات وعقد تحت هذا العنوان ستة مؤتمرات موسعة، خمسة منها في مصر والسادس في قبرص عام 1995م، بعدما رفضت الحكومة المصرية عقده في مصر.

وكان التقرير السنوي الأول الذي أصدره المركز من بين ستة تقارير كبيرة أصدرها خلال الفترة من سنة 1993م حتى 1999م بعنوان: «هموم الأقليات في الوطن العربي»، حيث شملت الدراسة أقليات وادي النيل «مصر والسودان»، وأقليات المغرب العربي «البربر» وأقليات المشرق العربي «الأكراد»، ورغم أن التقرير تضمن رصدًا لأعداد الأقليات في الوطن العربي «300 مجموعة أقلية تمثل 20% من السكان أي 50 مليونًا»، وتفاصيل كثيرة عنهم، إلا أن التقرير سعى لوضع حلول تدميرية وانفصالية وخطرة للغاية لحل مشكلات هذه الأقليات تخالف حتى الرغبة المعلنة لتلك الأقليات وتطرح مطالب لا تخالف مبادئ الأغلبية والأقلية فحسب، وإنما تهدد استقرار معظم الدول العربية بالنسبة لمصر، وبعد أن زعم التقرير أن الأقباط يعانون الاضطهاد والقتل، وأن كل محلاتهم ومنشآتهم تتعرض لمضايقات كثيرة، دعا في النهاية إلى إصلاح طائفي حدد معالمه في إلغاء الخط الهمايوني الذي يحدد قواعد بناء الكنائس في مصر وترميمها، وإنشاء وزارة للأديان وظيفتها رعاية عملية بناء دور العبادة للطرفين، وبحث الجوانب الأخرى من مطالب الأقباط، ومعنى هذه الخطوة عمليًّا إلغاء دور وزارة الأوقاف والأزهر، بل وجميع المؤسسات الدينية الإسلامية في مصر، وقد لوحظ أن الصحف الحكومية المصرية انتقدت سعد الدين إبراهيم لهذا السبب أيضًا، وقد استمرت ندوات وتقارير المركز تصدر متضمنة هذه التهم ضد المسلمين باعتبارهم يضطهدون الأقباط، كما استغل المركز أحداث الاضطرابات الطائفية في قرية الكشح جنوبي مصر أواخر العام الماضي وأوائل العام الجاري لإثبات ادعاءاته بشأن هموم الأقباط حتى وصل به الشطط للزعم أن الشرطة ساندت المسلمين في ضرب الأقباط.

وفي هذا الصدد نلاحظ أمرين:

الأول: أن قسمًا من العاملين في مركز ابن خلدون في ملف الأقليات أو أمناء المركز هم من الأقباط المتشددين، كما أن هناك تعاونًا ثنائيًّا بين المركز والهيئات القبطية المتشددة المعادية للحكومة في الخارج، والمخالفة أيضًا لرأي البطريركية المصرية، خصوصًا الهيئة القبطية الكندية والاتحاد القبطي الدولي، ولذلك كان أول من استنكر اعتقال إبراهيم والتحقيق معه تلك الهيئات التي وصفت اعتقاله والتحقيق معه بأنه يستهدف تكميم الأفواه وتقييد حرية الرأي.

الثاني: أن الخارجية الأمريكية التي صدر تقريرها الخاص بالأقليات الدينية، متضمنًا بعض ما روجه مركز ابن خلدون حول اضطهاد أقباط مصر، سعت بكل قوتها للتدخل عبر سفيرها بالقاهرة لإطلاق سراح إبراهيم، معربة عن قلق الحكومة الأمريكية من اعتقاله، كما سعى نشطاء أمريكان لإرسال برقيات استنكار للمسؤولين المصريين، الأمر الذي استهجنته القاهرة رسميًّا وشعبيًّا، وكادت تحدث أزمة عندما رفضت الحكومة طلب السفارة زيارة إبراهيم في سجنه، بيد أنه سمح لهم في النهاية بلقائه باعتباره مواطنًا أمريكيًّا يحمل الجنسيتين المصرية والأمريكية.

دولة نوبية مستقلة

ولم يكن تفجير ملف الأقباط المعول الوحيد في يد مركز ابن خلدون لهدم وحدة مصر، وإنما شارك المركز بمعول آخر خطير هو ورقة أهل النوبة، ويذكر أن خططًا غربية سابقة تحدثت عن إنشاء دولة لهم على غرار الكيان الصهيوني، تقتطع أجزاء من مصر والسودان ودول مجاورة أخرى في إطار خطط التفكيك الغربية لوحدة المنطقة، مثلما هو الحال في دولة البربر التي يسعون لإنشائها على أنقاض أجزاء من أراضي المغرب والجزائر تحت شعار حماية الأقليات! وقد زعم تقرير لمركز ابن خلدون حول أهل النوبة أن عددهم يزيد على نصف مليون نسمة، يتركزون في أسوان وكوم أمبو جنوب مصر، وأن لهم 40 ناديًا للأدب النوبي تردد بمجملها معزوفة الانفصال عن مصر وتشكيل دولة مستقلة.

إلغاء التعليم الأزهري!

لم يكتف مركز ابن خلدون برصد ظواهر المجتمع المصري الحساسة ونقلها للغرب تحت شعار البحث العلمي، بل بدأ التدخل في تركيبة أنظمة التعليم بهدف تحويلها عن أهدافها الحالية عبر إعداد منهج للتعليم قبل الجامعي يدرس بشكل موحد للطلبة المصريين بمن فيهم الأزهريون، وبالتالي يلغى التعليم الأزهري!

ففي عام ١٩٩٤م سعى المركز لعقد مؤتمر تحت عنوان «الأقليات» بتمويل من جهات أمريكية وأوروبية، اضطرت الحكومة المصرية لرفض عقد المؤتمر على أرضها لأنه يركز بشكل خاص على الأقباط كأقلية، زاعمًا أنهم مضطهدون، لكن المؤتمر عقد في قبرص ونوقشت فيه مسألة تغيير أكبر في هذه المناهج لشرح الأصول الحضارية أو المناهج الدراسية في الدول التي يزعم أن بها أقلية دينية أو عرقية مضطهدة، بغرض إعطاء مساحة العرقية أو الدينية التي تنتمي لها الأقليات.

وقد عرضت مؤسسة «EZE» الألمانية تمويل دراسة مشروع لجعل التعليم «أكثر حساسية لهموم الأقليات» وخلال الفترة ما بين ١٩٩٥- ١٩٩٨م قام المركز بتنفيذ ما اتفق عليه، وأعد دراسة متكاملة لمراحل ما قبل التعليم الجامعي في ستة كتب تحت عنوان: «مشروع التعليم والتسامح». أخطرها هو «مقترح التربية الدينية لمراحل التعليم قبل الجامعي» الذي أعده شخص مفصول من جامعة الأزهر ومحكوم عليه بالردة من قِبلِ هيئة ثلاثية من كبار علماء الأزهر، وهو أحمد صبحي منصور، ومعه فريق بحث تابع لمركز ابن خلدون يضم ۱۳ عضوًا ستة منهم نصارى.

وقد ظل العمل في هذا المشروع الخبيث يسير بهدوء ويعلم وزير التعليم د. حسين كامل بهاء الدين إلى أن قيَّض الله من سربه لبعض علماء الأزهر ومنهم لوسائل الإعلام ليتم كشف أكبر جريمة يجري تدبيرها للتعليم الأزهري بهدف علمنته ودمجه في مناهج وزارة التعليم. 

ومع تكشف تفاصيل المشروع وانتقال الغضبة الجماهيرية لمجلس الشعب «البرلمان»، اضطر وزير التعليم لنفي علمه بما أعده مركز ابن خلدون! 

ثم وقعت المفاجأة، وأرسل المركز لبعض الصحف وثائق وصور لاجتماعات تمت داخل المركز يعود تاريخها إلى أواخر عام ١٩٩٨م ويظهر فيها وزير التعليم د. حسين كامل بهاء الدين وهو يتحدث وبجواره د. سعد الدين إبراهيم وفي الخلفية لوحة توضح اسم الندوة «مشروع التعليم قبل الجامعي»، وتزامن كشف ذلك مع مفاجأة أخرى وهي أن هناك لجنة متخصصة من وزارة التربية والتعليم تدرس المشروع الذي قدمه مركز ابن خلدون من أجل إقراره.

والمشروع يسعى لتشويه صورة رسول الله صلي الله عليه وسلم وإنكار العصمة عنه، ويروج للدولة العلمانية ويساوي بين المسلمين في درجة الإيمان ويطالب بحذف ثلاثة موضوعات من مناهج التعليم الحالية وهي: الغيبيات - التشريعات - الأخلاقيات أو ما يسميه الكاتب الترغيب والترهيب. 

الأزهر: مشروع مشبوه

مع نشر مركز ابن خلدون لمشروعه، قرر شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي إحالة المشروع لمجمع البحوث الإسلامية لدراسته، وقد أعد د. محمد رجب بيومي عضو مجمع البحوث ردًّا على المشروع فنده تمامًا، مؤكدًا أنه لا يصلح للتطبيق في أي بلد إسلامي، وقد حصلت للمجتمع على رأي الأزهر، كما أورده د. رجب، وكان من أهم ما  جاء فيه: «إن مركز ابن خلدون لا يعنيه في هذا المشروع تربية التلميذ الدينية، وأن الأمر ليس سوى عرض لأفكار مخطئة يحرف من أجلها الكلم عن مواضعه، وأنه اختار موضوعات بعيدة عن مستوى الطفل الصغير أول ما يفاجأ به في درس التربية الدينية بموضوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوانه: «ليس لك من الأمر شيء»، ويصدم بأن نبيه الكريم قد أخطأ، لأنه غضب حين جرح في غزوة أحد فقال: «لا يفلح قوم فعلوا بنبيهم هذا»!، وأنه ليس من حقه أن يحكم بتكفير أحد، وأن هذا التلميذ الصغير بدلًا من أن نشرح له السيرة لله  المطهرة، نقول له إن النبي قد أخطأ وحكم بتكفير الناس!.

أيضًا يؤكد تقرير الأزهر أن كاتب المشروع ألح في حديث شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأفرد له بابًا لينكر فيه كل ما جاء بصددها من النصوص، حتى أنه يقيس شفاعة رسول الله بشفاعة من يتوسط لإنجاح التلميذ الغشاش في الامتحان!

وعن منهج المرحلة الإعدادية في المشروع علق الأزهر قائلًا: إن الكاتب اتجه للبحث عن أدوات التفرقة والشفاعة دون سند علمي، وهو يتحدث عن المسلمين والمسيحيين، كما ذهب إلى مسائل شائكة توقع الاضطراب في النفوس مثل قوله: إن أقباط مصر أحق بوصف الإسلام وأحق الناس بوصف الإيمان بما يوحي بأن المسلمين دونهم في ذلك!

ويعلق رد الأزهر على ما جاء في المشروع تحت عنوان: «الإسلام والانتماء لن» فيقول: «ما الذي دفع الكاتب إلى هذا الشطط البغيض عن قصد إذ تجرأ فذكر أن خطباء المساجد يحرضون المسلمين ضد الأقباط مستشهدين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (سورة المائدة: 51)، وحول مفهوم الجهاد في الإسلام الذي ورد مشوهًا في المشروع المشبوه، يقول تقرير الأزهر: تحول الجهاد إلى إرهاب وقتل للأبرياء من الأقباط المسالمين؟! فماذا يقصد بزج الأقباط في هذا المعترك؟ ويرد قائلًا: «إنني -كاتب تقرير الأزهر- أكاد أحسُّ برائحة خبيثة توحي ببث الوقيعة بين عنصري الأمة لتشفي صدور قوم آخرين، وإلا ففيم نعلل تردد ذكر الأقباط في صفحات الكتاب بدون مبرر؟».

وينتهي التقرير إلى أن: «غاية المؤلف الصريحة في كل ما كتب أن يقول إن الدولة العلمانية الحديثة هي الأقرب للدولة الإسلامية، رغم أن للإسلام دولة ومرجعية، ونظامه الشامل في كل مناحي الحياة». ويعلق تقرير الأزهر على ذلك قائلًا: «أما وقد انتهى الباحث إلي تحبيذ الدولة العلمانية، واعتبرها أقرب النظم إلى الإسلام، فإننا نقول له: قدم منهجك الدراسي إلى بلد آخرى يدين بالإسلام، فقد برح الخفاء».! 

الزواج من الإسرائيليات

المؤتمر الكبير الذي عقده المركز في قبرص عام ١٩٩٤م بتكاليفه الباهظة- يكشف نفوذ المركز وعلاقاته الخارجية المشبوهة بعد ما ركز فيه على أن أقباط مصر أقلية لا تحصل على حقوقها كاملة، مركزًا على دور الإرهاب والتطرف الإسلامي في اضطهادهم، أيضًا سعى المركز لعمل دراسات عن الجماعات الإسلامية والأوضاع الاجتماعية لحساب جهات خارجية مولت الأبحاث، كما سعى لإجراء أبحاث حول تحرير المرأة وحرية الزواج من أجانب، حتى أنه عقد ندوة أوائل هذا العام تحت عنوان: «زواج المصريين من إسرائيليات»، دعا فيها بوضوح لزواج المصريين من إسرائيليات، ومع أن الدراسة اعترفت بأن الإحصاءات كشفت وجود ١٤٣ حالة زواج بين مصريين وإسرائيليات، وأن أغلب الزيجات هي من فلسطينيات يحملن الجنسية الإسرائيلية، إلا أن الندوة دعت لتشجيع الزواج بشكل عام بين العرب والإسرائيليين، بزعم أن ذلك الزواج المختلط يعتبر جسورًا ممهدة بين الثقافات في أوقات السلم وأنها فرصة لتعرف المجتمع الإسرائيلي المنغلق، وغزوه فكريًّا! 

تطبيعي من الطراز الأول

ويعد د. سعد الدين إبراهيم رئيس المركز أحد المطبعين مع الصهاينة، وسبق له زيارة فلسطين المحتلة، ويحلو له وصف الصراع العربي الإسرائيلي بأنه صراع اجتماعي، ويروِّج للتطبيع مع المجتمع الإسرائيلي تحت زعم أن ذلك مطلوب لتعرف الثقافات الأخرى.

وعندما ألقي القبض عليه، كشف باحثون وعمال في المركز أن الملحق السياسي الإسرائيلي بالقاهرة ناداف كوهين سبق أن زار مركز ابن خلدون مرات عدة، وخرج محملًا بأكوام من الأوراق والمستندات بشكل آثار امتعاض العاملين بالمركز.

وتعد مؤسسة «فورد» الأمريكية إحدى أكثر مؤسسات التمويل الأجنبي دعمًا للمركز، وسبق أن أعد لها دراسات عن الجمعيات الدينية في مصر، وأعدادها ونفوذها، كما أعد لها دراسات عن الأقباط وعن مشكلات المواطنة والتطبيع وغيره، ولذلك يصفه كثير من المثقفين والمفكرين بأنه وكر للجاسوسية، وإعداد الأبحاث والدراسات التشريحية للمجتمع لجهات خارجية.

وجاءت دراسة التعليم الديني لتفضح المركز أكثر وأكثر، وتكشف دوره المشبوه لا في التجسس والحصول على تمويل أجنبي فحسب، ولكن دوره في المخطط الغربي الذي يهدف لاقتلاع الإسلام من المنطقة، تمهيدًا لجرفها عبر رياح العولمة لتصبح مسخًا مشوهًا يقلد الغرب في كل شيء! 

وهناك (٢٦) هيئة أجنبية يتعاون معها مركز ابن خلدون، ويتلقى من بعضها تمويلًا، ووفقًا لميزانية المركز المعلنة، فقد بلغت إيراداته خلال السنوات العشر الأولى من إنشائه 88/1998م نحو ۲۲ مليون جنيه مصري، ومصروفاته ٢٥ مليونًا. 

كما أعد المركز مشروعًا أسماه دمج المتطرفين في المجتمع المدني، استهدف في ظاهره، تقديم مساعدات مالية لأفراد جماعات العنف للدخول في مشاريع اقتصادية صغيرة، ولم يعرف المشروع أي نجاح في هذا الصدد، باستثناء شخص واحد شهير باسم حسن كاراتيه الذي اكتسب شهرته مما عرف باسم «جمهورية إمبابة» أحد أفقر أحياء القاهرة، وقد بدأ المشروع بتمويل من بعض رجال الأعمال المصريين ثم تطور ليحصل على آلاف الدولارات من دول أجنبية، تحت غطاء المشروع، منها ۱۰۰ ألف دولار من إحدى المنظمات النصرانية، وانتهى الأمر بالفشل، بعد أن تم جمع الدعم للمشروع وتشويه صورة مصر والإسلام.

أبحاث لمن؟

وقد قامت وحدة الأبحاث التابعة للمركز بعدد من الأبحاث واستطلاعات الرأي لجمع آراء شباب مصر حول الدين والتعليم الديني وتطبيق الشريعة، كما أجريت استطلاعات وأوراق بحثية حول الجماعات الإسلامية ونص الدستور المصري على الشريعة الإسلامية، ورأي الجماهير فيها، وأثار استطلاع قام به المركز عن الأحزاب -موَّلته إدارة أوقاف أهلية أمريكية تردد أنها تابعة للمخابرات الأمريكية- استياء بين زعماء الأحزاب بعدما ركز الاستطلاع على معرفة علاقتهم بالقوات المسلحة، كما ركز على معرفة رأي المواطن العادي في درجة ثقته في الجيش المصري؟!

واللافت في هذا الاستطلاع الذي تضمن ٤٣ سؤالًا، موجهًا لرؤساء الأحزاب والمواطنين أنه تضمن سؤالًا يقول: «السياسي الذي لا يؤمن بوجود الله هل يصلح الإدارة البلاد»؟

عندما تنقلب السفينة؟

ما إن انقلبت سفينة «ابن خلدون» وجرى  اعتقال د. سعد الدين إبراهيم، حتى سارع كل من فيها للقفز والنجاة تاركين رئيس المركز يغرق وحده، وأول هؤلاء ساعده الرئيس وصاحب مشروع التعليم الأزهري أحمد منصور، أما أعضاء مجلس الأمناء: عبد العزيز حجازي - جمال البنا - هاني رزق - عبد المنعم سعيد- سعيد النجار- الممثلة صفية العمري، فقد لزموا الصمت وبعضهم كالممثلة صفية العمري نفت صلتها بالمركز من الأصل، أما صبحي فقال: إنه ترك المركز عمليًّا منذ شهرين ليتفرغ لفتح مكتب كمبيوتر، وإنه كان من المقرر أن يكون -بالمصادفة-  شهر اعتقال الدكتور سعد الدين إبراهيم هو شهر تقاعده رسميًّا، وإغلاق «رواق ابن خلدون» الذي يشرف عليه! وقال: إن كل علاقته بالمركز كانت إدارة الرواق، ولا علاقة له بالمركز أو ما يثار حوله، رغم أنه صاحب أخطر مشروع خرج من المركز!، وقال منصور: إنه لم يكن يتقاضى من المركز سوى ٤٠٠ جنيه شهريًّا، عبارة عن ١٠٠ عن كل حلقة نقاشية أسبوعية يشرف عليها في رواق ابن خلدون.

علي سالم أحد أقطاب التطبيع مع إسرائيل سافر للكيان الصهيوني فور القبض على د. سعد الدين إبراهيم بحجة حضور مهرجان فني، وقال إن علاقته بالمركز كانت من خلال الفيلم الذي يدور حول المشاركة في الانتخابات، وكتب سالم السيناريو الخاص به، واعتبرته النيابة المصرية   أحد أدلة الاتهام ضد سعد الدين إبراهيم. 

أما مجموعة الباحثين الأساسيين في المركز فقد سعوا لنفي أي صلة لهم بالأموال التي تلقاها المركز من جهات أجنبية، محملين د. سعد المسؤولية كاملة، حتى إن بعضهم «التحقيقات لا تزال جارية» عرض أن يكون شاهد ملك ضد رئيس المركز، مقابل الإدلاء بتفاصيل حول أعمال المركز وتمويله. 

تجربة ابن خلدون درس لكل من يتعاون مع الغرب ضد الإسلام .

الرابط المختصر :