العنوان الدعوة إلى الله ومكانتها في الإسلام
الكاتب عبدالرحمن عبدالله آل فريان
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1988
مشاهدات 70
نشر في العدد 866
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 10-مايو-1988
الحمد لله رب
العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين،
ومدبر الخلائق أجمعين، وباعث الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إلى المكلفين
لهدايتهم، وبيان شرائع الدين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين،
سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، إمامنا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن
عبد الله رسول رب العالمين، ورضي الله عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم
بإحسان وسار على منهاجهم بإيمان إلى يوم الدين، أما بعد:
السلام عليكم
أيها المسلمون ورحمة الله وبركاته، وتعلمون - سلَّمكم الله - ما للدعوة إلى الله
من الأثر العظيم في نفوس الخلق، ونفعهم عند الله، ولهذا أكثر من دخلوا في الدين
الإسلامي هو بسبب الدعوة إلى الله، وسماعهم للخير، وإفهام النفوس بما لها وما
عليها. ولقد كان إمام الداعين إلى الله - عز وجل - هو نبينا محمد - صلى الله عليه
وسلم - قام بذلك امتثالًا لأمر ربه، وتلبية لطلبه في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:125). فكان النبي الكريم - عليه من الله أفضل
الصلاة وأزكى التسليم - يقوم بالدعوة إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا،
ويتغشى الناس في أنديتهم ويصبر على أذاهم، ويوجه لهم الدعوة جماعات وأفرادًا،
ذكورًا وإناثًا، أحرارًا وعبيدًا، صغارًا وكبارًا، كما قال لعبد الله بن عباس بن
عمه الأقرب، وهو غلام صغير، قال: «يا غلام: إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك،
احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل
الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم
ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد
كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف»، رواه الترمذي وصححه.
والدعوة إلى
الله هي جوهرة الإسلام، التي تقود الناس إلى السعادة والفلاح، ومنها الجهاد في
سبيل الله، الذي هو أعلى شيء في دين الإسلام، كما قال المصطفى - صلى الله عليه
وسلم -: «ذروة سنام الدين الجهاد في سبيل الله». والدعوة إلى الله لا بد أن تكون
حسنة وإلا فقد يكون تأثيرها عكسيًا، ولهذا إذا جاءت ممن لا يُحسنها نفرَت عن
الإسلام، ولهذا يعطينا ربنا التعاليم الطيبة، فيقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ
حُسْنًا﴾ (البقرة:83)، وقال: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
(الإسراء:53)، وقال تعالى لموسى وهارون - عليهما السلام - في دعوتهما لمن هو من
أكفر الخلق فرعون اللعين، يقول الله في نهج الدعوة له أو لغيره؛ حتى تكون طريقًا
متبعًا: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾
(طه:44). وقال في وصف نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي
أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ
اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:108)، وقال تعالى: ﴿فَلِذَٰلِكَ
فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾
(الشورى:15). فمشى نبينا الكريم في حياته الطيبة الكريمة في دعوة وجهاد، فتارة
يقوم بنفسه الشريفة بالدعوة إلى الله، وهداية الناس للحق، وإرشادهم إليه في خطبه
العظيمة، ومواقفه الشريفة في المسجد الحرام، وعلى الصفا، وفي مواسم الحج في منى
وعرفات والمزدلفة، وفي مسجده الشريف، وتارة يكتب الكتب ويرسلها إلى الناس؛ لدعوتهم
للخير، وتارة يبعث الدعاة إلى الأقطار يدعون الناس إلى الإسلام، ويقرئونهم القرآن،
ويبصرونهم في دين الإسلام، كما قال ربه سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ
صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (الشورى:52-53). وقد
أثنى ربنا سبحانه وامتدح الداعي إلى الله، بل جعل طريقه أحسن الطرق، وقوله أحسن
القول، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ
وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33)، وأمر بالدعوة
إليه، ومدح القائمين بها، ووعدهم الفلاح، الذي هو الظفر والفوز والسعادة، فقال:
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل
عمران:104)، ووعد المستجيبين للدعوة بالخير والتثبيت والأجر العظيم، فقال: ﴿وَلَوْ
أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ
تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا *
وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (النساء:66-68).
ولا شك أن
الدعوة إلى الله هي عماد الدين، وبها ينتشر الإسلام، وبها أرسلت الرسل، كما قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل:36). والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الخير،
الدعوة إلى الإسلام، الدعوة إلى الجنة، ولها شروط:
• أحدها: العلم بما يدعو الله؛ حتى لا يدعو
إلى جهل أو منكر وهو لا يدري.
• والثاني: أن يستعمل الرفق واللين، كما قال
الله - تعالى - في حق فرعون في دعوة موسى وهارون له: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ
إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
يَخْشَىٰ﴾ (طه:43-44).
• والثالث: العمل بما يدعو إليه، كما قال
تعالى عن شعيب - عليه السلام - حين دعا قومه، قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ
أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ
مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود:88).
ولا شك أن
الدعوة إلى الله يترتب عليها شيء من الأذى على الداعي من الناس، كما جرى على رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الرسل قبله، وعلى الدعاة بعده من تشريد أو سجن
أو غير ذلك؛ لأن عظم الجزاء مع عظم البلاء، فعلى العبد أن يصبر ويحتسب، ولا يجزع،
ولا يحسب الجنة تنال بغير الجهاد والعمل، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:142)، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ
مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ
قَرِيبٌ﴾ (البقرة:214)، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن
يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:2-3).
إخواني: إن
للدعوة إلى الله أثرًا طيبًا على العبد من الله، بأن يعطيه الأجور العظيمة كما قال
المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من
تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يهدي الله
بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم».
وقال - صلى الله
عليه وسلم -: «طوبى لمن كان مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر وويل لمن كان مفتاحًا للشر
مغلاقًا للخير»، وغير ذلك من الأحاديث الدالة على فضل الدعوة إلى الله، وثوابها
عند الله. ثم إن الدعوة إلى الله - يا عباد الله - لها أثر طيب في نفوس الناس، فكم
هدى الله بها من كافر وفاسق وفاجر ويهودي ونصراني ومجوسي ودهري وغير ذلك، ولهذا
كان القرآن أكبر مؤثر على النفوس، يجلبها للخير، وكان نبينا محمد - صلى الله عليه
وسلم - أكثر الأنبياء أتباعًا يوم القيامة. نسأل الله - عز وجل - أن يجعلنا وإياكم
هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، كما نسأله سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته،
ويقمع أعداءه، ويجعلنا وإياكم أنصارًا لدينه وحماة لشريعته، وصلى الله وسلم على
نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل