العنوان الدبلوماسية العربية والحلول المطروحة
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1983
مشاهدات 84
نشر في العدد 608
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 15-فبراير-1983
ريغان يعد بإعادة 97% من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الأردن ولا دولة فلسطينية ولا كيان فلسطيني مستقل.
مطلوب من الإسلاميين أن يتدبروا الأمر وأن يبادروا إلى تحمل المسئولية فلم يبق غيرهم في ساحة المواجهة.
ريغان: نعطيكم 97% من الضفة الغربية والقطاع.
عرفات: الأمر بيد المجلس الوطني.
تحركات راكضة لاهثة محمومة، وزيارات متلاحقة متكررة، ورسائل تتبعها رسائل ومبعوثون رسميون وممثلون شخصيون يتنقلون بين هذا البلد وذاك.. اللجنة السباعية تتحرك في دول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن فتستقبل من هنا ويرفض استقبالها من هناك يستمع إليها هذا الطرف ويوهمها بأنه مهتم بقضيتها ثم لا شيء بعد ذلك، وترفض بريطانيا «التي كانت عظمى» استقبالها لأن فيها عضوًا «إرهابيًّا» أعطت بريطانيا بلده لليهود، ويقف هذا العضو على الباب في أمريكا التي أعلنت الحرب على الشعب الفلسطيني بدعمها المطلق لعدوه إسرائيل، يسافر الملك حسين إلى واشنطن منفردًا ثم يعود إلى عمان، يستدعي على الفور ياسر عرفات ليجتمع به ثم ينفض الاجتماع، يسافر ياسر عرفات إلى موسكو ويحصل منها على الموافقة على قيام اتحاد كونفدرالي مقترح بين جزء تنسحب منه إسرائيل وبين الأردن... إسحق نافون رئيس الدولة اليهودية يسافر إلى أمريكا ثم يعود إلى إسرائيل، الملك حسين يقوم بجولة في البلاد العربية مبتدئًا بالعراق، عبد الحليم خدام وزير خارجية سوريا يحمل رسائل من أسد إلى بعض البلدان العربية، الباجي السبسي وزير الشؤون الخارجية التونسي يقوم بجولة عربية، اجتماعات في النمسا منظورة وغير منظورة، أنباء عن اتصالات بين منظمة التحرير واليهود حول الأسرى! دق متواصل من حسني مبارك والمتولين المصريين على رأي منظمة التحرير: اعترفي بإسرائيل!
الاستنفار العربي لماذا؟
فماذا جرى للعرب؟ ولماذا هذا الاستنفار للدرجة القصوى؟ هل هناك حرب قادمة وشيكة بين العرب واليهود؟ أم أن هناك إنهاء لحالة الحرب القائمة بين العرب واليهود باتت وشيكة؟ نعم، هذا ما توحي به الأحداث والتحركات والاجتماعات والتصريحات والهمسات، ولكن الحرب من الناحية العملية منهية بين الأنظمة العربية وبين إسرائيل، بل إن بعض هذه الأنظمة نصبت من نفسها حارسًا مخلصًا لإسرائيل لا تسمح لأي «فدائي» فلسطيني بإجازة مرور إلى وطنه لينال «الشهادة»، وما دام الأمر كذلك فلِمَ هذه الضجة؟
ماذا قال ريغان؟
إنه الإنذار الأمريكي القصير الأجل الذي وجّهه ريغان إلى الملك حسين في زيارته الأخيرة لواشنطن، يقول ريغان لملك الأردن: «عليكم أن تختاروا بين أمرين، فإما أن تفعلوا ما فعله السادات تمامًا أي تجتمعون مع اليهود وتتفاوضون لحل المشاكل القائمة بينكم، أو تقوم إسرائيل بغزو بلادكم كما فعلت في لبنان» ومدة هذا الإنذار هو مطلع شهر مارس «آذار» وبعدها ينشغل الرئيس الأمريكي في التحضير للانتخابات القادمة، ولسنا نستنتج هذا الإنذار استنتاجًا بل إن هذا هو خلاصة ما قاله الملك حسين حين اجتمع بوفود من «وجهاء» الفلسطينيين والأردنيين أي من يسمون بالفعاليات السياسية.
وعلى الفور طلب حضور ياسر عرفات وأخبره بمضمون الإنذار، وقال لعرفات: «ليس في مقدوري أن أحارب إسرائيل» وبالطبع فليس في وسع الملك حسين أن يقبل باحتلال الضفة الشرقية.. فما العمل؟ إنه لا بد من التفاوض مع إسرائيل قبل فوات الأوان، ولكن: هل تقبل إسرائيل التفاوض مع منظمة التحرير؟ يجيب على هذا السؤال إسحق نافون الذي أبلغ مؤتمرًا صحفيًا في نيو يورك يوم 14\1\1983 بأن إسرائيل لا تستطيع أن تقبل تنازلات في أربع نقاط رئيسية هي:-
القدس عاصمة إسرائيل وستظل كذلك.
عدم التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية.
رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
عدم العودة إلى حدود 1967 لأنها تشكل خطرًا على أمن إسرائيل.
إذن كيف يمكن حل إشكال التفاوض مع منظمة التحرير؟
يقول ريغان للملك حسين «يمكن تشكيل وفد من رؤساء البلديات في الضفة الغربية وقطاع غزة يدخل ضمن الوفد الأردني ولا تعترض عليه منظمة التحرير ولا تؤيده» ولذلك ذكرت صحيفة «الراية» القطرية يوم 17\1\1983 أسماء الوفد الفلسطيني المقترح انضمامه إلى الوفد الأردني، وقالت الصحيفة إن الوفد الفلسطيني يضم في عضويته: رشاد الشوا ممثلًا عن قطاع غزة، وكلًا من أنور الخطيب وإلياس فريج وجميل صبري خلف وحكمت المصري وفهد القواسمة ممثلين عن الضفة الغربية.
وأصر الملك حسين على أن يحصل على تفويض واضح من منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى دعم كامل من بقية البلدان العربية، ولم يعط ياسر عرفات جوابًا وإنما وعد بعرض الأمر على المجلس الوطني الفلسطيني - ومن المعروف أن المجلس الفلسطيني سينعقد في الجزائر في 14\2\1983 أي قبل انتهاء مدة الإنذار الأمريكي بأسبوعين بالتمام والكمال باعتبار شهر فبراير 28 يومًا، وأما الملك حسين فإنه يقوم الآن بجولته على البلدان العربية لأخذ الموافقة الجماعية على أن يقوم نيابة عن العرب بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!
ولكن ما الذي يمكن إنقاذه؟ يقول ريغان للملك حسين «أستطيع أن أرجع لكم 97% من الضفة الغربية وقطاع غزة» إنها صفقة رابحة، فما هو مصير الـ3%؟ لقد عرض الملك حسين أن يتم التبادل بشأنها على الحدود أي تعديل الحدود بما يؤمن حصول العرب على هذه الــ3% المفقودة، فيقول ريغان: يمكن طرح هذا الأمر في المفاوضات!
والقدس.. ما هو مصيرها؟ هل هي مع الـ97% أم مع الـ3%؟ من المعروف أن إسرائيل تصر على إبقائها موحدة وتحت سيادتها وعاصمة لها، بينما تصر منظمة التحرير على استرداد القدس الشرقية وجعلها عاصمة للدولة الفلسطينية.
يقول ريغان: «لن يكون هناك دولة فلسطينية مستقلة وإنما كيان فلسطيني مرتبط بالأردن» وبذلك فلا عاصمة له، وأما بالنسبة للأماكن المقدسة الإسلامية فيمكن ترتيب وضع معين لها يتيح للمسلمين حرية العبادة فيها!
والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي تزداد يومًا بعد يوم، ما هو مصيرها، هل ستزال أم تبقى ضمن الدولة الأردنية، وإن بقيت ضمن الدولة الأردنية فلمن السيادة عليها؟ يقول الإسرائيليون «المعارضون» لبيغن والموصوفون بالاعتدال مثل بيريز وألون: «تبقى المستوطنات في أماكنها وتتواجد قوات إسرائيلية لحمايتها ويمتد هذا التواجد العسكري الإسرائيلي حتى نهر الأردن وذلك حتى يمكن تحقيق (الحدود الآمنة لإسرائيل)».
ومعنى ذلك أن يكون الكيان الفلسطيني المرتبط بالأردن كيانًا منزوعًا من السلاح تمامًا ويقوم بحفظ الأمن فيه -أي بترويع الآمنين فيه- قوات إسرائيلية وشرطة عربية، فإذا رفض العرب ذلك فلن يحصلوا على الغنيمة التي تتمثل في سكوت إسرائيل؛ لأن إسرائيل في هذه الحالة ستتوسع وتتمدد وتتمطى وتلتهم أرضًا جديدة، ومن يستطيع أن يقف في وجهها؟ هل الأنظمة التي استبعدت الحل العسكري وأحلت محله الحلول «السلمية»؟ أم الجيوش المدججة بأفتك الأسلحة ولكن ضد شعوبها وليس ضد إسرائيل؟! أم الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها والتي يجري تطبيعها ليل نهار لتركع وتلعق كأس الهوان حتى الثمالة، وتنسى أن هناك فلسطين عربية إسلامية وأن الحقيقة الناصعة التي يجب أن نتعامل معها بأدب هي إسرائيل العظمى أم الدولة «الكبرى» التي تناوبت الأدوار لتثبيت الكيان اليهودي بدعمها العسكري والبشري والمالي والسياسي!
راية الجهاد تنتظر الأيادي المتوضئة
اللهم إن هذه أمتك قد أصابها الوهن فأحبت الدنيا وكرهت الموت، فجاءها الموت، ولحق بها الدمار وتداعت الأمم عليها واختلطت المفاهيم والقيم عندها، فأصبحت الخيانة وطنية وأصبح الاستسلام سلامًا وأصبح الخنوع تعقلًا.
إلهي، لقد استطاع أعداء هذه الأمة وأعداؤك أن يضربوا أمتك في أعز ما وهبتها، العقيدة، قبل أن يضربوها في كرامتها ويستبيحوا ديارها ويستغلوا ثرواتها.
وأنتم أيها الإسلاميون، أما آن لكم أن تقدروا الأمر وأن تجتمعوا على قلب رجل واحد، ألن تبادروا إلى العمل؟ مَن غيركم في الساحة الآن؟ من غيركم مؤهل لاستلام راية الجهاد؟ لقد رفعها إخوة لكم في أفغانستان ضد نظام عميل كافر وضد دولة عظمى طاغية، وهو بعون الله من نصر إلى نصر رغم إمكانياته الضئيلة، لقد حزم الشعب أمره وتوكل على الله وبدأ العمل واتحدت كلمته في ميدان الجهاد؛ فهل أنتم فاعلون؟
المسلمون الأوائل ما هزموا الفرس والروم بكثرة عدد ولا عتاد بل بالعقيدة والجهاد، أرسل خالد بن الوليد إلى القائد الفارسي «هرمز» يقول «... جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة»، وهذا هو «هرقل» ملك الروم يجمع قواد جيشه ويسألهم: ويلكم، أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم، أليسوا بشرًا مثلكم؟ فيجيبون: بلى، فيسأل هرقل: أفأنتم أكثر أم هم؟ فيجيب القادة: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن، فيندهش هرقل ويسأل: فما لكم تنهزمون؟ فيجيب أحد القادة: لأنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، أما نحن -يقصد الروم- فنشرب الخمر، ونزني، ونرتكب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم، ونأمر بما يغضب الله وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض».
أفلا يأخذ المسلمون عبرة؟
أفلا يبادر الإسلاميون إلى القيام بالمسئولية؟